حرب الخليج الثالثة
هشام عقيل
الحوار المتمدن
-
العدد: 8648 - 2026 / 3 / 16 - 09:23
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
المَوقِفُ النُّكوصيُّ مِنَ الثَّورةِ الإيرانيّةِ الرَّاهِنةِ وَالحَرب
نُدينُ السّياساتِ الأَمريكيَّة-الصّهيونيَّة فِي إِيرانَ، مبدئيّاً نَعَم. وَلَكِنَّنَا أَيّضَاً نُدينُ القَمَعَ المُمنّهجَ (مُنذُ خَمسَةِ عقود) مِنْ قِبَلِ النِّظامِ الإيرانيِّ الكَهَنوتيِّ لِلشَّعبِ الإيرانيّ! كَمَا أَنَّنَا نُدينُ السّياسةَ التَوسّعيّةَ لَدَى النِّظامِ الإيرانيِّ نَحوَ البَحرين!
مَنْ يَفصِلُ بَينَ هَذِهِ الأَشياءِ الثَّلاثةِ لَا يُمكِنُ أَنْ نَعِدَّهُ إِلَّا جَاهِلاً فِي السّياسة.
كَحالِهِم دَائماً، يَتمكَّنُ النُّكوصيّونَ مِنْ بَلورةِ أَسخَفَ النَّظريّاتِ حَولَ الأَوضاعِ الرَّاهنةِ. أَحمِدُ رَبّي لَيلاً نَهاراً أَنَّني لَستُ نُكوصيّاً، لَأَنَّهَا بَركَةٌ عَظيمةٌ أَلَّا تَكونَ دائِخاً. فَإِنَّ مُختَلَفَ الأَحزابِ النّكوصيّةِ العَالميّةِ، تَمكَّنَتْ مِنْ إِدانةِ الهجومِ الأَمريكيِّ-الإِسرائيليِّ عَلَى إيرانَ، إِلَّا أَنَّهَا نَسَتْ (أَوْ تَناسَتْ) أَنْ تُدينَ النِّظامَ الإيرانيَّ، وَأَنْ تَدعمَ الشَّعبَ الإيرانيَّ فِي ثَورَتِهِ ضِدَّ نِظامٍ كَهَذَا.
وَبِحكُمِ خُبرتي (نَعم! الآنَ بَاتَتْ لَديّ خُبرةٌ مَعَ هَؤلاءِ!) مَعَ النَّكوصيّينَ، بِدايةً مَعَ سِجالاتي وَمَعَاركي مَعَهُم مُنذُ عشرةِ أعوامٍ إِلى يَومِنَا هَذَا، وَموقِفِهِم فِي جائحةِ كورونا، وَالتَّحرّرِ الأوكرانيِّ، وَالتَّحرّرِ الفلسطينيِّ، فَإِنَّنَي سَأكشِفُ لَكُمْ سرَّ طِينَتِهِم المُريبة؛ كَي أوفّرُ الكَثيرَ مِنَ العَناء لِلقارئِ الذّي لَمْ يَحصلُ لَهُ الشَّرفُ أَنْ يَتَعاملَ مَعَ نكوصيٍّ مَسعور. وَإِذَا سَأَلَ سَائِلٌ، فَإِنَّ النُّكوصيّةَ هِيَ اليَسارُ الذّي نَكَصَ فِي عَصرِ الكَارثةِ (عًصرُ نِهايةِ الحَضارةِ البَشَريّةِ وَاِنقراضِ الإنسان)، إِذْ يَنكِرُ عَصرَ الكَارِثةِ، وَجديدَ عِلمِ العُمرانِ، وَجَديدَ التَّآلفيّة. أَمَّا المُتآلِفونَ هُمْ مَنْ يَدعو إِلى الأُمّةِ المُتآلفةِ، مِنْ أَجلِ قدومِ آدمُ الثَّاني (الإِنسان الأقوى)، مِنْ أَجلِ فُلكِ النَّجاةِ مِنْ بَعدِ الكَارثة؛ إِنَّهُم يَتَّبِعونَ المَنطوقَ، وَيُقيمونَ كَلامَهُم عَلَى مَنطوقٍ عِلميٍّ، أَيْ عِلم العُمران.
كُلُّ نكوصيٍّ يُؤمِنُ أَنَّهُ مِنْ أَجلِ أَنْ نُسَانِدَ حَرَكَةً شَعبيَّةً لَا بُدَّ أَنْ تَتَوفَّرَ الشُّروطُ التَّالية:
1) إِنْ تَكونَ الحَرَكةُ مَرفوضةً مِنْ قِبلِ الوَلاياتِ المُتَّحِدةِ الأَمريكيّةِ وَحلَفائِهَا.
2) إِنْ لَا تَقومُ تِلكَ الحَرَكاتُ عَلَى حُكوماتٍ مُعاديةٍ لِلولاياتِ المُتّحدةِ الأَمريكيّة وَحلَفائهَا.
3) إِنْ تَكونَ الحَرَكةُ مَقبولةً مِن قِبَلِ الإِطارِ العَام لِلعَالمِ المُتعَدِّدِ الأقطاب.
لَكُمْ أَنْ تَبحَثوا فِي كُلِّ مَواقِفِهِم، سَتَجدِونَهَا قَائِمةً كُلّيّاً عَلَى مَا ذَكرته. فَفِي حَالةِ أوكرانيا، كَانَتْ القيادةُ لِلتَّحرّرِ دُميةً أَمريكيّةً، فَرَفَضَ النُّكوصيّونَ التَّحرّرَ الأوكرانيَّ بِأَكمَله، وَعَلَى العَكسِ، قَاموا بِتَبريرِ الغَزو الرَّوسيِّ لِأوكرانيا. لَأَنَّهُم وَجَدوها تُخَالِف الشُّروطَ الثَّلاثةَ المَذكورةَ آنفاً. فِي حِينِ قَامَ المُتآَلفونَ بِتَأييدِ التَّحرَّرِ الأوكرانيِّ، وَقُلنَا إِنَّهُ مِنْ أَجلِ أَنْ تَنجَحَ الحَرَكةُ، لَا بُدَّ مِنْ قيادةٍ بَديلةٍ بَدَلاً مِنَ القيادةِ الحَاليّة. كَمَا أَنَّني فِي مقالٍ كَتَبتُ: ((الحَرَكةُ التَّحرّريّةُ الأوكرانيّةُ تَقومُ فَقَط عَلَى مَبدأٍ وَاحدٍ: إِجلاءُ الرّوسِ مِنْ أوكرانيا. وَأَيُّ أَمرٍ يَتَعدّى ذَلِكَ هُوَ تَحقيقُ أَهدافِ الولاياتِ المُتَّحدةِ ضِد روسيا)). أَمَّا فِي حَالةِ طوفانِ الأقصى، وَجَدنَا النُّكوصيّينَ يؤيّدونَ التَّحرّرَ الفِلسطينيَّ، لَأَنَّهُ يَتَوافَقُ مَعَ الشُّروطِ الثَّلاثة. وَلَقَد عَبّرَ التَّآلفيونَ عَن تَأييدِهِم لِلتَّحرّرِ الفِلسطينيِّ، وَعَلَى العَكسِ مِنْ الغَباءِ النُّكوصيِّ، قُلنَا إِنَّ مَعَ قِيادةِ حَماسِ (الطّائشة وَالمتهوّرة) لِلتَّحرّرِ الفِلسيطينيِّ، لَنْ تَتَمكّنْ فِلسطينُ مِنْ التَّحرَّرِ الكَامل1. وَالتَّاريخُ أَثبَتَ وِجهةَ نَظرنا عَلَى نَحوٍ كُلّيِّ وَكَامِل.
أَمَّا فِي الحَالةِ الإيرانيّةِ، بَيّنَ لَنَا النّكوصيّونَ كَيّفَ يُمكِنُ لِلغَباءِ أَنْ يَعِدَّ إِبداعاً. يَا أَيُّهَا النُّكوصيّونَ، لَقَدْ طَغيّتُمْ فِي الحَماقةِ، فَكَفَى حَماقاتٍ!
يَرَى النُّكوصيّونَ أَنَّ الحَرَكةَ الشَّعبيّةَ الإيرانيّةَ، التّي تَقومُ عَلَى نِظامٍ عَضوضٍ جائرٍ، حَرَكةٌ مَقبولةٌ مِنْ قِبلِ الولاياتِ المُتَّحِدةِ الأَمريكيّةِ وَإِسرائيل، وَإِنَّهَا تَقومُ ضِدَّ نِظامٍ يُعادي الولاياتِ المُتَّحدةِ وَإسرائيل. بِالتَّالي، فِي حَالِ نَجَاحِ الحَرَكةِ الشَّعبيّةِ الإِيرانيّةِ فِي ثوّرتِهِم الموجَّهةِ نَحوَ هَذَا النِّظامِ، فَإِنَّ النُّكوصيّينَ سَيتوّلونَ مُقَرطمينَ وَسَيحتجّونَ أَنَّ النَّظامَ الجَديدَ قَدْ يَكونُ صَديقاً لِلولاياتِ المُتّحَدةِ، وَبِالتَّالي سَيَتَضرَّرُ مَشروعَهُم فِي إِقامةِ عالمٍ مُتعدّدِ الأقطاب. يَقولُ النُّكوصيّونَ بِاختصارٍ لِلشَّعبِ الإيرانيّ: ((لَا تقمْ عَلَى النِّظامِ، أَبقَ فِي مَنزِلكَ!))، لَكِنَّ يَا نُكوصيُّ هَلْ لَنَا أَنْ نَتَحمَّلَ الحَربَ المَفتوحةَ التَّي يَقودُهَا النِّظامُ عَلَيّنَا لَيلاً نَهاراً؟ النُّكوصيُّ بِلَا خَجَلٍ سَيَقولُ: ((نِظَامَكُم يُحافِظُ عَلَى العَالمِ المُتعدّدِ الأقَطابِ، فَحافِظوا عَلَيهِ وَأَصلحوهُ إِنْ كُنتُمْ تُعانونَ مِنْه)). وَلِلإيرانيّينَ رَدٌّ مُناسِبٌ لَكُمْ: “خَرْ آمد، أولاغ رَفت”، أَيْ أَتى إِلى العَالمِ حِماراً وَمَاتْ بَغلاً.
يَنطَلِقُ النُّكوصيّونَ مِنَ الفِكرةِ المَجنونةِ أَنَّ العَالَمَ المُتعدّدَ الأقطابَ هُوَ حَقيقةٌ قَائمةٌ، أَوْ حَقيقةٌ تَتَشكَّلُ أَكثر فَأَكثر، لَكِنَّنَا بَيّنَا أَنَّ مَا يُسمّونهُ العَالمَ المُتعَدّدَ الأقطابَ أَنْ هُوَ إِلّاَ صُعودُ البُلدانِ الكُولونياليّةِ المُهيّمنةِ فِي العَالم. البُلدانُ الكُولونياليّةُ المُهيّمِنةُ أَنْ هِيَ إلَّا جُزءٌ مِنَ النِّظامِ الإِمبرياليِّ العَالميِّ المُنهار، وَلَا تُشكِّلُ بَديلاً عَنْه. فِفِي الحَقيقةِ، حِينَ يَقولُ النُّكوصيّونَ إِنَّ مُقاومةَ الإيرانيّينَ لِلنِّظامِ الإيرانيِّ هِيَ تَعبيرٌ عَنْ إِرادةٍ أَمريكيّةٍ، وَبِالتَّالي عَنْ تَجريدِ إيرانَ مِنْ اِستقلالِهَا، فَإِنَّهُم لَا يَتفوَّهونَ إِلَّا بِهراءٍ خَلفَ هراء. وَهُبْ أَنَّنَا سَنُصدِقُ أَنَّهُم سَيَقِفونَ مَعَ مَطالِبَ الشَّعبِ الإيرانيِّ لَولَا التَّدَخّلَ الأَمريكيَّ-الصَّهيونيَّ (وَلَنْ يَقوموا بِذَلِكَ أَبَداً)، فَإِنَّهُم سَيُطَالِبونَ مِنَ الشَّعبِ الإيرانيِّ أَنْ يُقدِمَ لَهُمْ ضَماناً أَنَّ لَا أَحَدَ (مِنَ الولاياتِ المُتَّحِدةِ الأمريكيّةِ وَإِسرائيلَ) سَيَرى مَنفعةً فِي مَطالِبَهُم.
لَقَدْ سَبَقَ لَنَا القَولُ إِنَّ الحَربَ بَينَ إسرائيلَ وَإيرانَ لَيسَتْ بَينَ المُسلمينَ واليَهودِ، وَلَيسَتْ بَينَ عَالمٍ “مُستَقِلٍّ” وَعَالمٍ “إِمبرياليٍّ”، وَإِنَّمَا كَاِصطفاءٍ عُمرانيٍّ لِحَدَثٍ وَاحدٍ لِنظامٍ إمبرياليٍّ وَاحدٍ: مَنْ هُوَ الأَكفاءُ لِيُهيّمِنَ إِقليميّاً فِي الهِلالِ الخَصيب؟ الأَرضيّةُ مُهيّئةٌ إِمَّا لِإيرانَ وَإِمَّا لإسرائيل. وَبَيّنَا، فِي مَكَانٍ آخرَ، أَنَّ كِلّيهمَا بَلَدانِ كَولونياليّانِ مُهيّمنانِ يَسعيانِ لِلهَيّمَنةِ فِي تِلكَ المِنطقة، وَلَا يُمكِنُ لَهمَا التَّعايشُ جَنبَاً لِجَنبٍ، كَبَلديْنِ كولونياليّيْنِ مُهيّمنيْنِ، مِنْ دُونِ أَنْ يَقضي أَحدهُمَا عَلَى الآخر كَبَلدٍ مُهيّمن. فَالعَائِقُ عَلَى أَنْ تَكونَ إيرانُ بَلَداً مُهيّمناً فِي الهِلالِ الخَصيبِ هُوَ إِسرائيلُ، وَالعَائِقُ عَلَى أَنْ تَكونَ إِسرائيلُ بَلَداً مُهيّمناً فِي تِلكَ المِنطَقةِ هُوَ إيران. كَمَا أَنَّنَا بَيّنَا أَنَّ إِيرانَ بَدَأَتْ أَنْ تَفقِدَ حَظَّهَا فِي هَذَا السِّباق، خُصوصاً أَنَّهَا فَقَدَتْ سوريا مَعَ سُقوطِ نِظامِ بَشار الأسد، وَقُوّةُ حِزبِ اللهِ تَقلّصَتْ عَلَى نَحوٍ كَبير، وَكَذَلِكَ الحوثيّينَ، وَفوقَ هَذَا تَرَاجَعتْ المَقدِرَةُ عَلَى تَطويرِ السِّلاحِ النَّوَويِّ عَلَى نَحوٍ مَلحوظٍ مِنْ بَعدِ ضَرَباتِ يونيو المَاضي (نَاهيكَ عَنْ الاِغتيالاتِ المُستَمرّةِ لِلعُلَماءِ النَّوَويّينَ الإِيرانيّين). فَإِنَّ الحَظَّ يَتَأَرجَحُ، أَكثَرَ فَأَكثرَ، نَحوَ إسرائيلَ مُقارنةً بِإيران؛ بِالتَّالي، حَاليّاً، إِسرائيلُ هِيَ المُتقدِّمةُ فِي هَذَا السِّباق. الآَنَ، يَقولُ النّكوصيّونَ الإِمبرياليّةُ هِيَ الوَلاياتُ المُتَّحِدةُ وَحُلَفاؤهَا، وَلَيسَتْ إِيرانُ إِمبرياليّةً، بِالتَّالي عَلَينَا أَنْ نَصطفَ فِي صَفِّ إيرانَ بَدَلاً مِنْ إِسرائيل. لَكِنَّ إسرائيلَ لَيسَتْ إِمبرياليّةً كَذَلِك؛ فَالمَسأَلةُ، بِالنِّسبَةِ إِليّهِم لَيسَتْ مَسأَلةَ السّياساتِ الإِمبرياليّة. وَرُبَّ قَائلٍ يَقولُ إِنَّ الصَّهاينةَ يُطهِّرونَ شَعباً أعزلَ، وَيُقيمونَ اِضطهاداً قَوميّاً وَأثنيّاً عَلَى العَرَبِ، وَلِهَذَا السَّبَبِ نُعارِضُهم. لَكِنَّ النِّظامَ الإيرانيَّ يَقومُ بِالأَمرِ ذَاتهِ مَعَ العَرَبِ، وَالبَلوشِ، وَالأَكرادِ، وَيُقيمُ أسوأ أَنواعَ القَمعِ عَلَى الشَّعبِ الإيرانيِّ الأَعزل؛ فَالمِسأَلةُ بِالنِّسبةِ إِليّكُم لَيسَتْ مِسأَلةُ اِضطهادٍ بِكُلِّ تَأكيد. المَسأَلةُ بِالنِّسبَةِ إِليّكُم هُوَ مَدَى اِلتقاءِ المَصالحِ بَينَ بَلَدٍ مَا وَالأَمريكان، لَا أَكثرُ وَلَا أَقلّ. فِعلاً، كُلُّ طاغيةٍ يَتَمنَى حاشيةً مِنَ النّكوصيّينَ حَولَه!
إِذَا أَمسَكنَا الرَّأيّ النُّكوصيَّ، وَطَهّرنَاهُ مِنْ كُلِّ اللّغوِ، سَنَجِدُهُ مُطَابِقاً لِلكَثيرِ مِنَ النَّظَريّاتِ المَطروحةِ لَدَى المُفكّرينَ الإِسرائيليّينَ. فِي حِقيقةِ الأَمر، سَتَجدونَ مئاتٍ مِنْ ألكسندر دوغين فِي إِسرائيلَ يُطالِبونَ بِعَدَمِ الاِعتمادِ عَلَى الأَمريكانَ، وَأَنَّ الأَمريكانَ يُشكِّلونَ عَائِقاً عَلَى صَيرورةِ إِسرائيلَ بَلَداً كولونياليّاً مُهيّمناً عَالميّاً (مِثلَ روسيا، والصّينَ، وَالهِندَ). كَمَا أَنَّ المُفكّرينَ ذَاتَهُم يَرونَ أَنَّهُ لِأَمرٌ مُهِمٌ تَشجيعَ العَالمِ المُتَعَدّدِ الأَقطاب. أَنَّهُ لَولَا اِلتقاءُ المَصالِحِ بَينَ إِسرائيلَ وَالأَمريكانِ، فَإِنَّ إِسرائيلَ سَتَحظَى عَلَى دَعمِهِم السّياسيِّ وَالنَّظَريّ.
الخَطَأُ الذّي يَقَعُ فِيهِ النُّكوصيّونَ هُوَ أَنَّهُم يَحسِبونَ أَنَّ الثَّورةَ الإِيرانيّةَ هِيَ ذَاتُ بُعدٍ وَاحدٍ، أَيْ إِنَّهَا مُكوَّنةٌ مِنْ مَطالِبَ موَحَّدةٍ، لَكِنَّهَا مُكوَّنةٌ مِنْ أَطيافٍ مُتَعدِّدَةٍ: البلوشستانيّونَ، وَالأَكرادُ، وَالعَربستانيّونَ، وَالطَّبَقاتُ الشَّعبيّةُ الإيرانيّةُ، وَفِئاتٌ مُستَقِلةٌ مِنَ البورجوازيّةِ (كَالمَلَكيّينَ، وَالعَسكَريّينَ، وَالدّيموقراطيّينَ) إِلَخ. فَإِذَا كَانَ الأَمريكانُ يُفضِّلونَ فِئاتٍ مُعيّنةٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَعني أَنَّهُم يَنطلِقونَ مِنْ مُنطَلِقِ الثَّورةِ الإيرانيّةِ، وَإِنَّمَا النَّتيجةُ التّي يُمكِنُ أَنْ تَدفَعُهَا الثَّورةُ الإيرانيّةُ بِقيادةِ تِلكَ الفِئات. الفِئَةُ المَلَكيّةُ تَشمِلُ اِبنَ الشَّاه رِضا بَهلَوي، لَكِنَّ مَا يَنقِصُهَا لِتَكونَ فِئةً مُستَقِلةً بِالكَاملِ هُوَ اِتَّحادُهَا بِالجَيش؛ مِنْ دُونِ الاِنشقاقاتِ فِي الجَيشِ سَتَبقَى هَذِهِ الفِئةُ مُجرّدَ صَوتٍ يَنتَظِرُ حَرَكةً شَعبيّةً لِيَكونَ لَهَا مَكَاناً. أَمَّا الفِئاتُ الدّيموقراطيّةُ، فَهِيَ لَيسَتْ فِي مَحلِّ تَأييدٍ مِنْ قِبَلِ الأَمريكان، أَوْ عَلَى الأَقلِّ فِي مَحلِّ تَأييدِ إِدارةِ ترَامب، الذّي لَا يُريدُ تِكرارَ مُصيبةَ بوش فِي العِراق.
الشَّاهِدُ هُوَ أَنَّ السّياساتِ الإِمبرياليّةَ الأَمريكيّةَ لَا تَنطَلِقُ مِنَ الثَّورةِ الإيرانيّةِ، وَإِنَّمَا مِنَ النَّتيجةِ التّي مِنَ المُمّكنِ أَنْ تُحقِّقَهَا لَهَا الثَّورة. وَهَكذَا يَتوجَّبُ أَنْ نَختَبِرَ النُّكوصيّينَ الدَّائخين: هَلْ الثَّورةُ الإيرانيّةُ تَسبِقُ السّياسةَ الأَمريكيّةَ أَمْ هِيَ نَتيجةٌ لَهَا؟ وَوِفقاً لِلدَّيالكتيكِ النّكوصيِّ التَّعبانِ، سَيَقولونَ لَنَا إِنَّهَا أَمريكا مَنْ تُشجِّعُ عَلَى الثَّورة، أَوْ عَلَى الأقَلِّ سَيَقولونَ إِنَّهَا مَطَالبُ إِصلاحيّةٌ، غَيرُ أَنَّ الأَمريكانَ يُحوّلونَهَا إِلى مُتطَرّفة.
إيران وَالصّبرُ الإِستراتيجيّ
إِنَّ الهَدَفَ الأَقصى مِنْ حَربِ الأَمريكيّةِ فِي إِيرانَ هُوَ إِبدالُ النِّظامِ الإيرانيِّ الحَاليِّ بِنظَامٍ مُتوافقٍ مَعَ وُجودِ السِّياسةِ الأَمريكيّةِ (عَبرَ وُجودِ إِسرائيل) فِي الشَّرقِ الأَوسط. وَالهَدَفُ الأَدنى هُوَ إِضعافُ النِّظامِ الإيرانيِّ عَسكريّاً، عَبَرَ تَقليصِ إِنتاجِ الصَّواريخِ البالستيّةِ وَتَدميرِ قُدرتِهَا عَلَى إِنتاجِ السِّلاحِ النَّوَويّ. أَمَّا الهَدَفُ الأَقصى مِنْ حَربِ إسرائيلَ عَلَى إيرانَ هُوَ تَدميرُ قُدرتِهَا عَلَى أَنْ تَكونَ بَلَداً كُولونياليّاً مُهيّمِناً فِي الهِلالِ الخَصيب. وَالهَدَفُ الأَدنى هُوَ إِضعافُ هَذِهِ القُدرة. بِالتّالي، فَإِنَّ الهَدَف الأَمريكيَّ هُوَ أَكثرُ شمولاً مُقارنةً بِالهَدَفِ الإسرائيليِّ، إِذْ إِنَّ الأَمريكانَ يَخشونَ مِنْ اِنفلاتٍ إيرانيٍّ مَعَ الخَليجِ العَرَبيِّ، وَالعَالمِ التُّركيِّ، وَالهِلالِ الخَصيبِ، وَشَمَالِ أفريقيا، وَبَاكستان، أَيْ الإِضرارُ المُباشِرُ بِمصالِحَهَا فِي الشَّرقِ الأَوسط. بَينمَا إِسرائيلُ، فَإِنَّهَا تُركِّزُ عَلَى الجُزءِ مِنَ الكُلّ، كَمَا تَبيّن.
مِنَ الوَاضِحِ أَنَّ إضعافَ إيرانَ عَسكريّاً يَجرَي وِفقاً لِعدَّةِ أهدافٍ: الأَوّل، تَدميرُ مَخزونَ الصَّواريخِ، وَالمَقذوفاتِ، وَالمَصانِعِ العَسكريّة. الثَّاني، تَدميرُ الأَسطولَ البَحريَّ الإيرانيّ. الثَّالِث، التَّدميرُ الكُلّيُّ لِلقُدرةِ عَلَى إِنتاجِ السِّلاحِ النَّوَويّ. الهَدَفُ التَّكتيكيُّ الأَوّلُ نَجَحتْ فِيهِ أمريكا إِلى حَدٍّ كَاملٍ، إِذْ ضَرَبتْ أَمريكا أَكثرَ مِنْ 5 آلافِ هَدَفٍ مُنذُ بِدايةِ الحَربِ حَتَّى الآنَ، وَتَمَّ تَقليصُ عَدَدَ الصَّواريخِ الإيرانيّةِ بـ 90% وَالقُدرةِ عَلَى إِطلاقِ المُسيّراتِ بـ 95%؛ حَسَب التَّقديراتِ الأَمريكيّة2. كَنَتيجةٍ لِلضَّربِ العَنيفِ الذّي وجّهتهُ أَمريكا وَإسرائيلُ لِلبُنيةِ التَّحتيّةِ العَسَكريّةِ الإيرانيّةِ، أُضعِفَتْ قُدرةُ إيرانَ عَلَى إِطلاقِ الهَجَماتِ الوَاسعةِ المَدَى لِلمسيّرات. نَستَطيعُ أَنْ نَرَى مَلمحاً مِنْ مَلامِحِ ذَلِكَ فِي مُقارنةِ مُعدَّلِ إِطلاقِهَا عَلَى الإِماراتِ العَرَبيّةِ المُتَّحِدةِ مُنذُ بِدايةِ الحَربِ حَتَّى الآن، إِذْ أَطلَقتْ إيرانُ عَلَى الإماراتِ فِي الأَوّلِ مِنْ مَارس مَا يَزيدُ عَنْ 330 مسيّرةً، وَ165 صَاروخاً بَالستيّاً. لَكِنَّ فِي 10 مارس أَطلَقتْ إيرانُ عَلَى الإماراتِ 35 مسيّرةً وَتِسعةَ صواريخَ بالستيّة فَقَط. أَمَّا بِالنِّسبَةِ إِلى الهَدَفِ التَّكتيكيِّ الثَّاني، فَنَجِدُ أَنَّ الأَمريكانَ تَقدّموا عَلَى نَحوٍ مَلحوظٍ فِي تَحقيقهِ، إذْ دَمَّروا أَكثرَ مِنْ 50 سَفينةٍ بَحريّة إِلى حَدِّ الآن. أَمَّا الهَدَفُ الثَّالث، وَهُوَ الأَهمُّ بِالنِّسبةِ إِلى الأَمَريكانِ وَالإسرائيليّينَ، لَنْ يَتَحقَّقُ إِلَّا بِتَغييرٍ حَقيقيٍّ فِي إِيران.
مِنَ الغَريبِ أَنْ يُعبِّرَ الأَمريكانُ عَنْ دَهشتِهِم فِي هُجومِ إيرانَ عَلَى الدّولِ الخَليجيّةِ بِهَذِهِ الطَّريقةِ مُنذُ بِدايةِ الحَربِ، مَعَ أَنَّ الدَّولَ الخَليجيّةَ صرَّحَتْ رَسميّاً إِنَّهَا لَنْ تَسمحَ أَنْ تُستَعمَلَ القَواعِدَ العَسَكريّةَ ضِدَ إيران. لَكِنَّ النِّظامَ الإيرانيَّ يَعملُ وِفقاً لإِستراتيجيّةٍ وَاضحةٍ يَبدو فَاتت عَلَى الكَثيرينَ، وَمِنْ ضِمنِهِمْ الأَمريكان. لَقَدْ قَدّرنَا، مُنذُ ضَرَباتِ يونيو المَاضي، أَنَّ حُظوظَ إيرانَ فِي أَنْ تَكونَ البَلَدُ الكولونياليُّ المُهيّمِنُ فِي الهِلالِ الخَصيبِ تَراجَعتْ عَلَى نَحوٍ كَبيرٍ جِدَّاً، وَبِالتَّالي لَا يَظهِرُ فِي تَحليلِنَا أَنَّ إيرانَ مُتمسّكةٌ بِالإستراتيجيا ذَاتُهَا، وَإِنَّمَا بـ “الصَّبرِ الإِستراتيجيِّ” المَشهور. عَلَيْنَا أَنْ نَأخُذَ هَذِهِ العِبارةَ حَرفيّاً وَجدّيّاً!
الصَّبرُ الإِستراتيجيُّ هُوَ تَعويمُ الإِستراتيجيا الكُبرى (لَنْ يَكونَ ذَلِكَ صَعباً لِلفهمِ عَلَى بَني التَّعويمِ الآيديولوجيِّ، هاه؟)، أَيْ الصَّبرُ فِي تَأجيلِهَا؛ الصَّبر فِي تَأجيلِهَا وَدَفعِ الضَّغط. بِمَعنَى آخرَ، إِنَّهُ أَقربُ إِلى مَفهومِ الاِنحباسِ، وَلَيسَ “الصَّبرُ عَلَى أَمرٍ مَا” أَوْ “الصَّبرُ عِندَ المُصيبة”. فإِذَا كَانَتْ إِستراتيجيّةُ إيرانَ الكُبرى أَنْ تُهيّمِنَ عَلَى الهِلالِ الخَصيبِ، وَإِذَا كَانَتْ الولاياتُ المُتَّحِدةُ وَإِسرائيلُ العَائِقُ الأَساسيُّ لِذَلِكَ، فَمَا عَسَى إيرانُ أَنْ تَقومَ بِه؟ مِنْ جَانِبٍ، مِنَ المُمّكِنِ أَنْ تَتَنازلَ، لَكِنَّهَا لَا تُريدُ ذَلِكَ. وَمِنْ جَانِبٍ آَخرَ، مِنْ المُمّكنِ أَنْ تَختارَ الصَّبرَ الإستراتيجيَّ، أَيْ تؤجِّلُ كُلَّ العَمَليّاتِ التّي مِنْ شأنِهَا أَنْ تُحقِّقَ الإِستراتيجيا، وَأَنْ تُركِّزَ عَلَى دَفعِ الضَّغطِ، حَتَّى يَخِفَّ الضَّغط.
هَكَذَا، إِذَنْ، لَا يُمكِنُ أَنْ نَفهَمَ الصَّبرَ الإِستراتيجيَّ كَتَكتيكٍ دِفاعيٍّ، وَإِنَّمَا كَإستراتيجيا تَهدِفُ إِلى تَفادي مُواجهةٍ حَاسِمةٍ مَعَ الولاياتِ المُتَّحِدةِ وَإِسرائيلَ، لَأَنَّ إيرانَ تَعلمُ جيّداً أَنَّ ذَلِكَ غيرُ مُمّكنٍ مِنْ دُونِ صِناعةٍ كُبرى لِلصَّورايخِ البالستيّةِ وَالسِّلاحِ النَّوَويِّ، مِنْ أَجلِ تَطويلِ عُمرِ النِّظامِ الإيرانيِّ، الذّي يُشكِّلُ عَائِقاً عَلَى صَيرورةِ إِسرائيلَ بَلَداً كُولونياليّاً مُهيّمناً. بِكَلَماتٍ أُخرى، لَا يَجوزُ أَنْ نَعتَبِرَ الصَّبرَ الإِستراتيجيَّ دِفاعاً وجوديّاً فَقَطْ، وَإِنَّمَا دَفعُ إسرائيلَ عَنْ كَونِهَا البَلَدِ الكُولونياليِّ المُهيّمنِ، عَبرَ دَفعِ الضَّغطِ الأمريكيِّ عَبرَ الضَّغطِ عَلَى الخَليجيّينَ مِنْ جَانِبٍ، وَعَبرَ الضَّغطِ عَلَى إِسرائيلَ عَبرَ حِزبِ الله مِنْ جَانِبٍ آخر، وَفِي الوَقتِ ذَاتِهِ يُحافظُ النِّظامُ الإيرانيُّ عَلَى وجودهِ كَبَلَدٍ كُولونياليٍّ مُهيّمنٍ مَحليّاً (أَيْ، عَبرَ وُجودِ المُنظّماتِ التَّابعةِ لِإيرانَ فِي مِنطَقةِ الهِلالِ الخَصيب)، لِتَبقَى صيرورتِهَا نَحوَ بَلَدٍ كُولونياليٍّ مُهيّمنٍ إِقليميّاً أَمراً جارياً؛ مَهَمَا كلَّفَهُم الأَمر. كَمَا أَنَّ النِّظامَ الإيرانيَّ، وَالبُنيةَ الكُولونياليّةَ الاجتماعيّةَ، يَسمحانِ لِذَلِكَ، إِذْ الإِنتاجُ الاجتماعيُّ غَالِباً يُسيرُ لِصالِحَ الإِنتاجِ الصِّناعيِّ الذّي يُغذّي الدَّولةَ أَساساً، وَالإِنتاجِ الصِّناعيِّ العَسكريّ؛ أَيْ الإِنتاجُ يُسيرُ لِصالحَ إِنتاجِ الوَسائلِ الإِنتاجيّةِ، مَعَ تَهميشٍ وَاضحٍ لِإنتاجِ الوَسائلِ الاستهلاكيّةِ وَلِلمستَوى المَعيشيِّ لِلشّعبِ الإيرانيّ. فَالصَّبرُ الإِستراتيجيُّ هُوَ عَمَلٌ وَاعٍ فِي تَأجيلِ المُكتَسَباتِ، وَالبَقاءُ عَبرَ التَّحييد. فَالإيرانيّونَ يَسعونَ إِلى الضَّغطِ عَلَى الخَليجِ، وَإِلى رَفعِ أَسعارِ النِّفطِ عَالميّاً، وَإِلى تَحريكِ حِزبِ الله فِي لِبنانَ، كَشَكلٍ مِنْ أَشكالِ “الصَّبر”.
ثَلاثُ سَيناريوهات لِإيران
إِنَّ الوَلاياتِ المُتَّحِدَةَ الأَمريكيّةَ فِي صَفِّ إِسرائيلَ لِتَكون البَلَدَ الكُولونياليَّ المُهيّمنَ فِي الهِلالِ الخَصيبِ، إِذْ تَجمَعُهُمَا عَلاقَةُ تَبَعيّةٍ طَبَقيّةٍ مُباشرة. لَولَا هَذِهِ العَلاقةُ، لِمَا رَأينَا أَيَّةِ عَلاقةٍ وَثيقةٍ تَجمَعُ بَينَ إِسرائيلَ وَالوَلاياتِ المُتَّحِدةِ الأَمريكيّة. وَالوَلاياتُ المُتَّحِدَةُ تَلعَبُ بِأَكثرِ مِنْ وَرَقةٍ وَاحِدَةٍ فِي الحَالةِ الإيرانيّة، وَثَمَّةَ عِدَّةُ سِيناريوهاتٍ لَهَا، وَهِيَ حَسَبُ التَّرتيبِ بِالأَفضَليّة:
السّيناريو الأَوّلُ: إِنْ يَتِمَّ التَّغييرُ مِنَ الدَّاخل، أَيْ عَبرَ قَاداتٍ (ضِمنَ النِّظامِ الإيرانيِّ القَائم) مُستَعِدينَ لِتَقديمِ تَنازلاتٍ كُبرى مِنْ أَجلِ إِنهاءِ الهُجومِ الأَمريكيِّ-الإسرائيليِّ عَلَى إيران. ذَلِكَ مُمّكِنٌ عَبرَ عِدَّةِ طُرق: أَوّلَاً تَبديلُ القَادةِ ضِمنَ الجِهازِ السّياسيِّ المُسَيّطر. مَا هُوَ الجِهازُ السّياسيُّ فِي إيران؟ إِنَّهُ الجِهازُ الكَهَنوتيَّ الذّي يَشمِلُ: الوَليُّ الفَقيه، وَمَجلِسُ صِيانةِ الدِّستور (مَعَ مَجلِسِ الخُبراء)، وَالشَّرائِحُ العُليا مِنْ قَادةِ الحَرَسِ الثَّوريّ. فِي حِينِ أَنَّ الجِهازَ الإِداريَّ هُوَ مَتروكٌ فِي يَدِّ الرََّئيسِ، وَالوزراء، وَالبَرلمان؛ وَمِنْ دُونِ الجِهازِ الكَهَنوتيِّ، لَنْ يَستطيعُ أَنْ يَقومَ بِأَمرٍ وَاحد. فَإِنَّ مَركزَ السُّلطةِ هُوَ فِي يَدِ الجِهازِ الكَهَنوتيِّ كُلّيّاً. بِالتَّالي، وَوِفقاً لِهَذَا السّيناريو، يَقومُ التَّغييرُ عَلَى تَبديلٍ لِلقادةِ السّياسيّينَ فِي الجِهازِ، مَعَ الإِصرارِ عَلَى إِصلاحِ الآيديولوجيا السّياسيّةِ القَائمةِ فِيه. لَكِنَّ عَلَى البَديلِ أَنْ يَكونَ مَقبولاً لَدَى مَركَزِ السُّلطةِ ذَاته. فِي الوَقتِ الحَاليِّ، نَحنُ أَمامَ عَدَّةِ شَخصيّاتٍ مُمّكِنةٍ، مِثلَ عَلي لاريجاني (برغماتيٌّ، لَكِنَّهُ لَيسَ “حَمامةً”) وَحَسَن خميني (مُتَوازِنٌ، وَلَهُ نَزعةٌ إِصلاحيّة، وَلَهُ قُوّةً رَمزيّةً كَماركوس يونيوس بروتوس)؛ غَيرُ أَنَّ كِلَيهُمَا نَاقصان. مِنَ الوَاضحِ أَنَّ هَذِهِ الطَّريقةَ التّي فَضلّتَهَا إِدارةُ تَرامب فِي الأَسبوعِ الأَوّلِ مِنَ الحَرب، عَلَى أَمَلِ أَنْ تَكونَ الضَّرباتُ العَنيفةُ عَلَى البُنيةِ التَّحتيّةِ العَسكريّةِ الإيرانيّةِ، وَمَعَ إِبادةِ عَدَدٍ غَير هَيّنٍ مِنَ الجِهازِ الكَهَنوتيِّ، وَمِنْ ضِمنِهِم كِبارِ قَادةِ الحَرَسِ الثَّوريِ وَالمُرشِدِ الأعلَى عَلَي خَامِنَئي، كَفيلةً فِي إِحداثِ ضَغطٍ كَبيرٍ عَلَى الجِهازِ ذَاتِهِ نَحوَ “الاستسلامِ السّياسيِّ”. لَكِنَّ النِّظامَ الإيرانيّ، كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، حَصينٌ أَمامَ “ضَغطٍ” لَا يَترِكُ أَثَراً عَلَى الجِهازِ، عَلَى الرَّغمِ مِنْ أَنَّهَا كَانَتْ ضَرَباتٌ مُوجِعَةٌ نَحوَه.
أَمَّا الطَّريقةُ الثَّانيةُ فِي السّيناريو الأَولِّ هِيَ إِحداثُ ضَرَرٍ حَقيقيٍّ فِي جِهازِ الحَرَسِ الثَّوريِّ ذَاتِهِ، وَالذَّي يَعني ضَرَرٌ حَقيقيٌّ فِي الجِهازِ الكَهَنوتيِّ، مِمَّا يَدفَعهُ نَحوَ هَذَا “الاِستسلامِ السّياسيّ”، أَيْ إِنَّ المُبادرةَ تَبدَأُ مِنَ الحَرَسِ الثَّوريِّ ذَاته الذَّي سَيكونُ أَمامَ حَلَّيْنِ إِمَّا الهَزيمةُ وَإِمَّا التَّنازل؛ وَالظَّاهِرُ فِي الأَمرِ أَنَّ هَذَا مَا تُفضِّلهُ الإِدارةُ الأَمريكيّةُ حَاليّاً. يَكونُ “الاِستسلامُ” هُنَا كَشَيءٍ طَارئ لِإنقاذِ النِّظامِ، بَدَلاً مِنْ تَنازلٍ يُقدِّمُهُ النِّظامُ ذَاته.
السّيناريو الثَّانيّ: إِنْ يَتِمُ التَّغييرُ عَبرَ تَغييرِ الجِهازِ السّياسيِّ بِأَكمَلهِ، وَإِحلالُ مَحلَّهُ النِّظامَ المَلَكيّ. لَكِنَّ ذَلِكَ يَتَطلّبُ تَدَخّلاً عَسكَريّاً حَقيقيّاً يَدفَعُ جِهازَ الأَمنِ العَامِ نَحوَ الخُضوعِ والاِستسلامِ الكُلّيّ. فِي السّيناريو الأَوّل، يَتِمُّ الضَّغطُ عَلَى جِهازِ الأَمنِ العَامِ نَحوَ التَّغييرِ، مِمَّا يَعني أَنَّ الجِهازَ ذَاتَهُ لَمْ يُهزَم بَعد. بَينَمَا فِي السّيناريو الثَّاني، يَكونُ جِهازُ الأَمنِ العَامِ (وَعَلَى رَأسهِ الحَرَسِ الثَّوريّ) مُنهَزِماً عَسكريّاً عَلَى نَحوٍ تَام. سَيكونُ هَذَا السّيناريو مُلائِماً تَماماً لِلأهدافِ القَصويّةِ الأَمريكيّةِ، وَالإِسرائيليّةِ، غَيرُ أَنَّ إِدارةَ ترامب لَيسَتْ سَاذِجةً بِمَا يَكفي أَنْ تُعوِّلَ عَلَى هَذَا السّيناريو كَالحَلِّ الأَوّلِ لِهَذِهِ الحَرب، إِذْ إِنَّهُ يَتَطلَّبَ جُهداً عَسَكريّاً عَظيماً وَخَسائِرَ فِعليّةً؛ وَمَعَ ذَلِكَ لَا نَشُكُّ أَنَّ الأَمريكانَ، وَالإِسرائيليّينَ، مُستعِدانِ أَنْ يَتَّخِذَا هَذَا الحَلَّ، مَا إِذَا فَشَلَ السّيناريو الأَوّل.
السّيناريو الثَّالِث: إِنْ يَتِمَّ التَّغييرُ عَبرَ حَربٍ أَهليّةٍ تُؤدّي إِلى الاِنقسامِ الدّيموقراطيّ. أَقولُ اِنقسامٌ إِذْ إِنَّ الحَرَكةَ الدّيموقراطيّةَ الإيرانيّةَ فَاقِدةٌ لِجَبَهةٍ ديموقراطيّةٍ مُنظِّمةٍ وَموحِّدة. فَتَنقَسِمُ إِيرانُ إِلى أَقسامٍ دِيموقراطيّةٍ أَثنيّةٍ: الأَكراد، العَرَبُ، البَلوش، الآذَريونَ. هَذَا السِّيناريو غَيرُ مَرغوبِ مِنْ قِبلِ جَميعِ الأَطرافِ الدَّاخلةِ فِي الحَرب، كَمَا أَنَّهُ غَيرُ مَرغوبٍ مِنْ قِبلِ الشَّعبِ الإيرانيّ.
كَيلَا تَصِلُ الأَمورُ إِلى هَذِهِ النّقطةِ، عَلَى الإيرانيّيْنَ أَنْ يَتَّحِدوا فِي جَبهةٍ ديموقراطيّةٍ وَاحِدةٍ، تَضِمُّ كُلَّ القوى الدّيموقراطيّة. لَا بُدَّ مِنْ أَنَّهُم يَتَجهّزوا الآنَ لِهَذَا السّيناريو، خصوصاً أَنَّهُم لَا يرغِبونَ فِي السّيناريو الأَولِّ وَالثَّاني، إِذْ إِنَّهُ يَضِرُّ بِمصلَحةِ الشَّعبِ الإيرانيِّ ذَاته. فَالجَبهةُ الدّيموقراطيّةُ المُوحّدةُ لَا بُدَّ أَنْ تَقومَ عَلَى مَبدأ: “لَا لِأَمريكا وَإِسرائيلَ، وَلَا لِلنِّظامِ الإيرانيّ”. بِالتَّالي، تَتَّفِقُ عَلَى إِحلالِ السَّلامِ، وَالحيادُ عَنِ التَّوسّعِ، وَالحِفاظِ عَلَى الأَرضِ الإيرانيّة، وَإِحلالِ النِّظامِ الدّيموقراطيّ. وَعَلَى العَكسِ عَمَا يُصوِّرُهُ النُّكوصيّونَ، لَا تَخلو إيرانُ مِنَ القُوى الدّيموقراطيّةِ، إِذْ نَجِدُهَا تَعمَلُ فِي كُلِّ جَادةٍ فِي إِيرانِ، وَهِيَ لَا تَخبو بِقَدَرِ مَا أَنَّهَا تُقمَعُ عَلَى نَحوٍ مُمنّهجٍ كُلُّ يَوم. فَالَحَرَكةُ النَّسَويّةُ (زَن، زِنده، آزادي) لَعَبَتْ دَوراً هَاماً فِي الوَعي الدّيموقراطيِّ، كَمَا يَلعَبُ الطُّلّابُ هَذَا الدَّور، كَمَا نَجِدُ الحَرَكاتِ الدّيموقراطيّةَ القَوميّةَ تَلعَبُ هَذَا الدَّور، وَمنظَمَةُ (مُجاهدي خَلق إيران)، وَالنَّقاباتُ العُماليّةُ كَذَلِكَ، وَالأَحزابُ الدّيموقراطيّةُ، وَاَستَثني الأَحزابَ النُّكوصيّةَ إِلَّا مُنظَّمتيّ (فدائيان خَلق إيران) و(الحَزب الشَّيوعيُّ الإيرانيُّ) اللّذَانَ اِتَّبَعا شِعار: “لَا لِلتَّدخّلِ الأَمريكيِّ-الإِسرائيليِّ وَلَا لِلِجمهوريّةِ الإِسلاميّةِ الفَاشيّة” .
مِنَ الوَاضحِ، إِذَنْ، أَنَّ الحَربَ الأَمريكيّةَ عَلَى إِيرانَ، هِيَ حَربٌ لِتَثبيتِ السّياسةِ الأَمريكيّةِ فِي الشَّرقِ الأَوسطِ؛ وَلِهَذَا السَّبَبِ قُلنَا إِنَّنَا نُدينُ هَذِهِ الحَرب، أَيْ مِنَ النَّاحيةِ المَبدئيّة. لَكِنَّ إيرانَ أَيْضاً تَمِرُّ فِي وضعِ أَزمةِ هَيْمنةِ طَبَقيّةِ أَحدَثتهُ الحَرَكةُ الشَّعبيّةُ الإيرانيّةُ مُنذُ عقود. فَفِي هَذِهِ الحَالةِ، لَا بُدَّ مِنْ أَنْ نُغلِّبَ مَصلَحةَ الشَّعبِ أَوّلَاً. وَالشَّعبُ ذَاتُهُ اِتَّخَذَ مَوقِفَ الاِنهزاميّةِ بَدَلاً مِنَ الدِّفاعِ الوَطَنيِّ، إِذْ إِنَّهُ غَلَّبَ مَصلحتهُ عَلَى مَصلحةِ البورجوازيّةِ الكَهنوتيّةِ الحَاكِمة. فَلَا يُمكِنُنَا أَنْ نُدينُ الحَرَبَ الأَمريكيّةَ عَلَى إيرانَ مَعَ المُطالبةِ بِالحِفاظِ عَلَى النِّظامِ، وَإِنَّمَا مَعَ المُطَالبةِ بِمَا يُطالِبُهُ الشَّعبُ الإيرانيُّ ذَاتُه. تِلكَ هِيَ أَبسطُ مَبادئ السّياسة!
أَولَيسَ مِنَ المُثيرِ لِلسّخريّةِ أَنَّ النُّكوصيّينَ، وَالأَمريكانَ، وَالإِسرائيليّينَ، جَميعاً يَرفِضونَ السّيناريو الثَّالث؟ حَتَّى أَنَّ إِدارةَ ترامب، كَمَا تَبيّنَ، لَيسَتْ مُعارضةً تَماماً لِبقاءِ النِّظامِ الإيرانيِّ، وَكَذَا هُمْ النَّكوصيَّونَ، غَيرُ أَنَّهُم يَرغِبونَ أَنْ تَكونَ إيرانُ هِيَ هِيَ البَلَدَ الكولونياليَّ المُهيّمِنَ فِي الهِلالِ الخَصيب.
لَكِنَّنَا نَقولُ لَا نَدعمُ إيرانَ فِي مُخطّطاتِهَا لِأَنْ تَكونَ البَلَدُ الكُولونياليُّ المُهيّمِنُ، كَمَا أَنَّنَا لَا نَدعمُ إِسرائيلَ فِي ذَلِكَ. وَإِنَّمَا نَدعمُ الحَرَكةَ الدّيموقراطيّةَ لِلشَّعبِ الإيرانيّ. لَيسَ لَأَنَّنَا نُقدِّسُ الدّيموقراطيّةَ، وَإِنّمَا لَأَنَّهَا جسرٌ إِلى التَّآلفيّة.
فَالحَلُّ لَا يُمكِنُ أَنْ يَكونَ إِحلالَ بَلَدٍ كُولونياليٍّ مُهيّمنٍ مَكَانَ الآخر، وَبِالتَّالي اِختيارُ أَهونَهُمَا. وَإِنَّمَا يَكمِنُ الحَلُّ فِي وَضعِ القَرارِ فِي يَدِ الشَّعبِ الإيرانيِّ ذَاته، الذّي سَيختارُ حَتماً السَّلامَ، وَالحيادَ، وَرَفضَ التَّدخّلِ الأَجنبيِّ (مِنْ ضِمنهِ التَّدخّلِ الأمريكيّ-الإِسرائيليّ). الحَلُّ الدّيموقراطيُّ هُوَ حَلٌّ مؤقّتٌ، وَهُوَ لَيسَ حَلَّا تَآلفيّاً، وَبِالتَّالي لَيسّ حَلّاً لِعَصرِ الكَارثة. فِي هَذِهِ النّقطةِ، لَيسَتْ لَدينَا أَيّةُ أَوهامٍ عَنْ “حُلولٍ” غَيرِ التَّآلفيّة؛ لَأَنَّهَا مَعدومة. لَكِنَّنَا أَيضاً طَوباويّونَ إِذَا قُلنَا لِلشَّعبِ الإيرانيِّ “تَعلَّموا التّآلفيّة، ثُمَّ تَعالوا لِنَتَحدّث”؛ مَا الفَرقُ بَينَنَا وَبَينَ النُّكوصيّينَ وَقتَها؟ إِنْ وُجودَ إيرانَ الدَّيموقراطيّةِ فِي المِنطَقةِ لَيسَ كَفيلاً فِي كَسرِ النِّظامِ الإمبرياليِّ العَالميّ، وَإِنَّمَا سَيكونُ كَفيلاً فِي تَعزيزِ التَّعايشِ الحُرِّ وَالسِّلميِّ المؤقّتِ مَعَ الدّولِ المجاورة، كَمَا أَنَّهُ سَيبعَثُ نَفَساً جَديداً فِي الهِلالِ الخَصيبِ لِحَرَكاتٍ مُشابهة. إِلَّا إِنَّ كُلَّ ذَلِكَ غَيرُ مُمّكنٍ مِنْ دُونِ جَبهةٍ ديموقراطيّةٍ موحَّدةٍ فِي إيران، وَهَذَا مَا يَفقِدهُ الشَّعبُ الإيرانيُّ اليَوم، بِفعلِ القَمعِ الذّي مَارسهُ الكَهَنوتُ لِمُدّةِ خَمسةِ عقود.
أَمَّا نُكوصيّونَا، فَإِنَّهُم عَمِلوا كُلَّ مَا فِي وسعِهِم لِيَطمَسوا تِلكَ الحَرَكاتِ، كَمَا قَامَ سَادَتُهُم الكَهَنوتُ فِي إِيران. مَنْ مِنَ النُّكوصيّينَ طَرَأَ مَهسا أميني بِكَلِمةٍ؟ بِذِكرى؟ لَا أَحَدَ مِنْهُم. هَلْ فَاتَ عَلَيّهِمْ الحَدَث؟ ثَمَّةَ آلافٌ مِنْ مَهسا أميني إِنْ كَانوا لَا يَعلمون. مَنْ مِنْهُم نَصَرَ الشَّعبَ الإيرانيَّ بِكَلِمةٍ؟ بِبيانٍ؟ بِمَنشورٍ؟ لَستُمْ مَشغوليْنَ لِهَذِهِ الدَّرَجةِ؛ أَمْ سَتَقولونَ أَنَّكُمْ أَمامَ مَغازٍ وَفتوحات؟ عَلَى العَكسِ أَنتُم كَسولونَ جِدَّاً، سياسيّاً وَفكريّاً، لِدَرَجةِ أَنَّ جُلَّ مَا تَقومونَ بِهِ هُوَ كِتابةُ البَيَانات. الحَقيقةُ هِيَ أَنَّكُم لَا تُريدونَ نُصرَةَ الشَّعبِ الإيرانيّ، لَأَنَّكُم تَخَافونَ، لَأَنَّكُم لَمْ تَكونوا عَلَى شَجاعةٍ أَبَداً، لَأنَّكُم لَمْ تَكونوا عَلَى حَقٍّ أَبَداً. استمرّوا أعزائي، لَا أَحَدَ بِحاجةٍ إِليّكُم. نَعم، استمرّوا فِي مَدرسةِ حَانةِ الأوبرا، لَكُمْ مُطلَقُ الحُرّيّةِ أَنْ تَتَقدَّموا نَحوَ الوَحل.
بُؤسى لَكُمْ يَا نُكوصيّونَ، جَميعُكُم “حَيّاتٌ مِنْ بَطنِ حَيّاتٍ؛ لَا أَعرِفُ كَيفَ سَتَهرِبونَ مِنْ دَينونةِ جَهنم!”. لَأَنَّكُم مَعبَدُ نِفاقٍ يُوعِدُ فِردوساً بِقربانِ خِنزير! بؤسى لَكُمْ، لَأَنَّكُم كَالعَنانِ الأَسودِ الذّي يُغطّي نُورَ الشَّمسِ وَهُوَ مُجرّدُ بُخارٍ عَابرٍ، تَعلَمونَ أَنَّ الكَارِثةَ حَقٌّ إِلَّا أَنَّكُمْ تَمنَعونَ الخَلاصَ عَلَى غَيرِكُم! بُؤسَى لَكُم، لَأَنَّكُم كَأنبياءِ آحابَ الكَذّابينَ عَلَى طُورِ كَرمَلَ “تَقفِزونَ بَينَ فِرقتيْنِ”، تَغزِلونَ نِفَاقاً خَلفَ نِفاقٍ، تَغسِلونَ المَوتى ثُمَّ تَدفنونَهُم تَحتَ القَاذورات!
لِذَا أَقولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ إِلياسُ لِأنبياءِ الكَذبِ: ((أَنَا وَاحِدٌ وَحيدٌ، وَأَنتُم أَنبياءُ بَعلَ 450 كذّاباً)).
نَوايا إيرانُ تِجاه البَحرين
كَيْفَ تَنظِرُ إيرانُ إِلى البَحرين؟ سَيقولُ قَائِلٌ إِنَّهَا تُركِّزُ عَلَى القَواعِدِ الأَمريكيّةِ فِيهَا فَقَط؛ وَهَذَا إِلى حَدٍّ مَا صحيح. فَأَغلَبُ الضَّرَباتِ التّي وَجّهتها إيرانُ إِلى البَحرينِ كَانَتْ نَحوَ القَواعدِ العَسكَريّةِ، كَمَا أَنَّهَا وَجَّهَتْ ضَرَباتُهَا نَحوَ أَهدافٍ غَيرِ أَمريكيّةٍ عَلَى الإِطلاق تَحتَ ذَريعةِ أَنَّهَا سَتُستَخدَمُ لِدَعمِ القُوّةِ العَسكَريّةِ الأَمريكيّةِ، مِثلَ حقولِ النَّفطِ، وَالمَوانئ، وَالمَطار، وَتحليّةِ المياه، إِلخ. وَهِيَ -إيرانُ- لَا تَعني بِذَلِكَ سُوى أَنَّهَا تُريدُ الضَّغطَ عَلَى البُلدانِ الخَليجيّةِ، فَتضغِطُ تِلكَ عَلَى أَمريكا، فَتكفُّ أَمريكا عَنْ ضَربِ إيران. كَمَا أَنَّ أَحَدَ أَبرزَ الأَشكالِ لِهَذَا الضَّغطِ هُوَ عَبرَ الهجومِ عَلَى السَّيرِ الطَّبيعيِّ لإِنتاجِ وَتَصديرِ النِّفطِ (غَلقُ مُضيق هُرمزَ، وَضَربُ مَصافي النِّفطِ فِي كَافةِ دولِ الخَليج)؛ فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ جزءٌ مِنْ الخِطّةِ التّكتيكيّةِ الإيرانيّة. كَمَا أَنَّ إيرانَ، كَمَا تَقدّمَ، تَسعَى -عَبرَ هَذِهِ الهَجَماتِ- إِلى إضعافِ الدِّفاعاتِ الجَويّةِ الخَليجيّةِ، مِنْ أَجلِ إِطلاقِ الصَّواريخِ البَاليستيّةِ؛ وَإِلَى حَدِّ الآنِ نَجِدُهَا تَفشَلُ فِي ذَلِكَ.
وَعَلَى الرَّغمِ مِنْ أَنَّ إِيرانَ وَجَّهتْ ضَرَباتٍ نَحوَ أَهدافٍ غَيرِ عَسكريّةٍ فِي كُلِّ الخَليجِ عُموماً، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُمكِنُنَا أَنْ نَتَغافَلَ عَنْ حَقيقةٍ وَاحِدةٍ: تَبرِزُ البَحرينُ، مِنْ بَينَ جَميعِ الدّولِ الخَليجيّةِ، كَوجهةٍ أَساسيّةٍ لِلأهَدافِ المَدَنيّةِ غَيرِ العَسكريّةِ مِنْ قِبلِ إيران. لِنقارِنُ الضَّرَباتِ الإيرانيّةِ الموُجَّهةِ نَحوَ دُولِ الخَليج مُنذَ بِدايةِ الحَربِ حَتَّى 10 مارس:
البلد
الأهداف العسكريّة
الأهداف المدنيّة الإستراتيجيّة
الأهداف المدنيّة البحتة
المجموع الكُلّيّ لِلأهداف
مملكة البحرين
2
6
4
12
الإمارات العربيّة المتّحِدة
1
3
2
6
المَملكة العَرَبيّة السّعوديّة
1
2
1
4
دولة الكويت
2
1
0
3
دولة قَطَر
1
1
0
2
كَمَا أَنَّهُ عَلَينَا أَنْ نُقيسَ هَذِهِ النِّسبةَ وِفقاً لِمَساحةِ وَحِجمِ البَلَدِ ذَاته:
البلد
مجموع الأهداف
المساحة بِالكيلومتر المربّع
نسبة الأهداف وفقاً لكل 1000 كيلومترٍ مربّع
نسبة الأهداف وفقاً لكل مليونٍ نسمة
مملكة البحرين
12
785
15.3
8.0
الإمارات العربيّة المتَّحدة
6
83,600
0.07
0.6
دولة الكويت
3
17,800
0.17
0.7
المملكة العربيّة السّعوديّة
4
2,150,000
0.002
0.11
دولة قَطَر
2
11,586
0.17
0.6
أوَّلُ مَا يُمكِنُنَا مُلاحظتُهُ فِي هَذِهِ الأَرقامِ هُوَ أَنَّ نِسبةَ الأَهدافِ المَدَنيّةِ البَحتةِ، وَالأَهدافِ المَدَنيّةِ الإستراتيجيّةِ، وَالأهَدافِ العَسكريّةِ مِنَ مَجموعِ الأَهدافِ لِلإماراتِ العَربيّةِ المُتَّحِدَةِ وَالبحرينِ هِي مُتطابِقةٌ تَماماً. وَإِذَا أَمسكنَا عَدَدَ الصَّواريخِ التّي تَمَّ إِطلاقُهَا مِن إيرانَ إِلى دولِ الخَليجِ، سَنجِدُ أَنَّ الإماراتِ تلقّتْ مَا يزيدُ عَنْ 1800 صاروخاً وَمسيّرةً، وَالكُويَت مَا يزيدُ عَنْ 700، وَالبحرين 270، وَالسّعوديّةُ 176، وَقَطَر 145. لَكِنَّ لَمَّا تَركّزَتْ الأَهدافُ فِي الكويتِ وَقَطَر فِي الأَهدافِ العَسكريّةِ غالِباً، وَلمَّا تَركَّزتْ الأَهدَافُ الإيرانيّةُ فِي السّعوديّةِ فِي الأَهدافِ العَسكريّةِ-الإِستراتيجيّة، فَإِنَّنَا نَجِدُ الأَهدافَ الإيرانيّةَ فِي البَحرينِ والإِماراتِ تَقومُ عَلَى تَوزيعٍ مُختلف. وَمَعَ ذَلِكَ، الأَهدافُ المَدَنيّةُ البَحتَةُ فِي الإِماراتِ غَيرُ مُتكرِّرةٍ عَلَى الدَّوامِ، إِذْ إِنَّ الهَدَفيْنِ المَذَكوريْنِ يَرجعانِ إِلى بِدايةِ الحَرَبِ تَماماً (28 فبراير وَ3 مَارس)، وَلَمْ يَزد العَدَدُ مُنذُ ذَاكَ الحَين.
فِي الحَالةِ الإماراتيّةِ، تَتَّبِعُ إيرانُ الإِستراتيجيا ذَاتَها المُتَّبَعَة مَعَ سائرَ الخَليجِ، بإِستثناءِ البَحرين: تَكثيفُ الضَّرَباتُ العَسكريّةُ وَالإستراتيجيّةُ مِنْ أَجلِ إِضعافِ قُدرةِ الدِّفاعِ الجَوّيِ، وَرَفعِ أَسعارِ النِّفطِ، وَدَفعِ الخَليجيّينَ لِلضَّغطِ عَلَى الأَمريكان. فَالهَجمَاتُ مُنظَّمَةٌ، وَالصَّواريخُ وَالمسيّراتُ مكثّفةٌ فِي تَحقيقِ الأغراضِ الإستراتيجيّة. لَكِنَّ إِستراتيجيّةَ إيرانَ تَختلِفُ فِي البحرينِ عَنْ سَائرَ الخَليج، إِذْ الإِستراتيجيا لَا تَتَضمَنُ المَذَكورَ بِالنِّسبَةِ لِسائِرَ بُلدانِ الخَليجِ فَحسب، وَإِنَّمَا تَتَضمَّنُ شَلَّ القُدرةِ الوَظيفيّةِ لِلبَلَدِ بِأَكمَله. هَذَا وَاضِحٌ جِدَّاً فِي حَجمِ الأَهدافِ فِي البَحرين، إِذْ يَعكِسُ إِستراتيجيّةً وَاضِحةً فِي ضَغطِ الصَّدمةِ، حَيثُ أَنَّ جَزيرةً صَغيرةً كَالبَحرينِ تَتَلقَّى ضَغطاً هَائِلاً وَكَثافةً عَاليّةً فِي الأَهدافِ العَسكَريّة. لَا يُمكِنُ أَنْ يَقولَ أَحَدٌ إِنَّ ذَلِكَ نَتيجةٌ عَرَضيّةٌ لِضَربِ القَواعدِ الأَمريكيّةِ، إِذْ النِّظامُ الإيرانيُّ يَعلَمُ جَيّداً مَفهومَ ضَغطِ الصَّدمةِ عَسكريّاً. فإِنْ اِستهدافَ هَدَفٍ لوجستيٍّ وَاحِدٍ، مَثَلاً، سَيؤثِّرُ عَلَى البَلَدِ بِأَسره، بَفعلِ صُغرَ حَجمِ البَحرين.
يَبدو لِي، إِذَنْ، أَنَّ السّؤالَ المُناسِبَ هُوَ: مَا الذّي يَدفَعُهَا نَحوَ ذَلِكَ؟ نُجيبُ إِنَّهَا لَا تَعتَبِرُ البَحرينَ بَلَداً حَاضِناً لِوُجودِ، وَلِمَصالحَ، عَدوها الأَساسيّ: الوَلاياتُ المُتَّحِدةُ الأمريكيّة فَحَسبْ، وَإِنَّمَا تَعتَبِرُ البَحرينَ اِمتداداً عضويّاً لِأَمريكا. تَتَعامَلُ إيرانُ مَعَ البَحرينِ كَمَا لَوْ كَانَتْ اِمتداداً أَمريكيّاً؛ كَمَا لَوْ كَانَتْ البَحرينُ هِيَ هِيَ أَمريكا، أَيْ أَرضاً أَمريكيّةً (كَحَالِ غوامَ عَلَى سَبيلِ المِثال).
ذَلِكَ لَأَنَّ النِّظامَ الإيرانيَّ، فِي خِطابِهِ الآيديولوجيِّ، يُصوِّرُ البَحرينَ كَمُحافظةٍ إيرانيّةٍ مَسلوبةٍ، بِالتَّالي يَرَى النِّظامُ الإيرانيُّ أَنَّهُ مِنْ حَقّهِ اِسترجاعُ الأَرضَ المَسلوبةَ، وَأَنَّ كُلَّ شَيءٍ عَلَى أَرضِ البَحرينِ هُوَ اِحتلالٌ، أَوْ تَمثيلٌ لِلسَّلب. قَبلَ ثَلاثةِ أشهرَ تَقريباً كَتَبَ قَبيحُ الوَجهِ حسين شريعتمداري، مُعِدُّ صَحيفةِ (كيهان)، وَهُوَ شَخصيّةٌ مُقرَّبةٌ مِن مَكتَبِ المُرشِدِ الأَعلى، إِنَّ شَعبَ البَحرينِ ((يسعَى إِلى العَودةِ إِلى أَرضِ الأَصلِ وَأَرضِ الأُمّ))، وَسَمَّى البَحرينَ: ((مُحافظةً مَسروقةً)). كَمَا أَنَّهُ قَالَ الأَمرَ ذَاتَهُ تَماماً فِي 32018 و42007. وَصَرَّحَ الخَبيثُ حميد رسايي فِي حِسابهِ الرَّسميِّ عَلَى مَنصةِ (إكس) فِي 12 مارس 2026، وَهُوَ عَضوٌ فِي البرلمانِ الإيرانيِّ، إِنَّهُ ((مِنَ الضّروريِّ أَنْ تَكونَ أَحَدُ نَتائجَ الحَربِ اِستعادةَ البحرين، وَاستّتباعَهَا إِلى إيران)). وَقَالَ كَمَال خرازي5، رئيسُ المَجلسِ الإستراتيجيِّ الإيرانيِّ وَوَزيرُ الخارجيّةِ الإيرانيِّ سَابقاً، فِي أَكتوبر 2024، إِنَّ البَحرينَ فُصِلَتْ مِنْ إيرانَ عَامَ 1971 بِفعلِ “خيانةٍ لَا يُغفَر لَهَا” قَامَ بِهَا الشَّاه. وَكَتَبَ المَخبولُ محمّد صادق كوشكي، وَهُوَ مُحلِّلٌ سِياسيٌّ موالٍ لِلنِّظامِ الإيرانيِّ، فِي صَحيفةِ (Tehran Times)، فِي 12 أغسطس 2023، إِنَّ البحرينَ فُصِلَتْ مِنْ إيرانَ بِفعلِ خيانةِ الشَّاه وَالمَكيدةِ الاِستعماريّةِ الإنكليزيّةِ، وَوَصَفَ يَومَ اِستقلالِ البَحرين (15 أغسطس 1971) بِيَومٍ مُؤلِمٍ عَلَى إيران، إِذْ فَقَدَتْ جُزءاً مِنْ أَراضِيهَا. وكَمَا صَرَّحَ نَابليونُ الأَحولُ، الجِنرالُ المَأفونُ سَعيد قاسمي (قَائدٌ فِي الحَرَسِ الثَّوريِّ) فِي 62016 إِنَّ البَحرينَ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ “تُستَرجَعَ”، إِذْ: ((البحرينُ هِي مُحافظةٌ إيرانيّةٌ سُرِقَتْ مِنَ الجمهوريّةِ الإِسلاميّةِ الإيرانيّةِ مِنْ قِبَلِ الاستعمارِ الغَربيّ (...) وَلَا بُدَّ مِنَ أَنْ نَقومَ بِمجهودٍ لِاسترجاعِ البحرينَ إِلى الأَرضِ الإيرانيّةِ، وَنَجعلُهَا جُزءاً مِنْ مُحافظةِ بوشهر)). وَصَرَّحَ حسين علي شهرياري فِي 14 مايو 72012، وَهُوَ عضوٌ فِي البَرلمانِ الإيرانيِّ، إِنَّ البَحرينَ يَجبُ أَنْ تَكونَ فِي يَدِ الجمهوريّةِ الإِسلاميّةِ الإيرانيّةِ، وَلَيسَ فِي يدِ أَيِّ أَحَدٍ آخر. كَمَا أَنَّنَا لَا نَنّسَى التَّصريحَ الشَّهير الذَّي صَرَّحُه علي أكبر ناطق نوري8، المُتَحدِّثُ الرَّسميُّ لِلبرلمانِ الإيرانيِّ حِينِهَا، وَالمُستشارُ لِلمُرشدِ الأعَلى، فِي 2009، إِنَّ البحرينَ هِيَ المُحافظةُ الرَّابعةُ عَشَر لإيران.
نَقولُ لِلإيرانيّينَ، جَرِبوا أَنْ تَحتلّوا أَرضنَا، والذّي نَفسي بِيدهِ لِنجعلنَّهَا مَقبرةً لَكُمْ أَربعةَ عَشَرَ مَرّةً! لَنْ تَمِرّوا أَبَداً.
فَإِنَّ نَوايا إِيرانَ تِجاهَ البَحرينِ وَاضِحةٌ جِدَّاً، وَلَنْ نَستَغرِبُ إِذَا تَطَوَّرَ الخِطابُ الإيرانيُّ مِنْ: “ضَربِ القَواعدِ الأَمريكيّةِ” إِلى “تَحييدِ البَحرينِ مِنَ الأَمريكانِ” عَبرَ القُوّةِ أَوْ الاِحتلال. هَكَذَا، لَيسَ مِنَ المُستَبعَدِ أَنَّ يَكونَ هَذَا الخِطابُ جُزءَاً مِنَ الضَّغطِ الذَّي تَسعَى إيرانُ وَراءهُ مِنْ خِلالِ ضَرَباتِهَا؛ كَمَا أَنَّهُ جُزءٌ “اِنتهازيٌّ” مِنْ مُخطّطاتِ إيرانَ الإستراتيجيّة، التّي لَنْ تَتَهاون عَنْهُ مَا إِذَا تَوفّرتْ لَهَا الفُرصة.
إِنَّهُ لَأَمرٌ وَاقِعٌ فِي التَّاريخِ أَنْ تَكونَ كُلُّ دَولةٍ صَغيرةٍ بِحاجةٍ إِلى حِمايةٍ كَبيرة؛ وَالبَحرينُ لَيسَتْ مُستَثنى مِنْ هَذِهِ القَاعدةِ، لَيسَ الآنَ وَلَيسَ فِي المَاضي. فَإِذَا سَألنَا أَيَّ بَحرينيِّ، مَهمَا كَانَتْ تَوجّهاتُهُ السّياسيّة، لَنْ يَرضَى وَلَنْ يَقبِلُ أَنْ يَكونَ حَاضِناً لِلأَمريكانَ، وَلكِنَّهُ أَيْضاً لَنْ يَرضَى أَنْ تَكونَ مَدينتُهُ أَوْ قَريتُهُ “شِهرَ” فِي “استانَ” إيرانيٍّ، وَلَنْ يَرضَى أَنْ يُبدِّلَ لِسانهُ العَرَبيَّ بِلسانٍ أعجميّ. وَهَكَذَا، حَالَمَا يَكونُ أَيُّ شَعبٍ مُخيّراً بَينَ التَّبَعيّةِ الطَّبَقيّةِ وَالاِحتلالِ سَيختَارُ أَهونَ الشَّرّيْنِ بِالضَّرورة؛ وَهَذَا دَأبُ كُلِّ الدّولِ الصَّغيرةِ، كَأوكرانيا وَتايونَ، التَّي اختارتْ التَّبَعيّةَ الطَّبّقيّةَ المُباشرةَ لِأَمريكا تَفادياً لِلاحتلال. فَالأَمرُ لَيسَ أَمرَ قبولٍ أَوْ اِعتراضٍ، وَإِنَّمَا: “هَلْ خَطَرُ الاِحتلالِ قائِماً أَمْ لَا؟”. بِالتَّالي، مِنَ الطَّبيعيِّ جِدّاً أَنْ نَجِدَ الشَّعبَ البَحرينيَّ “يَتَحمَّلُ” الاحتضانَ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَقبِلُ بِهِ، إِذْ عَبرُ هَذَا “التَّحمّلِ” سَيحمي هويّتهُ وَسَيَتَفادى التَّهديدَ الإيرانيَّ الصَّريحَ الذّي ظَلَّ يَتكرَّرُ عَبرَ السَّنَوات.
بِالتَّالي، إِنَّمَا وُجودُ إيرانَ الكَهَنوتيّةِ التَّوسّعيّةِ هُوَ هُوَ الذّي يُشكِّلُ لِلشَّعبِ البحرينيِّ مُبرَّراً حقيقيّاً لِلاحتماء، حَتَّى إِنْ كَانَ رَافِضاً لِذَلِكَ، فِي حِينِ أَنَّ وُجودَ إيرانَ الدَّيموقراطيّةِ مِنْ شَأَنِهِ أَنْ يُزيلَ هَذَا “الدَّافِعَ”. بِكَلِمَاتٍ أُخرى، سَتَكونُ العَلاقةُ الأَخويّةُ الحُرّةُ بَينَ الشَّعبِ الإيرانيِّ وَالبحرينيِّ كَفيلةً فِي أَنْ تَجعَلَ الاحتماءَ أَمراً لَا مُبرِّرَ لَهُ فِي وَعيِ الشَّعبِ البَحرينيّ. فَالقَضيّةُ بِالنِّسبَةِ إِلينَا لَيسَتْ قَضيّةَ بُورجوازيّاتٍ وَحَاجاتِهَا، وَإِنَّمَا قَضيّةُ العَلَاقةِ الأَخوّيّةِ بَينَ شَعبيْنِ التَّي مِنَ المُمّكنِ أَنْ تَتَحوّلَ إِلى عَلاقةٍ تآلفيّة.
لَيسَ جَديداً عَلَيْنَا، أَهلُ البَحرين، أَنْ يَعدّنَا بَعضُ العَرَبِ وَالإيرانيّينَ “أَصغرَ مِنْ دَولةٍ” وَ “أصغرَ مِنْ شَعبٍ”. يَقولونَ إِنَّنَا لَيسَ شَعباً حَتَّى، وَإِنَّمَا تَركيبٌ عَرضيٌّ مِنْ بَشَرٍ أَنعمَ الله عَليهِمْ بِالنِّفطِ، وَلَولَا هَذَا النِّفطُ لِمَا كَانَ لَنَا أَيُّ وجودٍ يُذكَر. بِالتَّالي، يُجيزونَ عَلَيْنَا بِأَقلامِهِم أَنْ يَتِمَّ اِحتلالِنَا، يُجيزون عَلَيْنَا أَلَّا يَكونُ لَنَا رَأيّاً فِي مَصيرِنَا، يُجيزون عَلَيّنَا أَنْ نُعَامَلَ كَأَطفالٍ بِحاجةٍ إِلى تَوجيهاتِهِم السَّامية. عَلَى الرَّغمِ مِنْ أَنَّ تَاريخَنَا أَعظمَ مِنْ إِدّعائاتِهِم، عَلَى الرَّغمِ مِنْ أَنْ كُلَّ نَبؤةٍ خَلاصيّةٍ دَارتْ عَلَينَا (وَمَا زَالتْ)، عَلَى الرَّغمِ مِنْ أَنَّ دِلمونَ رُفِعتْ لِلعَالمِ بَعدَ جُورِهِم، عَلَى الرَّغمِ مِنْ أَنْ مُلوكَهُم فِي السَّابِقِ غَنّوا أَغانٍ عَنْ طَهارتِنَا؛ عَلَى الرَّغمِ مِنْ أَنَّ أَسلافَهُمْ كَانَوا يَحجّونَ إلِيْنَا لِيتَطّهروا؛ وَعَلَى الرَّغمِ مِنْ أَنْ خَلاصَهُم سَيبدأُ مِنْ دِلمونَ ذَاتِهَا.
الهوامش:
1يُمكِنُ لِلمهتمِّ أَنْ يُراجِعَ:
عقيل، هشام. (2025). التداعيات السياسية والفكرية لـ (طوفان الأقصى) على اليسار العالمي. في علوي مشهور، وسالم الرحبي، وعلي المجيني (تحرير)، الرد بالكتابة: تأملات ومراجعات القضية الفلسطينية في زمن الإبادة (ص: 77- 95). عُمان: قراء المعرفة.
2وزارة الحرب الأمريكية، “Secertary of War Pete Hegseth and Chariman of the Joint Chiefs of Staff Gen. Dan Caine Hold a Press Briefing”، في 2 مارس 2026،
https://www.war.gov/News/Tran-script-s/Tran-script-/Article/4429953/secertary-of-war-pete-hegseth-and-chairman-of-the-joint-chiefs-of-staff-gen-dan/
3راديو فردا، “سخنان تند نامينده خامنه أي عليه استقلال بحرين”، 8 فبراير 2018.
4حسين شريعتمداري، افتتاحية في صحيفة كيهان، 9 يوليو 2007.
5وكالة أنباء البحرين، “الأمانة العامة لمجلس التعاون ترفض الادعاءات الإيرانية”،
https://www.bna.bh/en/GeneralSecertariatofGCCrejectsIranianclaims.aspx
6سعيد قاسمي، خطاب في بوشهر حول البحرين، مارس 2016، نقلته صحيفة The Jerusalem Post في 20 مارس 2016.
7حسين علي شهرياري، تصريح في مجلس الشورى الإيراني حول البحرين، 14 مايو 2012، نقلاً عن: Arab Gulf States Institute in Washington.
8علي أكبر ناطق نوري، تصريح حول البحرين بوصفها “المحافظة الرابعة عشرة”، فبراير 2009، تقرير BBC Persian.