جدلية السياسي والاقتصادي: تونس ونظرية التطور المركب اللامتكافئ


سامر بن عبد السلام
2026 / 3 / 22 - 13:57     

تحليل علاقة البنية الاقتصادية بالبنية السياسية في تونس
إن ما سنتطرق إليه اليوم هي مسألة في غاية الأهمية لم يتطرق إليها الماركسيون العرب من قبل، وهي علاقة البنية الاقتصادية بالبنية السياسية في البلدان ذات التطور المركب اللامتكافئ. فالنظرية الماركسية الكلاسيكية تنص على أن العامل الاقتصادي هو المحدد الأساسي لحركة المجتمع، وهو ما ينجر عنه الإقرار بأن البنية الاقتصادية هي المحددة لمختلف البنى (السياسية، الثقافية...)؛ لكن سنلاحظ أن المسألة ليست بهذه البساطة، وأن القول بهذا الكلام دون أي تحليل ليس إلا استيراداً لنظرية من وراء البحار وانحرافاً عن الماركسية الصحيحة، التي هي دراسة تناقضات واقعنا المادي على ضوء النظرية الماركسية.

إن علاقة البنية الاقتصادية بالبنية السياسية هي علاقة تفاعل جدلي؛ فعلاقات الإنتاج تحدد البنية السياسية (النظام السياسي/ الدولة/ الأيديولوجيا السياسية)، لتعود هذه البنية وتُعيد إنتاج البنية الاقتصادية لصالح الطبقات السائدة. لكن السؤال المطروح: من هو المهيمن في هذه العلاقة؟ وهل هو ثابت أم متغير؟

إن التطور المركب اللامتكافئ -كما يعرفه تروتسكي- هو التطور المركب لوجود وامتزاج أكثر من مرحلة للتطور الاجتماعي في نفس الحقبة، وهو أيضاً "لامتكافئ" نظراً لأن المناطق المختلفة تتطور نحو الرأسمالية بمعدلات مختلفة ومتفاوتة. ما نشهده هنا من تركيب وتفاوت على مستوى تطور أنماط الإنتاج المختلفة ينعكس مباشرة على تطور مختلف البنى في هذه البلدان.

المخطط الكلاسيكي مقابل الواقع المحلي
إن التطور الكلاسيكي للبنية السياسية في البلدان التي شهدت ثورات برجوازية كان كالاتي:

صعود لنمط الإنتاج الرأسمالي ← إنجاز ثورات برجوازية ← تأسيس نظام سياسي يقوم على الديمقراطية البرجوازية والأيديولوجيا الليبرالية.

ما نستخلصه من هذا المخطط أن البنية الاقتصادية في هذه البلدان أنتجت وحددت تطور البنية السياسية. في المقابل، في بلادنا تنقلب الصورة رأساً على عقب:
مرحلة ما قبل الاستعمار (ما قبل 1881) ← مرحلة الاستعمار الفرنسي (1881-1956) ← الحركة الوطنية وصعود النخب الليبرالية (1910-1956) ← الاستقلال وتولي الليبراليين الحكم (بعد 1956) ← محاولة بعث برجوازية دولة والتأسيس لنمط إنتاج رأسمالي

في بلادنا، وبفعل التطور المركب اللامتكافئ، يسبق تطور البنية السياسية تطور البنية الاقتصادية. فالاستعمار -وبفعل الحركة الجدلية للتاريخ- يحرك المياه الراكدة على مستوى البنى الثقافية والسياسية في المستعمرات؛ فتظهر الأحزاب والنقابات كآليات تنظيم ومقاومة، وتنشأ نخبة تحمل أفكاراً غربية شيوعية و على الاغلب ليبرالية اكتسبتها عن طريق الاطلاع والاحتكاك بثقافة "الآخر" الغربي وتسخرها لتحرير أوطانها، وحين تنجح في ذلك تؤسس لأنظمة سياسية حديثة على مستوى الشكل و المضمون، وهو ما يتعارض مع البنية الاقتصادية التي تبقى متخلفة.فتحاول هذه النخب انجاز المهام التاريخية للبرجوازية الوطنية لكن تجد نفسها في مازق فلا وجود لبرجوازية وطنية قادرة على انجاز مهامها و هو ما يدفع النخب الحاكمة الى احاث تغيير قسري في البنية الاقتصادية و ذلك عن طريق توجيه تراكم الثروة باليات سنذكرها الان

الدولة التراكمية: من بورقيبة إلى بن علي
ما نستخلصه من كل هذا أن البنية السياسية في بلداننا كانت المحددة في تطور البنية الاقتصادية وليس العكس، وهو ما سيتواصل فيما بعد إلى حدود الثورة. بعد الاستقلال، وفي ظل غياب برجوازية وطنية تقوم بمهمتها التاريخية، اختار الرئيس الحبيب بورقيبة القيام بذلك عن طريق "التعاضديات" التي من خلالها ستتمكن الدولة من إنجاز مهمة تراكم الثروة، لكن انتهت هذه التجربة بالفشل وحوكم القائمون عليها وعلى رأسهم السيد أحمد بن صالح. ومع الهادي نويرة ذي التوجه الليبرالي، التجأت الدولة إلى خيار آخر وهو إنتاج طبقة "برجوازية دولة" عن طريق منح الامتيازات، القروض، والرخص.

إثر انقلاب 1987 وطوال فترة زين العابدين بن علي، لم يكن الاقتصاد يسير بشكل مستقل، بل كان خاضعاً للسياسة بشكل واضح. الثروة لم تكن تُبنى عبر المنافسة العادية، بل عبر القرب من السلطة؛ فالعائلات المرتبطة بالنظام كانت تحصل على الامتيازات والفرص في القطاعات المربحة، وأحياناً تُغيَّر القوانين نفسها لخدمتهم. بمعنى بسيط: من كان قريباً من الحكم يربح، ومن كان خارجه يُقصى. هكذا أصبح تراكم الثروة متمركزاً حول السلطة، وأصبحت الدولة أداة بيد فئة صغيرة تتحكم في الاقتصاد لصالحها. في المراحل الثلاث كنا مع نفس المفهوم: "الدولة التراكمية"، أي الدولة التي تعمل على توجيه مراكمة الثروة، بل وتتعدى ذلك فتخلق أنماط إنتاج بعلاقات إنتاج، قوى إنتاج، وطبقات سائدة.

ما بعد 2011: انقلاب الآية
بعد 2011، لم تختفِ "رأسمالية المحسوبية" في تونس، بل تغير شكلها. في السابق، خاصة في عهد بن علي، كانت الثروة تُبنى في خدمة السلطة السياسية، أما اليوم فقد انعكست العلاقة: أصبحت مراكز المال هي التي تؤثر في النظام السياسي وتوجهه.

في ظل غياب السيطرة المركزية التي كانت تضبط المجال الاقتصادي سابقاً، استغلت شبكات رجال الأعمال -المرتبطة بأطراف سياسية مختلفة- حالة التوازن الهش لتحقيق تراكم سريع للثروة. وقد تم ذلك غالباً عبر شبكات غير رسمية وآليات محسوبية، ما يدل على أن بنية الاقتصاد السياسي لم تتغير جذرياً؛ ما تغير هو موازين القوى التي تحكم الاقتصادي بالسياسي.

بما أن نظام بن علي نظام "بونابارتي" قائم على اقتصاد ريعي يمركز الفعل السياسي ويمركز الثروة، فقد كانت مهمة مراكمة الثروة مرتبطة بالدوائر المقربة من السلطة. في 2011 انهارت هذه المركزية اقتصادياً وسياسياً؛ اقتصادياً انهارت لصالح فئات برجوازية تراوحت بين (البرجوازية الجديدة الصاعدة، البرجوازية الإسلامية، والبرجوازية التقليدية المتحررة من سطوة العائلة الحاكمة)، أي أننا اتجهنا نحو "لامركزية اقتصادية" سرعان ما أفضت -من خلال الشبكات غير الرسمية وأنظمة المحسوبية- إلى نخبة اقتصادية ذات ثروة هائلة وطابع احتكاري. أما انهيار المركزية السياسية فقد أدى إلى مزيد من الفوضى السياسية؛ أحزاب غارقة في معارك الهوية، ومن ثم تنهار وتختفي وتُعوض بأحزاب "مال سياسي فاسد" فاقدة للشرعية، تتطور وفق مصلحة الريع الاقتصادي لتشكل جزءاً من منظومة الريع السياسي، وهو ما أضعف البنية السياسية لتنقلب العلاقة إلى بنية اقتصادية مهيمنة ومحددة للبنية السياسية التي محكومة في تطورها بحركة الاولى
الخلاصة
ما نستنتجه من خلال تتبع تاريخ تونس من بعد الاستقلال الى ما بعد الثورة ان التفاعل الجدلي بين البنية الاقتصادية و السياسية شهد تغير في موازين القوى بين طرفي العلاقة فتارة بحدد السياسي الاقتصادي و تارة يحدد الاقتصادي السياسي لكن هل هذا ينسف اطروحات الماركسيين حول ان العامل الاقتصادي هو العامل المحدد لحركة التاريخ طبعا لا لان كل ما نقلناه هو محدد بالنهاية بالبنية الكولونيالية التي تجمع مختلف الأنماط المركبة اللامتكافئة و التي تحدد في الأخير حركة أنماط النتاج من جهة و حركة البنية السياسية من جهة أخرى . لذلك نجد انفسنا امام عامل اقتصادي اعلى و هي الطبيعة الاقتصادية للبنية الجامعة بين المراكز و الأطراف و عامل اقتصادي ادنى و هو حركة مختلف الأنماط داخل هذه البنية . العامل الأول هو عامل ثابت في هيمنته في تحديد حركة المجتمع اما الثاني فهو متغير على حسب طبيعة المجتمع و حركته