هل نشهد نهاية الهيمنة الأمريكية؟


ناجح شاهين
2026 / 3 / 11 - 15:57     

هل نشهد نهاية الهيمنة الأمريكية؟!
ليس سراً أن الهاجس الأمريكي المعلن منذ بداية الألفية الثالثة هو الرعب من صعود الصين. وليس سراً أيضاً أن التهديد الصريخ للهيمنة الأمريكية في منطقة غرب آسيا منذ مواجهة تموز 2006 هو إيران ومن يدور في فلكها. لقد أصاب حزب الله أمريكا والغرب كله بالذعر عندما فاجأ حاملة الطائرات الأمريكية المسماة اسرائيل بتقنيات متطورة في ميدان المعركة جعلت اليد الإسرائيبلية الطويلة تقصر تماماً عن القيام بالمهمة المكلفة بها من قبل كونداليزا رايس ليعلن إيهود أولمرت، رئيس الوزراء في ذلك الوقت، أن نزع سلاح حزب الله محال، وأن من يظن ذلك ممكناً يجب أن "يشمر عن ذراعيه" ويرينا كيفية فعل ذلك.
رد الجهاز العصبي المركزي للامبريالية الأمريكية بقوته القصوى، فانطلق جهاز "الثنك تانك" في الجامعات الكبرى للبحث في كيفية محاصرة إيران وإسقاطها بغرض مواجهة الصين التي كانت تواصل صعودها المقلق بهدوء وثبات.
في هذا السياق اتفقت معظم الأبحاث في هارفارد وبرنستون وكولومبيا وغيرها، على أن نقطة الضعف هي سوريا التي يمكن الإطاحة بها ثم تدمير المقاومة اللبنانية بما يسمح بعد ذلك بالاستفراد بإيران وإخضاعها أو إسقاط النظام الحاكم فيها.
بعد تحييد روسيا بفضل تورط بوتين في حرب أوكرانيا التي أجهزت على ما تبقى من هيبة للإرث السوفييتي، تجرأت تركيا واسرائيل ومن ورائهما الولايات المتحدة على شن هجوم مفاجئ على دمشق أدى إلى إسقاط الدولة العربية الأخيرة المقاومة للهيمنة الأمريكية. وهكذا تحققت الخطة الاستراتيجية الأمريكية، وأصبحت إيران وحيدة تقريباً في مواجهة القوة العسكرية الأمريكية الهائلة ومعها حاملة طائراتها الثابتة المدججة بأنواع الأسلحة الفتاكة التي لا يحوزها أحد باستنثاء الجيش الأمريكي نفسه.
تحرشت واشنطون بطهران، ووظفت الوكالة الدولية للطاقة النووية بما قدم ذريعة لها ولإسرائيل لشن العدوان الذي عرف باسم حرب الأيام الاثني عشر. لكن تلك الحرب لم تنجح في تحقيق الأهداف الأمريكية، ويمكن التفكير في أنها مثلت وسيلة لاستشكاف نقاط الضعف الإيرانية عملاً بفكرة "الاستطاع عن طريق الحرب". ولذلك لم تمض أشهر قليلة حتى عادت الدولتان تحت ستار المفاوضات إلى شن هجوم "مفاجئ" ذهب ضحيته المرشد علي خامينائي ونخبة من القيادات السياسية والعسكرية.
ماذا كانت النتيجة المرجوة من تلك العملية "الناجحة" بكل المقاييس؟ انهيار النظام ودخوله حالة من الفوضى، وربما خروج الناس إلى الشوارع لإسقاطه. لكن ذلك لم يحدث أبداً. ربما بدا الإرباك والانفعال على الرد الإيراني السريع المتضمن قصف واسع على الخليج وقواعده الأمريكية، لكن إيران لم تظهر أية علامات تفكك. بالطبع كان رجل المخابرات في واشنطون وتل ابيب ينتظر الأنباء المفرحة في الأيام الثلاثة التالية. لكن إيران واصلت تماسكها، وخرج الناس إلى الشوارع غضباً لاغتيال قائدهم، وإسناداً لدولتهم التي شهدت فراغاً سياسياً على الورق دون أن يلحظ أحد أن ذلك الفراغ النظري يؤثر فعلاً في قدرة ايران على التحرك العسكري أو الدبلوماسي أو الإداري. بعد أسبوع من بدء العدوان اتضح أن الحلم الاسرائيلي الأمريكي يتبخر خصوصاً بعد انتخاب مرشد جديد دون أية صعوبات أو اعتراضات.
نحن لن نعرف مسبقاً ما الذي سيحدث في الأيام المقبلة، ولكن بالإمكان بشيء من التحفظ التنبؤ بسقوط أنظمة الخليج في حال خروج إيران سالمة من هذه المواجهة. يمكن أيضاً التنبؤ بانحسار مشروع اسرائيل الكبرى وانكماشها، ويمكن أخيراً توقع أن يتحرك عسكر ما في سوريا لإسقاط حكم الدمية "الجهادية" أبومحمد الجولاني وعصابته التابعة لتركيا واسرائيل.
نميل إلى ترجيح أن المواجهة الراهنة تشكل جولة استراتيجية في الصراع بين الصين وأمريكا، وأن بكين تقف بالفعل مع إيران بثبات وإصرار، ولا بد أن الانتصار الإيراني سيكون انتصاراً صينياً بامتياز ويؤدي إلى تحقيق أول هبوط حقيقي ملموس للهيمنة الأمريكية التي لم تتضرر جدياً من الحرب في أوكرانيا على الرغم من كشفها لضعف الدب الروسي. روسيا أصلاً لم تكن ضمن "الأخطار" الجوهرية بالنسبة للإدارات الأمريكية منذ تفكك الاتحاد السوفييتي. وبدءاً من العقد الأول في الألفية الثالثة، شكلت الصين رسمياً وواقعياً التحدي الاستراتيجي الوشيك الذي ينذر باندثار الهيمنة الأمريكية. بداهة أن ميدان المعركة الساخنة هو الذي سيحدد مستقبل المنطقة والعالم في العقود القليلة القادمة.