العراق: والثلاث مراحل
جعفر حيدر
2026 / 3 / 5 - 21:22
بقلم / جعفر حيدر
شهد العراق خلال القرن العشرين ثلاث مراحل حكم مختلفة جذريًا في طبيعتها ونتائجها وهويتها السياسية والاجتماعية، وهي فترة الحكم الملكي الذي تأسس عام 1921 واستمر حتى 1958، ثم فترة حكم عبد الكريم قاسم التي افتتحت الجمهورية الأولى بين 1958 و1963، وبعدها المرحلة البعثية التي تكرست بقيادة صدام حسين بين 1979 و2003، وكل مرحلة من هذه المراحل حملت معها تحولات كبرى انعكست على المجتمع والدولة والاقتصاد والهوية الوطنية. فالحكم الملكي كان يتسم بنوع من الاستقرار النسبي وبناء مؤسسات الدولة الحديثة لكنه كان مرتبطًا بنفوذ بريطاني واضح، بينما جاءت مرحلة عبد الكريم قاسم كموجة ثورية حاولت إعادة تشكيل المجتمع جذريًا لكنها اصطدمت بتناقضات حادة بين القوى السياسية، في حين تحولت مرحلة صدام حسين إلى حكم مركزي شمولي شديد الانضباط والقسوة، اعتمد على القوة والهيمنة وبنى دولة قوية من جهة، لكنه زجّ العراق في حروب وصراعات أنهكت المجتمع والدولة من جهة أخرى.
كان الحكم الملكي يقوم على نظام دستوري نيابي يقوم شكليًا على الانتخابات والبرلمان، لكنه في الواقع كان مرتبطًا بالتوازنات البريطانية التي رسمت الإطار العام للدولة العراقية بعد الحرب العالمية الأولى. فرغم أنه شهد تأسيس الوزارات والقوانين والمدارس والجامعات وتشكيل الجيش الوطني وتنظيم الجهاز الإداري، إلا أن النفوذ البريطاني كان يحدد مسار السياسة العامة، مما جعل السيادة الوطنية موضع جدل دائم وأحد أهم أسباب المعارضة الشعبية. ومع ذلك كانت تلك المرحلة تميل إلى الاعتدال والتدرج في التغيير، وامتازت بوجود حياة سياسية حزبية، وصحافة نشطة، وتعدد في الآراء، وفسحة من الحرية النسبية بالمقارنة مع المراحل اللاحقة. ومن الناحية الاجتماعية، كان المجتمع العراقي يعيش في حالة طبقية واضحة، إذ تركزت الثروة لدى الإقطاعيين وكبار التجار، بينما عانى الفلاحون والطبقات الفقيرة من الفقر والأمية وسوء الخدمات، خاصة في الأرياف الجنوبية. ولم تكن الدولة قادرة على معالجة هذه الفجوة بسبب ضعف مواردها قبل اكتشاف النفط بكميات كبيرة، وبسبب سيطرة العائلات الكبرى على القرار السياسي.
أما عند قيام الجمهورية بقيادة عبد الكريم قاسم بعد ثورة 14 تموز، فقد دخل العراق مرحلة جديدة اتسمت بالحماس الثوري والرغبة في التغيير الجذري. إذ حاول قاسم أن يبني دولة تعتمد على العدالة الاجتماعية بدلًا من الطبقية، فأصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي وجه ضربة كبيرة للإقطاع ووزع الأراضي على الفلاحين، كما أطلق مشاريع إسكان واسعة للفقراء، ورفع مستوى التعليم، وفتح الباب أمام المرأة عبر قانون الأحوال الشخصية الذي اعتُبر ثورة اجتماعية حقيقية. ومن الناحية السياسية، حاول قاسم أن يحقق استقلالًا وطنيًا كاملًا عن النفوذ الأجنبي، مؤكدًا شعار "العراق أولًا" ورافضًا الدخول في وحدة اندماجية متسرعة مع مصر الناصرية. ولكن هذا الاستقلال ترافق مع اضطراب سياسي كبير، لأن قاسم لم يضع نظامًا مؤسسيًا واضحًا لإدارة الجمهورية، واعتمد على شخصيته أكثر من اعتماده على المؤسسات، إضافة إلى أنه حاول التوازن بين الشيوعيين والقوميين والبعثيين لكنه فشل في ضبط هذا الصراع العنيف الذي انفجر في الموصل وكركوك وبغداد. وهكذا أصبحت الجمهورية الجديدة ساحة صراعات لا تهدأ، مما أدى في النهاية إلى انقلاب شباط 1963 الذي أنهى تجربة قاسم وأعاد الجيش إلى مركز الصراع السياسي. ورغم قصر فترة حكمه، فإن أثر قاسم الاجتماعي بقي طويلًا، حيث خلق طبقة وسطى جديدة، وغيّر الكثير من شكل المجتمع العراقي، لكن العجز عن بناء نظام سياسي مستقر جعل إنجازاته غير محمية.
أما مرحلة صدام حسين ضمن النظام البعثي، فكانت مختلفة جذريًا عن المرحلتين السابقتين، إذ تحولت الدولة إلى منظومة مركزية شديدة الانضباط تقوم على سيطرة الحزب الواحد والأمن والاستخبارات، وتعتمد على الكاريزما الشخصية للقائد وعلى الولاءات، وتستخدم الترغيب والترهيب كأدوات أساسية للحكم. وقد بنى صدام في سنواته الأولى دولة قوية من حيث المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية، خصوصًا خلال الطفرة النفطية في السبعينيات التي أتاحت تطوير البنية التحتية والطرق والمدارس والمستشفيات، وسمحت بتوسيع الطبقة الوسطى ودعم التعليم بشكل واسع. لكن دخول العراق في حرب طويلة مع إيران عام 1980 أطلق مرحلة جديدة من الاستنزاف الاقتصادي والاجتماعي، حيث استمرت الحرب ثماني سنوات أنهكت كل مؤسسات الدولة وأدت إلى سقوط مئات الآلاف من القتلى، وتلتها أزمة الكويت عام 1990 التي قادت إلى حصار دولي خانق دمّر الاقتصاد تمامًا ودفعت المجتمع إلى مستويات غير مسبوقة من الفقر والانهيار الاجتماعي. ومن الناحية السياسية، تحولت الدولة إلى نظام صارم يقمع أي معارضة داخلية، ويستخدم القوة ضد خصومه سواء كانوا حزبيين أو عشائريين أو مدنيين، مما أدى إلى غياب الحياة السياسية تمامًا، وإلى بناء دولة غنية بالقوة لكنها فقيرة بالانسجام الداخلي.
وعند مقارنة هذه الفترات الثلاث، يمكن ملاحظة أن الحكم الملكي كان مرحلة تأسيسية للدولة لكنها لم تحل مشكلة العدالة الاجتماعية؛ وأن فترة عبد الكريم قاسم كانت ثورية اجتماعيًا لكنها غير مستقرة سياسيًا؛ بينما فترة صدام حسين كانت مستقرة أمنيًا لكنها قمعية ومليئة بالحروب. فالملكية كانت تمتلك تعددية سياسية لكنها تخضع لنفوذ خارجي، وقاسم امتلك سيادة وطنية قوية لكنه لم يمتلك نظامًا سياسيًا مستقرًا، وصدام امتلك دولة قوية لكنه افتقر للحرية السياسية والانفتاح والاقتصاد السليم. وعلى المستوى الاجتماعي، فإن الملكية حافظت على هياكل المجتمع التقليدي دون تغيير عميق، بينما قاسم فجّر الثورة الاجتماعية الأكبر، وصدام أعاد بناء مجتمع منضبط بالقوة لكنه هش من الداخل بسبب الحروب والحصار. وعلى صعيد الهوية الوطنية، حاولت كل مرحلة بناء تصور مختلف للعراق: الملكية ركزت على الارتباط العربي–الشرقي وعلى الشرعية الدولية، وقاسم ركز على الهوية الوطنية العراقية المستقلة، وصدام ركز على الهوية القومية العربية المرتبطة بالمشروع البعثي.
وهكذا يمكن القول إن تاريخ العراق الحديث هو سلسلة انتقالات من الاعتدال المحدود في الملكية، إلى الثورة الاجتماعية المتحمسة في عهد قاسم، إلى الدولة المركزية الشمولية في عهد صدام، وكل مرحلة منها تركت إرثًا ثقيلًا ومختلفًا، ما زالت آثاره ممتدة إلى الواقع العراقي المعاصر، سواء في طبيعة المجتمع، أو هيكل الدولة، أو العلاقة بين السلطة والشعب، أو طبيعة الهوية الوطنية التي ما زالت تتأرجح بين هذه التجارب الثلاث حتى اليوم.