لماذا الحرب الأمريكية الإيرانية ؟(2)
شوكت جميل
2026 / 3 / 14 - 17:16
ما بين الموضوعي و الذاتي..و مسئولية ترامب في الحرب.
.....................................
عرض المقال الفائت عنصر الطاقة و التحكم في ممراتها و مفاتيحها كأحد العلل الرئيسية للصراع و الحرب، وأن أسبابهما الموضوعية كانت بالفعل تتجامع و تترى حتى اكتملت، مؤذنةً باندلاع الحرب، لم تكن الأغصان و الأوراق الجافة التي تتكدس في الغابة الشاسعة يوما فيوما، و عاما من بعد عام؛ إلا في انتظار شررةٍ عرضية حتى يشب الحريق الكبير، و لا يعدو أن يكون "ترامب" سوى هذه "الشررة"؛ إذْ دعت المصلحة الأمريكية، و لأسباب موضوعية لا تلين(كما أسلفنا) إلى تصعيد الصراع إلى ذروته، لذا لم يكن النزاع بينه و بين بعض الساسة الأمريكيين الكبار، في ظني، عن حقيقة الصراع أو أسبابه أو تصعيده، بقدر ما كان نزاعا على توقيته و طريقته..
و لا يغيّر من الأمر شيئا أن يتباله أولاء الساسة عن كنهة الحرب و أسبابها! أو أن يرموه بالحماقة التي تشعل حربا بلا أسباب..و حقيقة الأمر، أن الحماقة في نظرهم ليست في إشعال الحرب بل في إشعالها دونما توطئة أخلاقية و ضماناتٍ كافية و تنسيقات مع الحلفاء، كما في سيرة حرب "تحرير االكويت"؛ فبعد أن استدرجوا خصمهم إلى الفعل المنكر، نجحوا ليس في خلق استقطاب عالمي ضده و حسب ، بل و في استعداء جيرانه و استعمالهم في حربهم عليه أيضا.. بيد أن ترامب لم يكن في وسعه أن يسلك سيرتهم أو أن يتبع سنتهم ، بل كان متلهفاً على الحرب تلهف الرضيع على ثدي أمه؛ إذ لم يكن قريرا صنوهم؛ فيتمهل و يتروى ليكسوا العظام العارية الناتئة لحما، و الوجه الأشمط مساحيق الرياء، لأسباب تتصل بنرجسيته و أزمته ، و ترد إلى " شخصه و ذاته"، قبل أي شيءٍ آخر:
ترامب، كما هو مشهور، مرتهن للميول الاستعراضية و نرجسيته التي ملكت عليه كل جوارحه حد التطرف، ثم هو مهووس بالعظمة حد التعبد، و لطالما تضور إعولا كالطفل على جائزة نوبل للسلام! و حقيقة الأمر، أن ترامب يتلمظ كالقط العجوز و يشتهي شهوة لا حد لها لأن يكتب اسمه في التاريخ، ثم هو يفطن إلى أن عامل السن لم يعد حليفه، لذا لا يحفل بعدها أكتب اسمه بحروفٍ من نورٍ أم بالسخام الأسود...:
يريد ترامب أن يُسجل في التاريخ كالرئيس الذي أنهى خطر إيران النووي، و قضى على "البعبع" بشكل جذري وعسكري، بعدما فشلت الحلول الدبلوماسية (مثل الاتفاق النووي الذي انسحب منه!). يسعى ترامب إلى حل و حسم ملفات معضلات عجز الرؤساء السابقون عنها ، لترسيخ إرثه السياسي كأقوى رئيس أمريكي، أو كأقوى رجل في العالم، و من ناحية أخرى، لا يمانع أن ينعت برئيس أكبر عصابة في العالم؛ لا يهم لديه لون القطة المهم أن تصطاد التاريخ!
دعا ترامب صراحة الشعب الإيراني للاستيلاء على حكومته، مما يشير إلى رغبته في تحقيق "نصر استراتيجي" بإسقاط نظام معادي لأمريكا منذ عام 1979، وهو ما يعتبره "إنجازاً رئاسياً مطلقاً".
و حيث أن قاعدته الانتخابية باتت تميل للتقلص، عمد إلى إظهار القوة و اكتساب تهليل الدهماء و أتباعه الشوفينيين و اليمينيين، وأنه الوحيد الذي يملك ردا على ما وصفه بـ (47 عاماً من العدوان الإيراني)، و بسيرته تلك يغذي الصورة التي يسوقها عن نفسه بأنه لا يتهاون مع الاعتداءات، كسجية خصومه الديمقراطيين الخائرة.
وما من شكٍ أن الضغط الإسرائيلي بقيادة نتنياهو و ممولين الحزب الجمهوري في اتجاه الحرب كان مؤثرا، غير أن ترامب لم يكن ليذعن له إلا لأنه يغذي مشروع عظمته و نرجسيته، كما يضمن له دعماً مالياً و سياسياً قوياً.
تتزامن انطلاق عملية "الغرب الملحمي" مع ضغوط هائلة واجهها ترامب بسبب ملفات جيفري إبستين؛ حيث قامت وزارة العدل في مارس 2026 بنشر مذكرات مقابلات لمكتب التحقيقات الفيدرالي، تتضمن اتهامات مباشرة لترامب بإساءة معاملة قاصرات في الثمانينيات.
و يلوح الأمر كما لو أن ترامب استخدم "قنابل الحرب الحقيقية" كقنابل من "دخان " لتشويش و تعمية اهتمام الإعلام والرأي العام عن الفضيحة الأخلاقية والقانونية التي كانت تهدد استقرار رئاسته.
و أذ يغوض ترامب غمار الحرب، يعزز صورته قائدا في وقت الشدة، فيبات أمر محاسبته و حتى انتقاده على قضايا شخصية كأنه تقويض للأمن القومي، أو شييء قريب من ذلك، في نظر مؤيديه...فيغدو الحديث عنها من توافه الأمور مقارنة بما ينجزه الأمبراطور العظيم ترامب.
و آخيرا: معظم عظماء التاريخ مجرمون!