بهدوء مخيف يروي طفل فلسطيني في الحادية عشرة من عمره اللحظات الأخيرة لعائلته
جدعون ليفي
2026 / 3 / 22 - 04:49
تم اقتياد خالد إلى سيارة جيب للشرطة وتعرّض للضرب. قرب الموقع الذي قُتلت فيه عائلته هذا الأسبوع.
خالد، 11 عاما، وشقيقه مصطفى، 8 أعوام، فقدا والديهما وشقيقين آخرين عندما أطلق أفراد من حرس الحدود الإسرائيلي النار عليهم وقتلوهم خلال نزهة مسائية في رمضان. شهادة مباشرة من أحد الناجين الاثنين من عائلة بني عودة.
نقف عند زاوية شارع, من حيث تقدمت سيارة العائلة من نوع “كيا” في الشارع وانعطفت يسارا نحو منزلهم. وهنا، خلف الجدار المجاور لمطعم نابلس الصغير المغلق الآن – لبيع الحمص والفلافل والفول – اختبأ عناصر من حرس الحدود قبل أن يخرجوا ويطلقوا وابلا قاتلا من الرصاص على السيارة.
كان ذلك في الساعة 1:30 فجر يوم الأحد الماضي. كانت نوافذ السيارة مفتوحة؛ وكان من السهل جدا رؤية من بداخلها: عائلة، الأب والأم وأطفالهما الأربعة. طفل كفيف كان يجلس على ركبتي أمه في المقعد الأمامي إلى جانب السائق، بينما جلس أشقاؤه الثلاثة في الخلف. كان بإمكان العناصر أن يصرخوا طالبين منهم التوقف – ولكانوا سيسمعون.
لكن عناصر حرس الحدود هؤلاء، من وحدة “المستعربين” السرية “النخبوية” – التي كانت قد أعدمت فعليا قبل ثلاثة أشهر مشتبهين بعد استسلامهما أمام الكاميرات – كانت لديهم أفكار أخرى.
في الضفة الغربية، يبدو أنه يسمح للجنود بإطلاق النار على سيارة مدنية لا تعجبهم لسبب ما، دون أي إنذار مسبق، بل وحتى قتل ركابها الأبرياء. ووفقا لعريف دراغمة، الباحث الميداني في منظمة “بتسيلم”، فقد أُطلق ما بين 50 و70 رصاصة على السيارة.
في صباح الاثنين، وبعد وقت قصير من الحادث، كنا في المكان ذاته. لم يتبق في الشارع سوى شظايا زجاج خضراء من السيارة، كشاهد صامت على الرعب – إذ صادرت الشرطة السيارة، مما يعقد التحقيق الداخلي.
يقف أمامنا على الرصيف الطفل خالد بني عودة، 11 عاما. يصف، بالإشارات والكلمات، مرحلة تلو الأخرى، مذبحة عائلته التي جرت أمام عينيه قبل يوم ونصف. هنا توقفت السيارة؛ هناك وقف العناصر وهم يطلقون جحيما من الرصاص. هنا ضربوه بعد خروجه من السيارة, وهناك أجبره الجنود على الوقوف ووجهه إلى الحائط وصرخوا في وجهه بأنه كاذب – بعد دقائق فقط من إبادة عائلته. لقد ظنوا أن خالد هو شخص آخر مطلوب كانوا يلاحقونه.
يتحدث خالد بطريقة آلية، كأنه كرر القصة مرات لا تُحصى، مستخدما لغة دقيقة وناضجة تفوق سنه، وملامحه خالية من أي تعبير: لا دموع، لا حزن، لا غضب، لا رعب. فقط نظرة جامدة لشخص محطم من شدة الصدمة، غير قادر على استيعاب ما يقوله.
كان الأمر نفسه قبل ذلك، حين جلسنا معه أمام منزله، بينما توافدت مئات النساء من أنحاء الضفة الغربية لتقديم العزاء، خصوصا لجدته نجاة التي ستصبح بديلا عن أمه.
الطريق من تل أبيب إلى طمون طويل. تطبيق “ويز” يعد بـ45 دقيقة، لكنه يتجاهل الحواجز العسكرية والبوابات المغلقة. الرحلة تستغرق فعليا ساعتين، وتمر عبر مدينة نابلس. تقع طمون شمال شرق المدينة، وهي بلدة زراعية يبلغ عدد سكانها نحو 20 ألف نسمة، وقد قُتل فيها نحو 40 شخصا منذ 7 أكتوبر 2023.
عندما جلس خالد للمقابلة، كان يحرك قدمه بعصبية دون توقف. يروي أنه في صباح السبت، لعب مع إخوته مصطفى (8 سنوات) ومحمد (5 سنوات) بالهاتف. أعدت أمهم وعد (35 عاما) الفطور لعثمان (7 سنوات)، الطفل الكفيف الوحيد في العائلة.
استيقظ الأب علي (37 عاما) لاحقا؛ وكان قد عاد قبل يوم من عمل استمر ثلاثة أشهر في مدينة بني براك داخل إسرائيل. استقبلته العائلة بفرح، وكان ينوي البقاء حتى عيد الفطر.
خرج للعمل في حقل صغير، ثم عاد مساءا، ولعب الجميع بـ”ليغو”، وأعدت الأم طعام الإفطار. ذهب الأب والأبناء للصلاة، ثم قرروا الخروج في نزهة إلى نابلس.
وصلوا إلى المدينة حوالي 11:30 ليلا، وذهبوا إلى مركز تجاري لشراء ملابس العيد. كان الجميع سعيدا، خاصة الأطفال الذين استمتعوا بالسلالم الكهربائية. وبعد جولة قصيرة، قرروا تأجيل الشراء إلى اليوم التالي.
في طريق العودة، تناولوا حلوى “الكريب”، وغادروا نابلس بعد الواحدة صباحا. خاف خالد أن ينام والده أثناء القيادة، لكن الأب طمأنه.
عند حوالي 1:30 وصلوا إلى مدخل بلدتهم. كانت الشوارع خالية. لم يروا أي جنود.
وفجأة، “انفتحت أبواب الجحيم”، كما يصف خالد. أُطلقت النار من اتجاهين: من الأمام ومن سطح خلفي. لم يكن هناك أي تحذير.
انحنى خالد فورً وغطى رأسه. قُتلت أمه وأخوه في المقعد الأمامي أولا. ثم سمع والده يتلو آيات القرآن قبل موته. ظن أن الجميع مات، فخرج من السيارة مذهولا.
فجأة وجد نفسه محاطا بالجنود. أمسك أحدهم بشعره وضربه أرضا، وقال: “قتلنا الكلاب”.
أجبروه على الوقوف ووجهه إلى الحائط وهم يصرخون: “اسكت!”. ثم حدث ما لا يُصدق: خرج شقيقه مصطفى حيا من السيارة، مصابا بشظايا في وجهه. حاول خالد الاقتراب منه، لكن جنديا ضربه ببندقيته.
اقتادوه إلى جيب عسكري وضربوه مجددًا، وسألوه من كان معه في السيارة، رغم أن جثث عائلته كانت أمامهم. وعندما أخبرهم باسمه، اتهموه بالكذب، وظنوا أنه فتى آخر مطلوب.
هددوه قائلين: “اعترف أنك يمان”. لكنه أجابهم:
“هل ستحب من قتل أباك وأمك وإخوتك؟ لماذا تناديني حبيبي؟ أنتم تقتلون عائلتي وتضربونني!”
بحسب رواية مشتركة للشرطة والجيش، فإن السيارة تسارعت نحوهم، فشعروا بالخطر وأطلقوا النار. لكن أحد أقارب العائلة رد: “أب يقود سيارة فيها زوجته وأطفاله، لماذا يسرع؟”
تم فتح تحقيق، لكن لم يتم بعد استجواب العناصر المتورطين.
بعد التحقيق معه، نقل الجنود خالد إلى سيارة إسعاف، وطلبوا منه ألا يخبر المسعف أنهم ضربوه.
نُقل خالد ومصطفى إلى المستشفى في طوباس، حيث شاهدا جثث عائلتهما. يقول خالد إن تلك كانت المرة الوحيدة التي بكى فيها.
ثم يسأل:
“وإذا بكينا، هل سيعيدهم ذلك؟”
أُقيمت الجنازة في اليوم التالي، ودُفن الوالدان والأبناء جنبا إلى جنب في مقبرة عائلة بني عودة في بلدة طمون.