تخوض رأسماليّة – إمبرياليّة الولايات المتّحدة حربا ضد إيران لأسبابها الإمبرياليّة الرجعيّة الخاصّة ... و ليس بسبب خدعة إسرائيلية مفترضة


شادي الشماوي
2026 / 3 / 24 - 21:01     

جريدة " الثورة " عدد 949 ، 23 مارس 2026
www.revcom.us

هذا الأسبوع ، إستقال جو كانت من منصب " مدير المركز القوميّ للتصدّي للإرهاب " ، وهو موقع مباشرة تحت تولسي غابار ، مدير معهد المخابرات القوميّة لدي ترامب . و قال كانت ، " ليس بوسعي أن أتحمّل بضمير مرتاح الحرب الدائرة في إيران . فإيران لم تكن تمثّل تهديدا كامنا لأمّتنا ، و من الواضح أنّنا شرعنا في هذه الحرب تحت ضغط إسرائيل و لوبيها الأمريكي القويّ ." و لسوء الحظّ ، أخذ آلاف التقدّميّين ينشرون هذا المقتطف بإستحسان .
و هنا ثمّة شيئان خاطئان : أوّلا ، جو كانت فاشي قوميّ من أنصار تفوّق البيض – إذن لماذا ، اللعنة ، تحتفون به إن كنتم ضد الفاشيّة . ثانيا ، و أكثر إشكاليّة بكثير : الحقيقة مناقضة لما قاله جو كانت . فالدور الأساسي لإسرائيل في عالم اليوم هو أنّها أكبر فارض للهيمنة الرأسماليّة – الإمبرياليّة للولايات المتّحدة في الشرق الأوسط .
إنّ حرب الولايات المتّحدة – إسرائيل ضد إيران جزء من مسار طويل للإمبرياليّة الغربيّة – و اليوم هذا يعنى في الأساس رأسماليّة – إمبرياليّة الولايات المتّحدة – للسيطرة على المنطقة الإستراتيجيّة للشرق الأوسط . و يضمّ الشرق الأوسط أكثر من نصف مليار إنسان و قسط هائل من إحتياطي النفط و الغاز في العالم . و المنطقة نفسها ملتقى قارات ثلاث و مفترق طرق إستراتيجي للتجارة – كما نشاهد ذلك اليوم . و كانت الولايات المتّحدة البلد الأوّل في الإعتراف بإسرائيل كدولة و – خاصة منذ حرب إسرائيل سنة 1967 ضد مصر و سوريا و عدد من الدول العربيّة الأخرى ، حيث تمكّنت من سرقة قطع من الأراضي العربيّة – و باتت إسرائيل الفارض رقم واحد للمصالح العام لإمبرياليّة الولايات المتّحدة في هذه المنطقة القابلة للإشتعال و الإستراتيجيّة بدرجة كبيرة .
خلال حوالي العقدين الماضيين ، مع حدوث تغيّرات في المنطقة نفسها ، صار الأمر أعقد . إذ وُجد نزاع مصالح و أحيانا إختلافات و صدامات سياسيّة بين الولايات المتّحدة و إسرائيل ، بما في ذلك حول أفضل طريقة ل " إحتواء " إيران و عزلها و كيفيّة التعاطي مع الشعب الفلسطيني المضطهَد الواقع تحت الهيمنة الوحشيّة لإسرائيل ، إلى حدّ الإبادة الجماعيّة الآن . و لتقديم مثال عن إيران و مساعيها للحصول على أسلحة نوويّة : أرادت الولايات المتّحدة أن تعزل إيران دُوليّا بواسطة العقوبات الإقتصاديّة و إجبارها على إمضاء إتّفاقيّة ذات جدول مراقبة صارم للتأكّد من أنّها لن تتمكّم من صنع مثل هذه الأسلحة . و قد إعتقدت إسرائيل أنّ مثل هذه الإتّفاقيّة لن تكون قابلة للفرض و سعت إلى العمليّات العسكريّة المباشرة . و أحيانا ، كانت هذه الخلافات حادّة : لكن كلاّ من الولايات المتّحدة و إسرائيل إتّفقا على الهدف الإستراتيجي و الغاية " الأشمل " لمنع إيران من تحدّى إحتكار الولايات المتّحدة – إسرائيل للأسلحة النوويّة في الشرق الأوسط .
هذه خلافات في صفوف الكتلة الإمبرياليّة و على رأسها الولايات المتّحدة . و الواقع هو أنّ كلّ رئيس و سياسي كبير في الولايات المتّحدة يدرك و يعمل إنطلاقا من واقع أنّ إسرائيل – هذا المخفر العسكري القوي " الموجّه من الغرب " في هذه المنطقة المضطهَدَة الحيويّة و القابلة للإنفجار – حيويّة إستراتيجيّا للحفاظ على هيمنة الولايات المتّحدة على المنطقة . و بالرغم من كلّ إختلافاتهم في مسائل أخرى ، كلّ من بايدن و ترامب ( و لاحقا كمالا هاريس ) كانوا بصرامة كبيرة يساندون الإبادة الجماعيّة التي كانت تقترفها إسرائيل . و مثلما كتبنا في " حصن تنوير أم ..." " بذخيرتها النوويّة الكُبرى، و مستوى تقنيتها الأوروبيّة / الأمريكيّة ، و قسم هام من سكّانها منخرطين في " منطق " و لاأخلاقيّة الصهيونيّة ، تنهض إسرائيل بدور فارض لمصالح الولايات المتّحدة لا يمكن تعويضه ".
و مثلما كتب بوب أفاكيان قبل تقريبا سنتين من الآن :
" و الحفاظ على إسرائيل كدولة " موجّهة من الغرب " أمر له أهمّية حيويّة بالنسبة إلى إمبرياليّيى الولايات المتّحدة ، و بدورها الطبيعة الصهيونيّة ( التفوّقيّة اليهوديّة ) لإسرائيل أهمّيتها حيويّة في الحفاظ على إسرائيل بإعتبراها داعمة لهيمنة الولايات المتّحدة ، خاصة في تعارض مع تأثير إيران – و أبعد من ذلك روسيا و بصورة متنامية الصين – في هذه المنطقة الإستراتيجيّة . " ( الرسالة 35 على وسائل التواصل الاجتماعي ، "
( إلغاء نظام الأبارتايد كجزء من إلغاء كلّ الإضطهاد - دولة جنوب أفريقيا ليست " نموذجا " )
و كلّ سياسيّ مهمّ في نظام الولايات المتّحدة يتصرّف على هذا الأساس ، مهما كانت ( أحيانا أهمّية ) الإختلافات حول كيفيّة القيام بذلك .
الحرب الراهنة قفزة ... لكنّها لم تأت من فراغ :
في ما يتعلّق بمساعي الولايات المتّحدة – إسرائيل لإحتواء إيران ، يعدّ ما يجرى قفزة – لكنّها لم تأت من فراغ . و كما كتبنا في الأسبوع المنصرم ، هذه الحرب " نتيجة 47 سنة من مساعي الولايات المتّحدة و إسرائيل لإحتواء و إضعاف و أحيانا الإطاحة بجمهوريّة إيران الإسلاميّة . و هذه المساعي تعود إلى الحرب الإيرانيّة – العراقيّة التي دفعت إليها و غذّتها الولايات المتّحدة ، و إلى عقود من العقوبات المشلّة لإيران ، إلى الهجمات السيبرانيّة و إغتيالات قادة إيرانيّين ، إلى الهجمات المباشرة للولايات المتّحدة و إسرائيل على إيران و حلفائها طوال عديد السنوات الماضية .
العرّاب و التابع / كابو Capo :
أجل ، تبحث إسرائيل عن مصالحها الخاصّة ضمن هذا التوافق و تقاتل من أجل أفضل إتّفاق ممكن من وجهة نظر كيفيّة رؤيتها لهذه المصالح – غير أنّه إتّفاق في إطار الهيمنة الإمبراطوريّة الأوسع . في النظام الإجرامي الذى هو الإمبرياليّة العالميّة ، إسرائيل عبد و ليس السيّد . ( في لغة المافيا " كابو" قائد يدير العمليّات إلاّ أنّه لا يزال تابعا . و " السيّد " هو القائد الأعلى و رئيس المجرمين ) . للتابع بعض الحرّية و بوسعه أن يقدّم حتّى بعض الإقتراحات – لكن في نهاية اليوم ، السيّد يحدّد الأمور في نهاية المطاف . و المسألة هي مهما كان الدور الذى قد يمكن أو لا يمكن أن تنهض به إسرائيل في الدفع نحو ما يحصل ، قرّر ترامب و من لفّ لفّه المضيّ إلى الحرب إستنادا إلى تقديراتهم لكيفيّة أن تتقدّم أو لاتتقدّم هذه الحرب بالمصالح الإمبرياليّة للولايات المتّحدة ، في كلّ من النزاع مع القوى المنافسة مثل روسيا و الصين و في حاجياتها للتشديد من نهبها للعالم و هيمنتها عليه .
لنفترض أنّ ماركو روبيو كان يقول الحقيقة عندما قال في 2 مارس إنّ فكرة هذه الحرب أتت من إسرائيل . و ماذا في ذلك؟ إسرائيل - كتابع عدواني يقوم بمخاطرة – تدفع بأفكار و تدفع حدود الأشياء ؛ لكن برهانات كبيرة حقّا ، القرار في نهاية المطاف بيد السيّد . و على سبيل المثال : عقب القصف الإسرائيلي الحديث لجانب من حقول غاز جنوب بارس ( الذى تتقاسمه إيران مع البلد العربيّ قطر الحليفة المقرّبة من الولايات المتّحدة ) ، قصفت إيران أشغال الغاز الطبيعي السائل القطريّ كردّ فعل . و عندئذ فرض ترامب قانون في تغريدة على كافة وسائل التواصل الاجتماعي أنّ مثل هذه الهجمات على حقول الغاز ستتوقّف .
الحرب الإجراميّة التي لم يدفع إليها إستفزاز الحاليّة ضد إيران بيّنت أنّها أكثر تعقيدا ممّا كان يتوقّعه ترامب و من حوله . و من غير المعلوم إلى أين ستفضى وهي في منتهى الخطورة أبعد من خطورة ما يجرى الآن . غير أنّ هذه الحرب ليست نزوة . و يواجه الرأسماليّون – الإمبرياليّون الأمريكان تحدّيات كبرى لنظامهم – بما في ذلك التأثير المتنامي و قوّة منافستها الإمبرياليّة الصين ، التي لديها علاقات متنامية مع إيران و لم تكفّ عن الدفع نحو التدخّل في المنطقة – هذا ما دفع إلى هذه المخاطرات .
رسالة إلى التقدّميّين : البحث عن مخارج سهلة و الفهم السطحيّ سيؤدّيان إلى كارثة :
في زمن رهاناته عالية للغاية ، سواء فهمنا علميّا الأسباب الحقيقيّة وراء كلّ هذا أم لا سيحدّد المستقبل الذى سيكون لنا .
الآن ، هناك إنقسام حقيقيّ في صفوف الماغا [ MAGA = جعل أمريكا عظيمة من جديد ] و يبدو أنّ هذا بشأن كيف يتعيّن أن يكون تفوّق البيض كحجر زاوية مفتوحا ، و يلامس مسائل دور الولايات المتّحدة في العالم . و هذا القسم النازيّ الأكثر صراحة وجد أنّ معاداة الساميّة و النازيّة التامة بصفة متصاعدة مناسبتين و رافعة قويّة لجلب الناس و النزاع من أجل التأثير . و آخرون يقفون أكثر مع مواصلة البرنامج الفاشيّ السائد لدعم إسرائيل إلى جانب إستخدام عبارات مناهضة للساميّة لأغراض سياسيّة محلّية . و يتعيّن علينا الإنتباه إلى مثل هذه الإنقسامات .
لكن هذا سبيل مغاير للترويج بلا نقد لتحليل فاشيّ لأنّه يزعم أنّ إسرائيل دفعت الولايات المتّحدة إلى هذه الحرب . أمريكا ليست كيانا بريئا له نيّة طيّبة خدعه " يهود شياطين " في إسرائيل ، كما يرى كانت و أمثاله ؛ في الواقع أمريكا أكبر إمبراطوريّة مصّاصة دماء في التاريخ ، وهي مسؤولة عن قتل أكثر من 14 مليون إنسان في حروب عدوانيّة طوال الثمانين سنة الماضية لوحدها ! كانت أمريكا تكرّس الإبادة الجماعيّة و تستعبد الملايين قبل حتّى إختراع الصهيونيّة .
و الناس في هذه البلاد يتحمّلون مسؤوليّة خاصة في الوقوف ضد جرائم تقترفها " حكومتنا الخاصة " ، و في عدم ترك إمبرياليّة الولايات المتّحدة تفلت من عقالها – لا سيما وهي تبث الإرهاب عبر العالم قاطبة .
إن وجدتم أنفسكم متّفقين مع التحليل السطحيّ لشخص فاشي إلى النخاع ، ربّما يكون الوقت قد حان لقطع خطوة إلى الوراء و التفكير . فالأفكار السطحيّة بشأن الأسباب – وهي تنطوى على حلول سطحيّة – أسهل . لكن إن كنتم تريدون جدّيا وضع نهاية لذلك ، عليكم أن تتعمّقوا في المسألة . لقد كتب القائد الثوري ، بوب أفاكيان :
" لفهم لماذا نواجه الوضع الذى نحن فيه ، لا بدّ من عدم الردّ ببساطة على – و بالفعل الدوران في فلك – ما يحدث على السطح في أيّ زمن معطى ، و إنّما التعمّق إلى ما تحت السطح ، لإكتشاف دوافع الأشياء و أسبابها الكامنة ، و التوصّل إلى فهم للمشكل الجوهريّ و الحلّ العمليّ . و هذا يعنى التوصّل إلى فهم علميّ لكوننا نعيش في ظلّ نظام و ما هي الطبيعة الفعليّة لهذا النظام ( النظام الرأسمالي – الإمبريالي ) ؛ و العمل على إدارك العلاقات و الديناميكيّة الأعمق لهذا النظام و كيف يحدّد إطار كيف أنّ مختلف الفئات من المجتمع تفكّر و تردّ الفعل عفويّا تجاه الأحداث في المجتمع و في العالم ، و ما هو السبيل الممكن للمضيّ نحو تغيير كلّ هذا خدمة لمصلحة جماهير الإنسانيّة و في نهاية المطاف الإنسانيّة ككلّ . " في ما أوردناه أعلاه بعضا من التحليل الأشمل . و في موقع آخر من هذا العدد من الجريدة ، نقدّم بعض الفهم لكيف أنّ ثورة تؤدّى إلى نظام مغاير جوهريّا – نظام يسترشد ب " دستور الجمهوريّة الإشتراكيّة الجديدة في شمال أمريكا " الذى ألّفه بوب أفاكيان – يمكن أن يؤدّي إلى علاقة مختلفة تماما مع شعوب العالم . و ذات التناقضات التي تجعل العالم قابلا للإنفجار بشكل خطير للغاية هي أيضا تجعل الثورة ممكنة أكثر من ما هي عليه في " الزمن العادي " – لكنّ تحقيق هذه الإمكانيّة في الوقاع مرتهن بنا ... بنا جميعا.
إن كنتم جدّيين في ما يتّصل بالمضيّ حقّا إلى جذور الأشياء – و المضيّ حقّا إلى جذور ما يمكن أن يعالجها حقّا – حالئذ تحتاجون إلى التعمّق في المنهج و التحليل و الإستراتيجيا و الحلّ الذين تتضمّنهم الشيوعيّة الجديدة التي طوّرها بوب أفاكيان.