تعقيب على تعقيب


كامل النجار
الحوار المتمدن - العدد: 8629 - 2026 / 2 / 25 - 13:24
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

تكرّم الأستاذ بارباروسا آكيم بكتابة مقال جميل مدعوم بالمراجع تعقيباً على مقالي "الأديان والعقل" https://www.ahewar.org/m.asp?i=1204بتاريخ 22/2/2026 بموقع الحوار المتمدن
جاء في مقالي أن يسوع لم يأت بأي تشريع لأنه أتى لهداية خراف إسرائيل الضالة، ولكن مع ذلك لم يحرّم العبودية ولم يكن نصيراً للمرأة. (34لِتَصْمُتْ نِسَاؤُكُمْ فِي الْكَنَائِسِ، لأَنَّهُ لَيْسَ مَأْذُونًا لَهُنَّ أَنْ يَتَكَلَّمْنَ، بَلْ يَخْضَعْنَ كَمَا يَقُولُ النَّامُوسُ أَيْضًا. 35وَلكِنْ إِنْ كُنَّ يُرِدْنَ أَنْ يَتَعَلَّمْنَ شَيْئًا، فَلْيَسْأَلْنَ رِجَالَهُنَّ فِي الْبَيْتِ، لأَنَّهُ قَبِيحٌ بِالنِّسَاءِ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي كَنِيسَةٍ.) (رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 14).
يقول الأستاذ بارباروسا آكيم "تجدر الإشارة إلى أنَّ المتن النصيَّ قيد البحث يُنسبُ في أصله إلى الرسول بولس لا إلى يسوع وهو نصٌّ سياقي يرتبطُ بنيوياً بواقعة تاريخية مفصلية أحدثت هزَّة في البناء السياسي والاجتماعي للإمبراطورية الرومانية !
وتحديداً في عام 186 قبل الميلاد"
يسوع نفسه لم يكتب أي نص في حياته، وكل ما وصل إلينا هو ما تذكره تلاميذه بعد حوالي 50 إلى 80 عاماً بعد صلبه. كل تلميذ كتب ما تذكره من تعاليم المسيح. الرسول بولس لم يكن من التلاميذ الذين عاصروا يسوع لكنه زعم أن المسيح ظهر له في رؤية مباشرة ليلاً في طريق دمشق و أوحى إليه بتعاليم المسيحية.. وما دام النص مذكوراً في الإنجيل فلا بد أن المجمع الكنسي اعتبره نصاً من صميم رسالة يسوع. ولا أتفق مع الكاتب أن النص مرتبط بنيوياً بالواقعة التي حدثت في روما عام 186 قبل الميلاد لأن بولس كتب رسالته إلى أهل كورنيثوس بعد أكثر من 230 سنة بعد الحادث، أي ما يعادل سبعة أجيال، و لا أظن أن الذاكرة المجتمعية لأهل كورنيثوس قد دامت كل هذه المدة الزمنية. ثم أن بولس ولد في طرسوس في تركيا الحالية وعاش في القدس معظم حياته، فلا اعتقد ان كورنيثوس كانت جزءاً مهماً من حياته إلا في سنواته الأخيرة عندما زارها مع بقية المدن اليونانية.
يقول الأستاذ بارباروسا آكيم "يروي المؤرخ تيتوس ليڤيوس في كتابه تاريخ روما حادثة عجيبة الشأن غريبة الأطوار كانت شرارتها سببا في تضييق الخناق على الديانات السرية وتقييد شعائرها وتعقب تجمعاتها ولا سيما ما كان منها مشوبا بعنصر نسائي في مسعى معلن إلى كبح ما عُدَّ رجعية دينية، ومقاومة ما استتر من طقوسها وراء ستار الخفاء والكتمان".
ما استتر وراء ستار الخفاء والكتمان هو ممارسات ديانة إله الشمس "ميثرا" وهي ديانة بدأت في بلاد فارس في القرن الخامس قبل الميلاد وانتشرت في اليونان والإمبراطورية الرومانية بفضل الجنود اليونانيين والرومان الذين حاربوا في الشرق الأوسط وتشبعوا بتعاليم ميثرا. وعندما رجع الجنود الرومان واليونانيون أخذوا معهم تعاليم ميثرا التي كانت تعتمد الضوء، والعدالة، والضداقة كقواعد لها. وكانت كل طقوسها تُجرى في سرية كاملة. وأهم طقس كان ذبح العجول في معابد ىسرية وشرب دم العجل وفي بعض الحالات التضحية برجل وشرب دمه، حسب توجيهات العرافة التي كانت تتسلم الوحي من الإله ميثرا. الإمبراطور ثيودوسيس جعلها الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية. وقد عثر علماء الحفريات على مواقع 680 معبداً لهذه الديانة في روما.
يقول السيد بارباروسا "ولكن باكولا مينيا، وهي امرأة من كامبانيا، عندما تولت منصب الكاهنة، أجرت تغييرات في كل شيء، بزعم أنها فعلت ذلك بتوجيه من الآلهة. فقد أدخلت أولًا الرجال، ومن بينهم أبناؤها: مينوسيوس وهرينيوس، وكلاهما يُلقب بـ “سيرينيوس”. غيّرت توقيت الاحتفال من النهار إلى الليل؛ وبدلًا من ثلاثة أيام في السنة، عيّنت خمس أيام للانخراط في كل شهر.
وعندما أصبحت الطقوس عامة وشارك الرجال مع النساء، شجّع الليل على الفجور ولم يكن هناك شيء شرير أو فاحش لم يُمارَس بينهم. كان الرجال يتلوثون فيما بينهم أكثر من النساء، وإذا أبدى أحدهم مقاومة شديدة أو رفض المشاركة في الانحراف، كان يُعتبر ضحية ويُقدّم كذبيحة. وكان المبدأ الأسمى في دينهم: ألا يُعتبر أي شيء غير قانوني.
وكان الرجال، كأنهم فقدوا عقلهم، يتنبأون مع تقلب أجسادهم بشكل هستيري؛ أما النساء، فكنّ في زي الباخانس، مع شعرٍ منفلت، يحملن مشاعل مضيئة، وركضن إلى نهر التيبر، حيث غمسن المشاعل في الماء وأخرجنها مع بقاء النار مشتعلة، كونها مصنوعة من الكبريت والفحم المحلي. وكنّ يعتقدن أن الرجال يُحملون من قبل الآلهة عندما يُقيدون ويُسحبون إلى الكهوف السرية. وكانت هذه الطقوس تطال أولئك الذين رفضوا أداء القسم مع الجماعة، أو المشاركة في جرائمهم، أو الخضوع للتدنيس" انتهى
في كل ممارسات سرية يحدث ما يعتقده عامة الناس شذوذاً عن قواعد الأخلاق العامة. وهذا ما شاهدناه في الآونة الأخيرة عما كان يحدث في جزيرة ابستين السرية حيث كانوا يستغلون الأطفال في طقوس جنسية وفي بعض الأحيان يقتلونهم وربما يشربون دمهم، حسب التسريبات الأخيرة من وزارة العدل الأمريكية. ولكن هذا ليس دافعاً لأن نعاقب النساء فقط ونمنعهن من الكلام عما حدث لهن. فلأن السيدة باكولا مينيا العرافة ربما كانت تجبر النساء والرجال للقيام بممارسات سرية لا يستطيعون القيام بها في وضح النهار في المجتمع، مثل التضحية بالأطفال وشرب دمائهم أو ممارسات جنسية سرية، لا تعطي هذه الأفعال الرسول بولس الحق في أن يككم أفواه النساء ويطلب منهن عدم الكلام في الكنيسة بينما يسمح للرجال الذين يمارسون معهن نفس الطقوس بالكلام.
يقول السيد بارباروسا "بل كانت هذه الحادثة بالذات احد الأسباب التي أدت الى متابعة الديانة المسيحية في بداية نشأتها. أولا : لكونها ديانة شرقية من المنطقة السورية - حيث يأتي كل شيء شرير - من وجهة نظر روما.
على سبيل المثال : كان الرومان ينظرون الى المسيحيين الأوائل على إنهم يأكلون جسد إلههم ويشربون دمه _ الخمر _ ( سر الأفخارستيا )
و بالتالي فهم لا يختلفون عن عبدة باخوس *
وهذا لوحده بحاجة الى مقالة منفصلة." انتهى
ليس هناك من شك أن كل جديد في أي مجتمع من البشر يجد مقاومة في البداية، فالرومان الذين قاوموا المسيحية أولاً كانوا يعبدون عدة آلهة تجلس على قمم الجبال ويحتسون الخمر ويمارسون الجنس مع النساء الإلهات ويرقصون ويعربدون. يذكرني هذا بقصيدة طويلة قال الشاعر السوداني صلاح أحمد إبراهيم:
يا ماريا
ليتني في قمة الأولمب جالس
وحوالي العرائس
احتسي من خمر باخوس النقية
ليت لي إزميل فدياسَ
وروحاً عبقرية
لنحتُ الفتنة الهوجاء في نفس مقاييسك تمثالاً مكبّر
وجعلت الشعر كالشلالِ
بعضاً يلزم الكتفَ
وبعضاً يتبعثر
فإذا كان آلهتهم يعربدون ويشربون الخمر، لماذا الاحتجاج على عبدة باخوس؟
يستمر السيد بارباروسا فيقول:
" لاحظ الى أَن ماركوس تليوس سْيسرو يشير الى الحادثة نفسها التي ذكرها تيتوس ليڤيوسعلما ان القديس اوغسطين أورد ذات الحادثة للإشارة الى تدنيس النساء في العبادات السرية التي كانت تقودها باكولا مينيا و التي أدت بمجلس الشيوخ الى منع هذه التجمعات و العبادات النسائية." انتهى
وهذه هي المشكلة الرئيسية في أن الكنيسة المسيحية بكل أفرعها تحاملت على النساء كما فعل بولس الرسول وأمرهن أن يصمتن في الكنيسة. وزاد الطين بلة أن القديس أوغسطين الذي ولد في الجزائر الحالية جعل من نفسه المفسر لرسائل الرسول بولس وجعل تعريف الرذيلة حجر الأساس لفلسفته. وبالطبع وقع كل العبئ على النساء، فجعلهن منبع الرذيلة . ونتج عن ذلك فرض شروط مجحفة بحق المرأة ومنعها من أن تصيح قسيسة أو قائدة في الكنيسة. بل جعل جميع بني البشر غير قادرين على التمييز بين الخير والشر إلا بمساعدة النعمة من الإله .
يقول السيد بارباروسا "ثم إن أجيزيلاوس، حين كان يستعد للانطلاق في حملةٍ من المكان نفسه الذي انطلق منه أجاممنون، وضد الأعداء أنفسهم، طُلِبَت منه ابنته قربانًا للإلهة، وقد رأى هذه الرؤيا وهو نائم في أوليس؛ لكنه رقَّ لها فلم يُقدِّمها، فآلت حملته إلى نهايةٍ غير موفّقة ومجرّدة من المجد" انتهى
هذه الحادثة في حد ذاتها يجب أن تبين للناس أن الأديان صناعة بشرية. فقد طلبت الآلهة من أجممانون التضحية بابنته لأنه كان قد اصطاد غزالاً من غزلان الآلهة، ولكنه توسل للآلهة أن تسامح ابنته واعتذر عن فعلته، فسامحته الآلهة. ولكن أجيزيلاوس عندما كان في بداية حملته قائداً اسطوله لنفس الأعداء الذين قصدهم أجممانون، رفضت الآلهة أن تسامحه وأصرت على تضحية ابنته، ولما رفض، باءت حملته بالفشل.
أرجو أن أكون قد وضحت الهدف من كتاباتي وهو أن الأديان صناعة بشرية كان الإنسان البدائي يحتاجها في بداية مشواره على الأرض عندما كان حجم دماغة لا يتعدى 850 جراماً وأعيته الظواهر الطبيعية التي كانت تخيفه وتجلب له الضرر. أين ذهبت آلهة بابل وزرادشت وميردوخ وأين ذهب زيوس كبير آلهة الرومان، وأين ذهب آمون وبقية الآلهة التي آمن بها الإنسان البدائي واعتمد عليها لحمايته. الآن وقد نما عقل الإنسان وتمكن من حل إشكالات جميع الظواهر الطبيعية، بل تخطى ذلك إلى الذكاء الاصطناعي وأصبح بإمكانه خلق دميه تتكلم وتفكر وتقوم بالأعمال أفضل مما يقوم به الإنسان، وجب علينا رمي جميع الأديان في قاع المحيطات والاعتماد على ذكائنا.