الصراع الأمريكي–الإيراني: حين تتصارع الهيمنة والكهنوت على أرضٍ منهكة
محمد نجيب وهيبي
2026 / 2 / 28 - 02:03
إن القراءة النقدية لهذا الصراع المتدحرج في إقليمنا لا تستقيم إلا إذا امتلكنا شجاعة التحرر من سطوة السرديات الإعلامية السطحية والارتقاء إلى مستوى التفكيك البنيوي لما أسميه الاشتباك الوظيفي. نحن لسنا أمام صراع وجودي بين محور خير ومحور شر بل أمام رقصة استراتيجية مدروسة حيث تلتقي الإمبريالية العولمية في رغبتها بالهيمنة بالرجعية الثيوقراطية في جوعها للاستبداد في لعبة تقاسم أدوار تفتك بأسس الدولة الوطنية.
تفكيك الاشتباك الوظيفي: الهيمنة كصناعة دائمة للأزمة
ما نراه ليس إلا مسرحية كبرى طرفاها يحتاجان لبعضهما البعض. واشنطن لا ترغب في إسقاط النظام الإيراني بقدر ما ترغب في تطويعه وإبقائه "غولا" يبرر وجود الأساطيل ويحرك سوق السلاح ويُبقي الحلفاء في حالة رعب دائم وفي المقابل لا يجد "كهنوت"طهران شرعية لبقائه في السلطة إلا عبر تأجيج الصراع مع الشيطان الأكبر وهو صراع يغذي به تمدده الميليشياوي الذي مزق نسيج الأوطان.
هذا الاشتباك الوظيفي هو بالضبط ما يغذي أوهام النخب التي لا تزال عالقة في رومانسية خشبية معتقدة أن معاداة واشنطن تمنح صك براءة لنظام ثيوقراطي يمارس أبشع أنواع القمع ليس فقط ضد شعبه بل ضد كل تطلعات الحرية في جواره الجغرافي.
سقوط أسطورة المقاومة: الرجعية في ثوب التحرر
المقاومة التي يرفع لواءها نظام الولي الفقيه ليست مشروعاً تحررياً بل هي إمبريالية ميليشياوية عابرة للحدود إنها رجعية سياسية بامتياز تستخدم العداء لدولة الكيان كغطاء شرعي لابتلاع قرار الأوطان وتفتيت الهوية الوطنية وترسيخ الولاء المذهبي فوق الولاء للمواطنة.
لقد نجح هذا النظام في تحويل القضية إلى أداة تفاوض وباتت ساحاتنا العربية مجرد مسارح صراع بالوكالة هذا هو جوهر التنكر للقيم التي نؤمن بها فكيف يُمكن لليسار أو للقوى الحداثية أن تتقاطع مع منظومة ترى في الدولة الوطنية عدواً يحد من تمدد طموحاتها الكهنوتية.
دولة الكيان والسمفونية المشتركة
الحديث عن غياب المشروع الوطني لا يكتمل دون الالتفات إلى دور دولة الكيان في هذا المشهد إنها المستفيد الأكبر من هذا التوازن القلق. دولة الكيان لا تحتاج إلى نظام ديمقراطي مستقر في جوارها بل تحتاج إلى أنظمة مهترئة ومجتمعات ممزقة وصراعات لا نهائية حول الهوية والمذهب لأن هذه الفوضى هي الحاضنة الوحيدة لبقائها كقوة متفوقة في محيط لا يملك قرار نفسه. إن الصراع الأمريكي–الإيراني يصب في نهاية المطاف في مصلحة دولة الكيان فالضغط الاقتصادي الأمريكي يضعف الدولة الوطنية والتمدد الإيراني يُنهكها من الداخل والنتيجة هي تآكل المساحات الرمادية التي يمكن أن تنهض منها السيادة المدنية.
أزمة النخبة: لماذا نفشل في بناء البديل
المشكلة الحقيقية ليست في صواريخ واشنطن ولا في طائرات طهران المسيرة بل في أزمة العقل الديمقراطي الوطني "العربي "الذي لا يزال عاجزاً عن التفكير خارج ثنائية التبعية إن الفشل الذريع للنخب خاصة تلك التي تدعي الانتساب لليسار أو الحداثة هو في انحيازها للعدمية السياسية. لقد غطوا على فاشية الميليشيات لأنها تعادي الإمبريالية ونسوا أن الاستبداد لا يتجزأ وأن التبعية لمحور المقاومة هي في جوهرها تبعية لنموذج رجعي لا يقل خطورة عن التبعية للغرب.
الخروج من هذا النفق لا يكون عبر الاصطفاف الأعمى بل عبر بناء كتلة تاريخية وطنية ترفض الهيمنة المزدوجة وترفض في الوقت نفسه بقاءنا ساحة مفتوحة لغزوات دولة الكيان. الدولة الوطنية المركزية هي الحصن الأخير والمواطنة هي السلاح الوحيد ضد التفتيت المذهبي والاستقلال في القرار هو برنامج عمل يبدأ بالاعتراف بأننا نعيش في إقليم منهك يحتاج إلى يقظة العقل قبل تضخم الأيديولوجيا. ما لم نتحول من وقود في معارك الآخرين إلى فاعل يمتلك أجندته الخاصة القائمة على العدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية العلمانية سنظل ندور في الحلقة المفرغة ذاتها. المعركة اليوم ليست بين محاور بل هي معركة وجود بين قوى الدولة والمدنية وبين قوى الفوضى والكهنوت وأي موقع غير هذا الموقع هو سقوط في غياهب التاريخ.