قراءة نقدية في النظرية الماركسية
عائد ماجد
2026 / 3 / 17 - 12:11
كارل ماركس، الرجل العظيم الذي يُعدّ من أعظم العقول تأثيرًا على الفكر البشري بشكل عام، وهذا ما لا يمكن أن نختلف فيه. وما لا يمكننا الاختلاف فيه أيضًا هو أن نظرية ماركس كانت أكثر النظريات الاشتراكية شهرةً وإثارةً للجدل في الوقت نفسه، وراحت بعد ذلك بعقود بالانهيار عن قيادة قطب كامل - على فرض أن هذا القطب طبقها كما هي - وانهارت الدول التي قامت على الماركسية اللينينية واحدةً تلو الأخرى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
ويمكن لنا العودة إلى سبب الانهيار، وكان السبب الأساسي فيها اضمحلال الاقتصاد وجموده إلى درجة كبيرة في النظام الاشتراكي السوفيتي، الذي كان جامدًا إلى حدٍّ كبير، بنفس حجم ترويجه للأفكار الماركسية والكتب الماركسية، في الوقت الذي لم يكن فيه يطبق هذه النظرية بالشكل الموجود في كتابات ماركس، بل بشكل يناسب الواقع. والحقيقة أن الاتحاد السوفيتي نجح في هذا إلى درجة كبيرة.
فما هي نظرية ماركس في نظرتها للواقع، وللعالم، ولتحليل الواقع والعالم والصراع والاقتصاد؟ تقوم نظرية ماركس بالدرجة الأولى على المنهج المادي، وقدّمها ماركس على أنها نظرية علمية بالدرجة الأولى؛ لذا سنتناولها على أساس كونها نظرية علمية. وما لا يمكن لنا أن نغفله أن ماركس حاول أن "يُعلِم" التاريخ - إن صح التعبير - وأن يجعل التاريخ علمًا كالطبيعة، يمكن قياسه والتنبؤ بأحداثه كما نستنتج الأنماط في الرياضيات والفيزياء.
وكل هذا يحدث بمبدأ الديالكتيك (الجدل)، حيث تمتلك كل فكرة نقيضها داخلها، ثم تنتقل إلى حقيقة تجمع بينهما. وهذا المبدأ بحد ذاته مختلف عن المنهج العلمي، الذي لا ينكر مبدأ عدم التناقض ولا يراه قانونًا شكليًا؛ فالمنهج العلمي قائم أصلًا على استبدال الحقائق التي ثبت عدم صحتها بأخرى أكثر منها صحةً ودقة، أي على الخطأ والتصحيح بشكل تراكمي، لا بالطريقة الديالكتيكية.
ومن هنا نرى أن نظرية ماركس زادت على ذلك التنبؤ والاستنتاج، فوضع التاريخ على أنه علم كالفيزياء وغيرها من العلوم، يعني أننا قادرون على قياسه وحسابه والتنبؤ بما سيحدث. ولأن التاريخ ليس علمًا في ذاته، وجدنا أن ماركس أخطأ في كل تنبؤاته تقريبًا؛ فهو قال إن التاريخ حتمي ويسير بحتمية، وقام ماركس بمعرفة هذا عن "علم التاريخ" من خلال دراسة الصراع الطبقي وحركته. فالشيوعية هنا ليست نظرية نقبلها أو نرفضها، بل حقيقة ستحدث شئنا أم أبينا.
وهذا ينطلق من تحليل ماركس للطبقات، حيث قال إن الطبقات سوف تنحصر بطبقتين فقط. وفي الوقت الحالي، القول إنها طبقتان فقط أمر غاية في البساطة؛ فنحن نرى اليوم الفنيين والمهن المختلفة وغيرهم ممن جاء بهم التطور. وحتى إن قبلنا أنهم تابعون لطبقة معينة، فإن درجات هذه الطبقة مختلفة تمامًا وأكثر تعقيدًا من هذه البساطة في التحليل الماركسي، الذي قام على أساس الرأسمالية في عصره.
تنبأ ماركس بأن الشيوعية ستقوم في نظام رأسمالي كامل متطور، وكانت أكثر هذه الأنظمة تطورًا في إنجلترا وألمانيا، لكن الثورة الاشتراكية - أو الشيوعية، إن صحت تسميتها بذلك - قامت في روسيا، البلد الزراعي المتخلف، فتلتها الثورة الصينية، والصين دولة أخرى أكثر تخلفًا، إضافةً إلى دول أخرى، جميعها لم تكن تحمل شروط تحقيق تنبؤات ماركس.
وتنبأ ماركس بأن الرأسمالية ستنهار، وتقوم الاشتراكية كبديل لها لتقيم المجتمع الشيوعي. وعلينا الآن الحديث بشكل مختلف لكي ننصف ماركس؛ فإنه قال هذا عن رأسمالية عصره، رأسمالية "اليد الخفية" وعدم التدخل المطلق بأي شأن من شؤون السوق، وهي انهارت فعلًا، لكن لم تحل محلها الاشتراكية، بل رأسمالية أقل من السابقة توحشًا، يكون فيها بعض التدخل لضبط السوق ومنع الاحتكار بدرجة معينة.
إن فكرة حتمية التاريخ التي سعى ماركس لبناء نظريته "العلمية" كاملةً عليها لم تكن سوى فكرة بعيدة كل البعد عن العلم الحقيقي أو العلم التجريبي؛ فكما نعرف، فإن العلم التجريبي يهتم بوضع فرضية وإقامة النظرية عليها من خلال الطرق والأدلة التجريبية، وهذا ما لم نجده موجودًا عند ماركس.
فالحتمية التاريخية فكرة قديمة جدًا منذ عصر أفلاطون، وهي كذلك عند اليهود والتنبؤ لشعب الله المختار، وعند هيغل، الأستاذ المؤثر جدًا على ماركس، فبصمة هيغل واضحة إلى درجة كبيرة في فكر ماركس.
وإذا لاحظنا الشيوعيين اليوم بأحزابهم المختلفة، فهم تركوا نظرية ماركس بمعناها ومبادئها في كتب ماركس، والتزموا بجانبها الأخلاقي في إقامة دولة اشتراكية؛ فقد ترى العديد من الشيوعيين اليوم لم يقرأوا نظرية ماركس، أو حتى غير مؤمنين بها. فتراهم اليوم في أوروبا مثلًا أقرب إلى الاشتراكية الفابية، وحتى في بعض أنحاء الوطن العربي، مثل الحزب الشيوعي العراقي، يتخذ مسارًا أقرب إلى الاشتراكية الفابية.
وفي الصين، حيث يحكم الحزب الشيوعي الصيني، الذي يقال إنه قائم على الماركسية اللينينية، لكنه حتى على ماركسية لينين، التي صاغها وعدلها بما يناسب وقته وبلده، غريب عن هذه الماركسية اللينينية أيضًا؛ فهي تتبع نظامًا يمكن تسميته بالماركسية المحدثة، والفرق بينها وبين مبادئ ماركس واضح جدًا من خلال ملاحظة الاقتصاد الصيني ونظام الصين.
تقع عظمة ماركس في فكره النقدي؛ فهو، مع فشله في نظريته، كان ناقدًا ممتازًا من الدرجة الأولى، ورجلًا حائزًا على شهادة الدكتوراه في الفلسفة، وهو رجل في غاية الذكاء والأخلاقية. فمشروع ماركس الفكري مختلف عن جانبه في النشاط والنضال، حيث له عدة كتب وعدة منشورات سعى فيها للمطالبة بحقوق العمال والمسحوقين، بل إن حقوق العمال والمسحوقين التي نراها اليوم في الدول التي كانت رأسمالية بشكل عنيف في يوم من الأيام، يعود الفضل الأساسي في وضع هذه الحقوق لماركس.
فالروح التي يجب أن نحييها لماركس هي روحه النقدية، لا لبس نظريته واتباع أي فكرة تقول بالاشتراكية وإلصاق صفة "الماركسية" بها، التي لا يمكن أن تحدث في الواقع. فقد كان ماركس ناقدًا حتى لذاته، ومحبًا كثيرًا لتصحيح أفكاره، فكان يتأخر في الكتابة لأنه ما إن يكتب شيئًا يعود إليه ليصححه مجددًا، لأنه لم يعد معتقدًا به.
وما بالك بجزء كبير من تراث ماركس الذي نُشر بعد وفاته، وأنا متأكد أن ماركس كان قادرًا على تعديل نظريته لو حصل على وقت كافٍ لإعادة قراءتها. وسيبقى جانب ماركس الأخلاقي أعظم ما جاء به الفكر الاشتراكي؛ فهو أعظم عقل تحليلي ونقدي جاء من الاشتراكيين.