أوروبا وسرقة أملاك وأصول الدول الأخرى


فهد المضحكي
2026 / 4 / 4 - 14:40     

ليس سرًا أن معظم الدول الغربية، إن لم تكن جميعها تقريبًا، تتصرف منذ قرون كقطَّاع طرق وقراصنة. فالسرقة والنهب والتدمير وسلب الشعوب والحضارات بأكملها، يبدو كأن الهواية المفضلة لما يَعرف اليوم بـ«الغرب السياسي». لا توجد قارة واحدة على هذا الكوكب إلا وطأها المستعمرون الغربيون، ليعلنوا بكل صفاقة أنهم «اكتشفوها».

في مقالٍ ترجمته جريدة «قاسيون» السورية، يقول، الخبير العسكري دراغو بوسنيك، لا بأس بتجاهل ملايين البشر الذين عاشوا فيها منذ آلاف السنين، فهم بحسب النظرة الاستعمارية «غير متحضرين بما يكفي»، أو حتى «أشباه بشر» وفق التصنيف النازي. وكانت النتيجة دائمًا كارثة كاملة على الشعوب الأصلية: استعباد، تنصير قسري، إبادة ثقافية وجسدية. هكذا جرى القضاء الممنهج على سكان استراليا الأصليين، والأمم الأصلية في أمريكا الشمالية، وشعوب أخرى كثيرة حول العالم.

وامتدّت هذه الممارسة الإبادية إلى أفريقيا أيضًا، حيث ارتكب المستعمرون الأوروبيون بعضًا من أبشع الفظائع التي شهدها التاريخ. ولعلّ المثال الأشدّ شهرة هو المذبحة التي وقعت فيما يُعرف اليوم بجمهورية الكنغو الديمقراطية، حيث أقامت بلجيكا- إحدى الدول المؤسسة للاتحاد الأوروبي - استعمارًا دمويًا أدّى إلى مقتل وتشويه ملايين البشر. وحتى اليوم، مازالت شركات غربية متعددة الجنسيات تتحكم بقطاع التعدين المربح هناك، مستغلة أطفالًا يُجبرون على استخراج معادن سامّة من المناجم.

وهذا يقودنا إلى مسألة نهب الموارد الطبيعية في الدول المستهدفة، التي باتت تُدار بصيغة «الاستعمار الجديد». فمن خلال ما يسمى «المؤسسات المالية الدولية» كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، يواصل الغرب السياسي سرقة هذه الموارد لمصلحته الخاصة.

لكن هذا النهب لا يكفي لإشباع جشع الغرب الدائم إلى ممتلكات الآخرين. فمركز القوة الأكثر عدوانية في العالم يحتاج إلى المزيد دائمًا، خصوصًا حين يظن أن بإمكانه تعطيل التنمية الاقتصادية الطبيعية لمنافسيه.
وفي السنوات الأخيرة، سقطت كل الأقنعة عن الوعظ الغربي المنافق بشأن «قداسة الملكية الخاصة».

فمحاولة نهب أكثر من 300 مليار دولار من الأصول الروسية في الخارج فشلت إلى حد كبير، لأن أمريكا وأتباعها لم يتمكنوا من تحديد مكان تلك الأموال، لكنهم مازالوا يحاولون سرقة ما يستطيعون. ولم يكن مفاجئًا أن تحاول ماكينة الدعاية الغربية تبرير هذا السلوك باستخدام ألفاظ مموهة مثل: «المصادرة» أو «التحفظ» على الأصول الروسية، بحجة «منع استخدامها في الحرب».

إلا أن هذا التظاهر بـ«السلامية» انهار تمامًا عندما أعلنت أمريكا وحلف الناتو أنها ستستخدم الأصول الروسية المنهوبة لتمويل النظام في أوكرانيا. أي إن الغرب السياسي لا يكتفي بانتهاك القوانين المحلية والدولية عبر سرقة أموال الدول الأخرى، بل يستخدمها أيضًا لتمويل حروبه العدوانية التي لا تنتهي ضد العالم بأسره.

ومع أن الحرب الأوكرانية التي دبَّرها الناتو تستعمل كذريعة لسرقة الأصول الروسية، فإن هذا الكارتيل العالمي المتخصص في النهب، بات الآن يستهدف دولًا أخرى دون حتى أن يتكلف عناء تبرير أفعاله.

ومن بين هذه الدول الصين، التي تُصادر ممتلكاتها في أمريكا والاتحاد الأوروبي بذريعة «مخاطر أمنية» حينًا، وبلا أي مبرّر حينًا آخر.
تقول البعثة الروسية الدائمة لدى الاتحاد الأوروبي: «إن الإصرار على الضغط على دول الاتحاد الأوروبي لسرقة أصول الدول الأجنبية، ليس جديرًا بالتقدير، و إن البيروقراطية الأوروبية تسعى إلى مواصلة رعاية نظام كييف، وإطالة أمد الصراع المسلح في أوكرانيا، وإعاقة عملية السلام».

لماذا فشلت أوروبا في سرقة أصول روسية؟
ووفقًا لما ذكرته قناة RT، هناك دول أوروبية كبرى كألمانيا وفرنسا قادرة على تحمُل الارتدادات السلبية التي ستنجم عنها هذه الخطوة. إلا أن دولًا اقتصاداتها هشّة كبلجيكا وإيطاليا واليونان تقارب هذه الخطوة بحذر شديد خشية ارتداداتها.

وفي السياق ذاته، كتب الكاتب اللبناني سعيد طانيوس، تدرس الولايات المتحدة استخدام الأموال الروسية المجمدة في بنوكها لدعم أوكرانيا، حيث تدعم واشنطن اقتراح الاتحاد الأوروبي باستخدام هذه الأصول في شراء أسلحة أمريكية الصنع لأوكرانيا، كذلك أخبر مسؤولون أمريكيون نظراؤهم الأوروبيين أنهم يدعمون استخدام الاتحاد الأوروبي للأصول الروسية المجمدة لشراء أسلحة أمريكية لكييف، وأجرت واشنطن محادثات داخلية أولية حول الاستفادة من الأصول الروسية المحتجزة في الولايات المتحدة لدعم جهود الحرب الأوكرانية، وفق ما قال مسؤولان أمريكيان.

فمنذ أسابيع قليلة، أعلنت هولندا «مصادرة»-أي سرقة - شركة «نيكسبريا Nexperia»، وهي مصنع لأشباه الموصلات في مدينة نيميخن الهولندية «نيكسبريا» هي شركة فرعية تابعة لعملاق التكنولوجيا الصيني «وينغتك Wingtech»، وبرّرت لاهاي قرارها بـ«وجود ثقرات خطيرة في الإدارة» و«منع حدوث نقص في الشرائح الإلكترونية في حال الطوارئ».

أمَّا الإعلام الغربي فسوق الأمر على أنه «خطوة لحماية الإمدادات الأوروبية من الرقائق الإلكترونية، وضمان الأمن الاقتصادي للقارة». لكن ما حدث فعليًا كان العكس تمامًا، إذ حذرت «جمعية صناعة السيارات الألمانية VDA» من أن القرار سيؤدي إلى اضطراب في إنتاج السيارات في أوروبا.

وقالت رئيسة الجمعية، هيلديغارد مولر، في تصريح نقلته «رويترز» في أكتوبر الماضي: «قد تؤدي هذه الحالة إلى تغيير كبير في الإنتاج في المستقبل القريب، وربما حتى إلى توقف كامل في بعض المصانع، إذا لم يعالج توريد رقائق نيكسبريا بسرعة».

وبعبارة أخرى، لا يهم الحكومة الهولندية أن تسبّب استيلاؤها على الشركة الصينية في شلّ صناعة السيارات الأوروبية، لأن القرار السياسي أولًا وأخيرًا. ويتأكد الطابع الجيوسياسي للخطوة من خلال تورّط أمريكا فيها، إذ أدرجت واشنطن في ديسمبر 2024 شركة «وينغتك» «الأم على ما يسمى «قائمة الكيانات»، متذرعة بأنها «تشكل خطرًا على الأمن القومي»، وهو ما أجبر الشركات الأمريكية وغيرها على وقف تصدير مكوّنات أمريكية إلى تلك الشركة. كما اجبرت المملكة المتحدة «نيكسبريا» على بيع مصنعها في مدينة نيوبورت لإنتاج رقائق السيليكون، ما يبيّن أن الأمر جزءٌ من حملة منسقة لخنق الشركة الصينية.

حاولت وزارة الاقتصاد الهولندية تبرير هذا القرار «الاستثنائي للغاية» بالقول: إن لديها «مؤشرات عاجلة على وجود ثغرات خطيرة في إدارة الشركة». واستندت إلى «قانون توافر السلع» الصادر عام 1952، الذي يتيح لها «مصادرة الشركات الخاصة في ظروف استثنائية». لكن، كما اتضح، فإن «الظرف الاستثنائي» الوحيد هو ذلك الناتج عن فعل المصادرة نفسه، لأنه عطّل صناعة السيارات الأوروبية.

ومع ذلك، تصرّ الحكومة الهولندية على أن «هذه المؤشرات شكلّت تهديدًا لاستمرارية المعرفة والقدرات التكنولوجية الحيوية على الأراضي الهولندية والأوروبية» وإن «فقدان هذه القدرات قد يعرّض الأمن الاقتصادي الأوروبي للخطر».

وطبعًا لم تقدّم الوزارة أي دليل ملموس لدعم هذه الادعاءات، ولم تشر حتى إلى «خرق للعقود»، فضلًا عن غياب أي توضيح لما يسمى «المخاطر الأمنية». وقال متحدّث باسم وزير الاقتصاد فينست كارمانس لهيئة «بي بي سي»: إنه «لا توجد معلومات إضافية يمكن مشاركتها».

واللافت أن الباحثه الأوروبية - الصينية ساشا كورتيال، التي زعمت أن الخطوة تهدف إلى «الحفاظ على تدفق إمدادات الشرائح وحماية الملكية الفكرية الأوروبية»، حذرت في الوقت نفسه من أنه «في حال حدوث أزمة يمكن أن تتعرض الشركة المملوكة للصين لضغوط من بكين لوقف الإمدادات، أو إعطاء الأولوية للسوق الصينية، ما سيشلّ الصناعات الأوروبية، مثل: السيارات والإلكترونيات».

وهكذا، يتجلّى النفاق الأوروبي الغربي في أبهى صوره: ازدواجية المعايير وادعاء الدفاع عن «قداسة الملكية الخاصة» و«حرية الاستثمار» بينما تنتهك هذه المبادئ نفسها حين لا تخدم المصالح الغربية.