خلاصة القراءة الأوّلية في النظام الداخلي للإتّحاد العام التونسي للشغل لسنة 2021 : النظام الداخلي للإتّحاد العام التونسي للشغل أداة طرّزتها البيروقراطية على مقياسها لخنق القطاعات و تهميش القواعد و تخريب المنظّمة خدمة لمصالح فئويّة و لمصالح التحالف الطبقي الحاكم


حمده درويش
2026 / 3 / 1 - 01:26     

في سياق تعميق المعارضة النقابيّة الديمقراطيّة لفهم جوانب من أسباب الأزمة الخانقة التي يشهدها راهنا الإتّحاد العام التونسي للشغل و دور النظام الداخلي للاتحاد في إعادة إنتاج البيروقراطيّة قصد المساهمة في تقديم رؤى و مقترحات لها أساس راسخ علميّا و جدّية و فعّالة لإنقاذ ما يمكن إنقائه من منظّمة الشغّيلة ، دار ، خلال أكثر من لقاء ، نقاش ثريّ بيني و بين المناضلين النقابيّين المحنّكين السيّد المنجي بن مبارك و السيّد الطيّب بوعائشة المشهود لكلّ منهما بسيرة نقابيّة تميّزت بالعطاء الغزير و تحمّل أعلى المسؤوليّات القطاعيّة و منها تمثيل كلّ منهما ، في فترة من الفترات ، لقطاعه في الهيئة الإداريّة الوطنيّة للاتحاد ، و المشهود لكلّ منهما بالاستقامة و النزاهة و التفاني في الدفاع عن مصالح الشغّيلة لعقود و إلى يوم الناس هذا ( طبعا هما و غيرهما من المناضلات و المناضلين ) ؛ و بعدئذ ، انكببت على دراسة النظام الداخلي للاتحاد ( 2007 و 2017 و 2021 ) فأثمر الجهد المبذول مقالين و أساسا ورقة بحثيّة ، نشرت منذ مدّة المقال الأوّل الذى حمل من العناوين عنوان " النظام الداخلي للاتّحاد العام التونسي للشغل يُدين البيروقراطيّة النقابيّة التي وضعته أصلا على مقياسها – من فمهم ندينهم ! " و الثاني " النظام الداخلي للاتّحاد العام التونسي للشغل لسنة 2017 يمثّل خطوة بيروقراطيّة نوعيّة في مزيد تكريس النقابة المساهمة " و نشرت حديثا الورقة البحثيّة المعنونة " النظام الداخلي للإتّحاد العام التونسي للشغل أداة طرّزتها البيروقراطية على مقياسها لخنق القطاعات و تهميش القواعد و تخريب المنظّمة خدمة لمصالح فئويّة و لمصالح التحالف الطبقي الحاكم - قراءة أوّليّة في النظام الداخلي لسنة 2021 " و أنشر اليوم خلاصة هذه الورقة البحثيّة .


خلاصة القراءة الأوّلية في النظام الداخلي للإتّحاد العام التونسي للشغل لسنة 2021 : النظام الداخلي للإتّحاد العام التونسي للشغل أداة طرّزتها البيروقراطية على مقياسها لخنق القطاعات و تهميش القواعد و تخريب المنظّمة خدمة لمصالح فئويّة و لمصالح التحالف الطبقي الحاكم

متى أراد أحدنا إقتلاع شجرة وهو يسعى إلى أن لا تنبت من جديد في المكان عينه إنطلاقا ممّا يبقيه منها في التراب ، يعمد إلى إقتلاعها من جذورها . و نحن في نضالنا ضد البيروقراطيّة النقابيّة من أجل نقابة مستقلّة و ديمقراطيّة و مناضلة تخدم مصالح العمّال و أوسع الجماهير الشعبيّة ، لا بدّ لنا من أن نلجأ إلى الأسلوب ذاته أي إقتلاع البيروقراطيّة النقابيّة من جذورها فيكون بذلك نضالنا نضالا جذريّا أو راديكاليّا . لذلك ناقشنا و تفحّصنا مليّا ما ينتج و يعيد إنتاج هذه البيروقراطيّة الخائنة للعمّال و الخادمة لمصالحها الفئويّة و مصالح التحالف الطبقي الحاكم ، و من الأشياء التي عثرنا عليها – وهي أشياء عديدة – النظام الداخلي للإتّحاد العام التونسي للشغل الذى طرّزه على مقياسهم كلمة كلمة ، جملة جملة ، فقرة فقرة ، فصلا فصلا،... البيروقراطيّون ، مجموعة بعد الأخرى ، و بواسطة تجنيد الخبراء و الأخصّائيّين ،... فكان لزاما علينا الإنكباب على دراسته دراسة نقديّة و شغلنا الشاغل في هذه الدراسة ، أوّلا و قبل كلّ شيء ، هو كشف الأسس التنظيميّة التي تمكّن البيروقراطيّين من التحكّم في المنظّمة و تخريبها و خنق القطاعات و تهميش القواعد .
و لم يسعنا إلاّ أن نتعرّض في السياق الذى رسمنا إلى نقطة محوريّة أولى بارزة في عدد كبير من فصول النظام الداخلي لسنة 2021 و حتّى النظام الداخلي لسنة 2017 و لسنة 2007 . فقد رصدنا أنّه بقدر ما يبدو من الخارج أنّ الإتّحاد يسير بشكل منظّم بقدر ما تسوده من الداخل و في الواقع الملموس فوضى عارمة بفعل التسيير الخادم للبيروقراطيّة و لمصالحها على حساب تشريك القواعد النقابيّة و رفع وعيها و خدمة مصالح الشغّالين . و بذلنا طاقتنا للتمكّن من أن نجلي لمن له عيون ليرى و آذان ليسمع و ليس أعمى بعيون بيروقراطيّة أنّ البيروقراطيّين يسيّرون المنظّمة حسب هواهم لا يأبهون حتّى لضوابط النظام الداخلي الذى طرّزوه و أعادوا تطريزه مرّات و مرّات ليتناسب و مزيد إحكام قبضتهم على الإتّحاد و هدفهم تهميش القواعد و مواصلة إحتلال مواقع النفوذ في المنظّمة ليكونوا بشكل من الأشكال فئة تخدم نفسها و في الوقت نفسه تخدم مصالح التحالف الطبقي الحاكم ، لا العمّال ، و ليحصلوا من السلطات الحاكمة على فتات مقابل تمرير سياسات دولة الإستعمار الجديد .
و بطبيعة الحال ، قادتنا هذه الفوضى الداخليّة العارمة – من النقابات الأساسيّة وصولا إلى المكتب التنفيذيّ مرورا بكافة التشكيلات و الهياكل النقابيّة - إلى التساؤل عن إمكانيّة محاسبة المتسبّبين فيها و في خيانة مصالح العمّال . و بالتعمّق في البحث في فصول النظام الداخلي تبيّن لنا أنّ البيروقراطيّة دبّجت نظاما داخليّا على مقياسها يجعل منها ، حتّى في حالات تجاوزها للضوابط و القوانين التي تحكم المنظّمة ، الخصم و الحكم في آن معا . فهي تستخدم ما ورد في النظام الداخلي الذى شكّلته على شاكلتها ضد معارضيها من النقابيّات و النقابيّين المخلصين للعمّال و مصالحهم و لا تسمح لهم بمحاسبتها مهما كان الأمر بل تجعلهم يدورون في دائرة مفرغة ذلك أنّ أعلى القيادات البيروقراطيّة أي المكتب التنفيذي – بصيغة أو أخرى – يترأّس لجنة النظام و لجنة المراقبة الماليّة و يتحكّم فيهما كما يشاء و يشتهى . و من يتصوّر أنّ صلب الإتّحاد ثمّة فصل للسلطات واهم الوهم كلّه .
و بفضل التنقيب عن كثب توصّلنا إلى عناصر أساسيّة من الإجابة على السؤال الجوهري في قراءتنا الأوّليّة هذه في النظام الداخلي للإتّحاد : ما هي الأسس التي تقوم عليها المركزيّة البيروقراطيّة المشطّة التي تخنق القطاعات و تقتل المبادرات القاعديّة ؟ حيث ظهر إلى السطح بصورة ساطعة أمران إثنان لطالما أُهيل، لا سيما على ثانيهما، الكثير و الكثير من التراب.
من النقابات الأساسيّة إلى الفروع القطاعيّة الجهويّة إلى الإتّحادات المحلّية جميعها تخضع وجوبا خضوعا خانقا و قاتلا للمبادرات إلى الإتّحادات الجهويّة في نشاطاتها كافة و مؤتمراتها و قراراتها ؛ و القطاعات و الإتّحادات الجهويّة تخضع بدورها وجوبا إلى المكتب التنفيذي و يكفى أن لا يوافق عضو من المكتب التنفيذي يحضر سلطة قرار قطاعيّة و لا يضع توقيعه على مخرجات سلطة القرار المعنيّة ، على سبيل المثال ، ليصادر قرارات آلاف المنخرطين و هياكلهم المنتخبة فيتعطّل عمل القطاع و نضالاته و مطالبه ، و قد جدّ هذا تاريخيّا و حاضرا مرارا و تكرارا و مع أكثر من قطاع و من الوارد جدّا أن يجدّ مستقبلا في ظلّ التحكّم البيروقراطي في مفاصل المنظّمة .
و حينما نقول " تخضع " نقابة أساسيّة أو فرعيّة أو قطاعيّة إلى الإتّحاد الجهوي أو المكتب التنفيذي إلخ نقصد أنّها فعلا قولا و عملا تحت تحكّم و تصرّف الإتّحاد الجهويّ او المكتب التنفيذي . فالنظام الداخلي طولا و عرضا يفرض إشراف الإتّحاد الجهوي و المكتب التنفيذي على جميع المؤتمرات بشكل أو آخر من بداياتها إلى نهاياتها و مخرجاتها و بالتالى يسيطران على نتائج هذه المؤتمرات و يتلاعبان بها ؛ و إن لزم الأمر، تلجأ البيروقراطيّة إلى التزوير و التجميد و تحوير المسؤوليّات و حتّى تنصيب النقابات كما بات شائعا و معلوما لدي غالبيّة المهتمّين بالشأن النقابي .
وفي نهاية المطاف ، تخضع الإتّحادات الجهويّة للمكتب التنفيذي الذى يخضع أعضاؤه بصورة من الصور إلى الأمين العام. و هكذا تضع البيروقراطيّة يدها على مفاصل الإتّحاد و هياكله جميعها و تستولي على سلطات القرار فيه من النقابات الأساسيّة فصاعدا و تجعلها مرتهنة بمصالح البيروقراطيّين و إلتزاماتهم مع الأعراف و النظام و السلطات الحاكمة لدولة الإستعمار الجديد و بالتوازي لا تدّخر البيروقراطيّة جهدا لتهميش القواعد تمام التهميش لتصبح ضربا من الديكور لا أكثر و لا أقلّ أو إستخدامها في ما إصطُلح عليه بأنّه " عمليّات تسخين و تبريد " تديرها البيروقراطيّة في صراعها مع السلطات للحصول على ما ترتئي أنّه مناسبا لها و لاستمرارها و إن كان على حساب الشغّالين – وهو في الغالب الأعمّ على حسابهم.
و الأهمّ و ما أهمله و قبره عمدا البيروقراطيّون و أنصارهم و تغافل عنه الكثير من النقابيّات و النقابيّين و المهتمّون بالشأن النقابي هو أنّ من أرسخ ركائز سطوة و إنتاج و إعادة إنتاج البيروقراطيّين تلاعبهم بالنيابات حيث ، طبقا للنظام الداخلي ، يحصل من يقع إنتخابهم إلى الفروع الجامعية و الجامعات و الإتّحادات الجهويّة و المكتب التنفيذي على نيابات لا يستحقّونها أصلا في حضور النقابات الأساسيّة التي إنتخبتهم عبر نياباتها . و يشرّع هذا النظام الداخلي للهياكل التي أنف ذكرها مراكمة نيابات تفوق أحيانا بعشرات المرّات نيابات النقابات الأساسيّة و للذكر لا للحصر لعضو المكتب التنفيذي الآن نيابات يقدّر البعض أنّها فاقت العشرين و بكثير و الحال أنّه لا أساس جماهيري قاعدي لها في حضور النقابات الأساسيّة مصدر النيابات جميعا . في حضور أصحاب النيابات الحقيقيّة من المفروض ديمقراطيّا أن تتبخّر النيابات الأخرى الناجمة عن هذه النيابات الحقيقيّة و الأصليّة لكن العكس هو الذى يحصل فتصبح النيابات الخياليّة أو المصطنعة لتلك الهياكل أهمّ و أكثر عددا و وزنا فتهمّش أيّما تهميش النقابات الأساسيّة و ما يُعتبر قواعد الإتّحاد التي تفقد حينئذ التحكّم في مصيرها لصالح بيروقراطيّين نياباتهم وهميّة في حضور أصحاب الشأن . الوضع عندئذ مقلوب رأسا على عقب . المركزيّة البيروقراطيّة تسلب القواعد نياباتها و بالتالى تحوّلها إلى بيادق في لعبة الشطرنج التي يلعبها البيروقراطيّون . المركزيّة البيروقراطيّة المستولية زورا و بهتانا على نيابات القواعد و الخالقة لنيابات وهميّة تقلب العلاقة بين القاعدة و القيادة رأسا على عقب و تبعات ذلك العمليّة من ناحية وخيمة على الشغّيلة و من الناحية الثانية مفيدة للفئة البيروقراطيّة و التحالف الطبقي الحاكم .
" و بالتالي ، نؤكّد شديد التأكيد على أنّ أيّ بديل للمعارضة النقابيّة الديمقراطيّة الجدّية لا يأخذ بعين النظر مركزة السلطات و مركزة النيابات و إنشاء نيابات خياليّة تتحكّم في النيابات الفعليّة و تهمّش القواعد كلّ التهميش و تصادر إرادتها و مصالحها و تطلّعاتها بما هما ( المركزتان ، و من هناك مركزة التصرّف في مال الإتّحاد و تبذيره خدمة للبيروقراطيّة و مصالحها ) من الأعمدة الأساسيّة التي يقوم عليها وجود هذه الفئة البيروقراطيّة ، و التي تؤسّس لها و تساهم في إعادة إنتاجها و توسّعها و تأبيدها و تخوّل لها السيطرة على المنظّمة و التحكّم في مفاصلها بقبضة حديديّة خانقة و إجراميّة في حقّ القطاعات و القواعد عموما ؛ و لا يقدّم بديلا ينسف نسفا و يتجاوز فعلا و عمليّا المركزتين البيروقراطيّتين إيّاهما ، ضمن و إلى جانب بدائل واقعيّة لعدّة قضايا أخرى ، لن يُفلح في تشييد صرح نضال نقابي ديمقراطي يقلّص إلى أقصى الحدود و يحاصر أو يكون حقيقة نقيضا إلى درجة ذات بال للبيروقراطيّة النقابيّة و يفسح المجال لتطوير و رفع وعي الشّغالين بمصالحهم الطبقيّة و تطوير نضالاتهم القطاعيّة و القاعديّة دفاعا عن حقوقهم و كرامتهم و تحقيقا لمكاسب ملموسة و قيّمة ماديّة و معنويّة على الجبهة النقابيّة ... "
و مثلما كتبنا في خاتمة بحثنا الموثّق جيّدا :
" و عليه من يقبل بالنظام الداخلي الذى عرضنا و نقدنا أوجها منه ( لآخرين أن ينقدوا جزءا أو كامل بقيّة الوجوه أو يضيفوا لما قمنا به أمثلة و تعليقات و ما شابه ) و يمارسه و يدافع عنه و عن مستخدميه لطعن الحركة النقابيّة بصفة مباشرة أو غير مباشرة في إستقلاليّتها و نضاليّتها و ديمقراطيّتها ، لا يمكن أن يكون سوى بيروقراطي أو مشروع بيروقراطي لزاما على أنصار النضال النقابي الديمقراطي خوض الصراع ضدّه و فضحه كما يجب و ليس التغاضي أو السكوت عنه و التعاون معه إن لم نقل التواطؤ معه .
و بالمناسبة ، لماذا يغضّ جلّ إن لم نقل كلّ ناشطات و نشطاء الجمعيّات و المنظّمات و الأحزاب النظر عن البيروقراطيّة و مركزتها التي تشبه مركزة السلطات السياسيّة للنظام في القطر و في الأقطار العربيّة ؛ و التي وجّهت و لا تزال توجّه طعنات قاتلة للنضال النقابي العمّالي و يتحالفون معها ، ( فضلا عن التمعّش من فتاتها و خدماتها ) إن لم يكونوا في أعماق أعماقهم إنتهازيّات و إنتهازيّين وأعداء للديمقراطيّة وبيروقراطيّات و بيروقراطيّين أو مشاريع بيروقراطيّات و بيروقراطيّين هم أنفسهم حتّى في منظّماتهم و جمعيّاتهم و أحزابهم ؟ "

حمده درويش عضو هيئة إعتصام البطحاء جانفي / فيفري 2025 (+) ناشط بالمعارضة النقابيّة الديمقراطيّة