الحرب على إيران!


ادم عربي
2026 / 3 / 2 - 17:25     

بقلم : د . ادم عربي
الحرب على إيران ليست خبرا عسكرياً عابراً في نشرات الأخبار، وليست اشتباك محدود يمكن فصله عن سياقه. إنها لحظة كثيفة من لحظات التاريخ، تتكثف فيها أسئلة القوة والهيمنة والمصير في عالم تحكمه القوة . من يقرأ المشهد بوصفه صراعاً حول تخصيب اليورانيوم فقط، يختزل العاصفة في شرارة. المسألة أعمق من ذلك بكثير؛ إنها مواجهة على من يملك حق تعريف الشرق الأوسط، ومن يضع حدوده السياسية، ومن يقرر سقف القوة المسموح بها داخله.
إيران لم تُحارَب لأنها ضعيفة ، أو دولة منهارة ، بل لأنها تجاوزت الدور المرسوم لها. منذ أن خرجت من العباءة الغربية بعد 1979 على أثر ثورة الخميني آن ذاك والتي كانت في حينها تخدم الغرب في إيقاظ الطائفية في المنطقة  ، حتى يصبح لكل طائفة حاكم ولكل قبيلة بني  ، لكن ايران ذات التاريخ الحضاري التي يمتد لالالف السنين قررت أن تكون لاعباً لا تابع. هنا بدأ التوتر البنيوي مع الولايات المتحدة، التي لم تعتد وجود قوة إقليمية خارج منظومتها الأمنية في الخليج. وحين بنت طهران شبكة نفوذ تمتد من العراق إلى لبنان وسوريا واليمن، لم يكن ذلك مجرد تضامن أيديولوجي، بل إعادة رسم لخرائط التأثير. أما إسرائيل، فهي لا ترى في إيران خطاباً معاديا فحسب، بل ترى طوقا استراتيجياً يتشكل حولها، شبكة ردع غير تقليدية تجعل ميزان القوة أقل قابلية للتحكم.
غير أن قراءة إيران كدولة "مذهبية" فقط تبسيط مخلّ. صحيح أنها استثمرت في الطائفية العربية، وصحيح أن دعمها لقوى بعينها عمّق الانقسام في مجتمعات هشة، لكن الطائفية لم تولد في طهران. كانت كامنة في بنية دول لم تنجح في بناء مواطنة متساوية ودول لم تستطع بناء مشروع لها . إيران قرأت هذا الضعف ، بل هذا الفراغ واستثمرت فيه، فحولت الانقسام إلى جسر نفوذ. وهنا تكمن المعضلة ؛ هي لم تخترع الشرخ، لكنها وسّعته حين خدم مصالحها. وفي المقابل، لم يكن خصومها أبرياء؛ فقد غذّوا الطائفية المضادة، فدخلت المنطقة في دائرة استقطاب متبادل، كل طرف يبرر وجوده بخطر الآخر.
لكن المشهد لا يكتمل دون النظر شرقاً. إيران اليوم ليست مجرد خصم لواشنطن، بل شريك مهم لكل من روسيا والصين. بالنسبة لروسيا، تمثل إيران عمقاً استراتيجياً جنوبها، وممرا يخفف من أثر العزلة الغربية، شريكاً في كسر الطوق الجيوسياسي. خسارة طهران تعني لموسكو اتساع المجال أمام الهيمنة الغربية في منطقة حساسة. أما الصين، فهي تنظر بعين الاقتصاد والجغرافيا؛ إيران عقدة في مشروع الحزام والطريق، ومصدر طاقة مهم، ونقطة ارتكاز في الخليج. استقرارها يخدم بكين، وسقوطها في الفوضى يربك حساباتها العالمية.
فهل تسمح موسكو وبكين بانهيار إيران؟ على الأرجح لا. لكنهما في الوقت ذاته لن تخوضا حرباً عالمية من أجلها. السياسة ليست تحالفات رومانسية، بل توازنات دقيقة. قد تدعمانها بما يكفي لتصمد، لكن ليس بالضرورة بما يكفي لتنتصر انتصارا كاسحا. فإيران القوية مفيدة لهما، لكن إيران التي تعتمد عليهما أكثر قد تكون أكثر فائدة.
يبقى السؤال الذي يتردد في أروقة التحليل وهو  ماذا لو تغيّر النظام في طهران؟ هل ينتهي الصراع؟ الظن بأن المشكلة تختزل في النظام وحده قد يكون وهما مريحاً. فالجغرافيا لا تتغير بسقوط الحكومات، ومصالح الدول لا تتبدل بتبدل الشعارات. لو جاء نظام موالٍ للغرب، فإن ميزان القوى الإقليمي سيتحول جذرياً، وستُعتبر موسكو وبكين الخاسر الأكبر. أما لو جاء نظام إصلاحي مستقل، فقد تتغير اللغة لا الطموحات. ولو انهارت الدولة نفسها، فستنشأ فوضى لا يمكن ضبط حدودها، تمتد من الخليج إلى آسيا الوسطى.
الحرب المشتعلة اليوم، إذن، ليست فقط مواجهة عسكرية، بل اختبار لإرادات متعددة. هل تستطيع إيران أن تصمد دون أن تنكسر؟ هل يكتفي الشرق بالدعم المحسوب؟ هل يغامر الغرب بتوسيع المواجهة إلى حد يهدد أسواق الطاقة العالمية؟ كل طرف يلوح بالقوة، لكن الجميع يحسب الكلفة.
في النهاية، ليست المسألة انتصار طرف وهزيمة آخر فحسب، بل سؤال عن شكل الإقليم القادم. هل يبقى الشرق الأوسط ساحة مفتوحة لإعادة التشكيل كل عقد من الزمن؟ أم يتجه نحو توازن جديد، تعددي، تتقاسم فيه القوى النفوذ بدل احتكاره؟ إيران جزء من هذا السؤال، وليست كلّه. لكن ما يجري حولها اليوم سيترك أثره العميق على خريطة المنطقة لعقود مقبلة.