الذكرى الرابعة والستون لاستشهاد الرفيق عبد الفتاح تولستان
جهاد حمدان
2026 / 2 / 26 - 02:58
من مذكرات شيوعي أردني
في شباط 1972 زارمنظمتنا الحزبية الطلابية في الوحدات رفيق شرح لنا التطورات السياسية. وكانت العادة أنْ يبدأ المتحدث بتحليل الوضع السياسي على المستوى الدولي فيؤكد على حسم المعركة لصالح المنظومة الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفياتي. ومما قاله الرفيق "لقد فقدت الرأسمالية المبادرة التاريخية ولم تعد الإمبريالية قادرة أنْ تعود بالتاريخ إلى الوراء". وبعد ذلك انتقل إلى الوضع العربي ثم إلى الوضع المحلي. وهنا تحدث الرفيق عن تعافي الحركة الوطنية في الأردن بعد الضربة التي تلقتها في أيلول قبل عامين. وعرّج على بعض النضالات النقابية والجماهيرية لحزبنا. وأكّد على أهمية قيام جبهة وطنية عريضة تضم جميع القوى التي لها مصلحة في الدفاع عن استقلال الأردن والعمل على إلغاء الأحكام العرفية وإشاعة الحريات العامة والديمقراطية والنضال من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية قادرة على حشد الجهود الوطنية في إطار التضامن العربي والتأييد الدولي لإجبار إسرائيل على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة في عدوان 1967 ومنها الضفة الغربية التي كانت آنذاك جزءا من الأردن. وبدأ الرفيق في استنهاض هممنا مشيدا بتضحيات الرفاق الذين تحملوا جميع صنوف التعذيب والاضطهاد علاوة على السنين الطويلة من السجن والاعتقال دفاعا عن استقلال بلادنا ولتظل راية حزبنا عالية خفاقة، ومن ذلك نضالات رفاقنا في الضفة الغربية ومنهم الرفيق نعيم الأشهب.
وقال: أيها الرفاق! في هذا الشهر نحتفي بالذكرى العاشرة لاستشهاد رفيقنا البطل عبد الفتاح تولستان الأردني الأصيل الذي قضى في أقبية التعذيب مساء الرابع والعشرين من شباط 1962 بإشراف الخبير الألماني النازي (أمريكي الجنسية) الذي استقدِم في إطار العمل بقانون مكافحة الشيوعية. وعرفنا يومها انّ عبد الفتاح الشركسي الوطني الأممي الجميل كان أول معتقل سياسي يفقد حياته تحت التعذيب في الأردن. وعرفت فيما بعد أنّ أهله نجحوا في الذكرى الأولى لاستشهاده في نشر خبر حول مأثرته الخالدة.
حدث كل ذلك في يوم واحد. كما يفعل كل يوم، غادر المعلم عبد الفتاح تولستان بيته وعائلته إلى عمله في مدرسة الأمير محمد التي تقع في وادي سرور ليس بعيدا عن نهاية الدرج الطويل الذي يصل جبل الأشرفية بوسط البلد (عمان) وجسر الحمّام. علّم الحصص الثلاث الأولى وذهب لقضاء الاستراحة مع زملائه في غرفة المعلمين. كان يوما ماطرا. ربما تحدثوا عن فصل ربيع تنشر فيه الزهور عبقها على جنبات الطرقات، وعن موسم حصاد خصيب يكافيء عرق الفلاحين وسهرهم. ولكنّ جرس انتهاء الاستراحة باغتهم. وما هي إلا دقائق وكان عبد الفتاح مع تلاميذه باسما متفائلا يقدّم لهم العلم والمعرفة. جاؤوه وظهره إلى طلبته. كان يكتب على اللوح. انتبه إلى تلك الجلَبة، قيّدوه أمام تلاميذه. لم يعطوه فرصة ليودعهم بكلمة، ليُهدّئ من روعهم، ليلوّح لهم بيده. كانت الساعة تشير إلى العاشرة. ساقوه عنوة من المدرسة إلى دائرة المخابرات العامة. دقائق معدودات وكانوا هناك، فشوارع عمّان لم تكن مزدحمة لا بالمارة ولا بالسيارات. لكنها كانت نقلة فظيعة، فمن الأقلام إلى السياط والصدمات الكهربائية. لم يبح عبد الفتاح إلا بما تحويه بطاقته الشخصية من معلومات. دخل في العاشرة صباحا على قدميه وفي العاشرة مساء كان قد رحل. تحوّل إلى شهيد شيوعي يلهم صموده رفاقه الذين عرفوه أو عاصروه أو الذين التحقوا بالحزب بعد رحيله. وقد تكون قصته ألهمت شبابا وشابات أردنيين متحمسين فانضموا إلى الحزب للدفاع عن حرية وطنهم واستقلاله. هذا كلّه رواه لنا رفيقنا وشعرنا بالزهو والفخار أنّنا من الحزب الذي أسهمت تضحية عبد الفتاح بروحه في سبيله، وقبله صمود مئات من الرفاق في سجن الجفر الصحراوي لمدة ثماني سنوات بعد الانقلاب على حكومة سليمان النابلسي المنتخبة عام 1957، في بقائه قائدا طليعيا ننضوي تحت لوائه.