وهم القطيعة مع الواقع


حميد كوره جي
2026 / 2 / 24 - 16:21     

قصة "الرأسمالية الدولتية" والبحث عن الاشتراكية المفقودة

لطالما سعت اليوتوبيا الشيوعية إلى صياغة عالم "بلا طبقات وبلا مال"، انطلاقاً من فرضية أن هذه الأدوات هي مجرد إفرازات للنظام الرأسمالي الاستغلالي. لكن التجربة السوفيتية، منذ لحظة انطلاقها عام 1917، كشفت عن فجوة هائلة بين "النص الماركسي الأرثوذكسي" وبين "الواقع السوسيولوجي". فلم يكن الاتحاد السوفيتي مجتمعاً اشتراكياً بالمعنى العلمي، بل كان مختبراً قسرياً لما يمكن تسميته بـ "الرأسمالية الدولتية"، حيث حاولت الدولة أن تلعب دور "البرجوازية الغائبة" لإنجاز ثورة صناعية لم تكتمل.

في عمق التحليل الاجتماعي، نجد أن العقبة الأولى أمام إلغاء المال والطبقات لم تكن سياسية فحسب، بل كانت أنثروبولوجية. كما أشار أفلاطون قديماً، فإن "الأسرة" هي الوحدة الأولى للملكية الخاصة، ظل الفرد في الاتحاد السوفيتي مرتبطاً بولاءاته الأسرية؛ فالفلاح لم يكن ينتج لـ "المجتمع المجرد"، بل لتأمين "منزله الخاص". هذا الارتباط العضوي جعل من المستحيل القضاء على المال؛ لأن التبادل بين الوحدات الأسرية المستقلة يحتاج إلى "لغة قيمة" وسيطة. وعندما حاول لينين في بداياته إلغاء المال فيما عُرف بـ "شيوعية الحرب"، انهار الاقتصاد ليعود سريعاً إلى "السياسة الاقتصادية الجديدة" (NEP)، معترفاً بأن المال هو ضرورة طالما أن الإنسان لم يتحول بعد إلى "إنسان مشاعي مطلق".

تكمن المفارقة التاريخية في أن ماركس لم يتوقع ثورة اشتراكية في بلد إقطاعي كروسيا. كان يرى أن الاشتراكية هي "وريثة الوفرة الرأسمالية"، لا أداة لبنائها. هنا، وبذكاء براغماتي، اعترف لينين بأن ما يقيمه هو نظام "رأسمالية دولتية"؛ أي استخدام آليات الرأسمالية (المحاسبة، التراكم، الإدارة المركزية) تحت سلطة الحزب، لتهيئة الأرضية للصناعة.
إلا أن التحول الخطير حدث في عهد ستالين، الذي أعلن زيفاً في ثلاثينيات القرن الماضي عن "تحقيق الاشتراكية". في الواقع، لم تكن تلك اشتراكية، بل كانت "احتكاراً شاملاً للدولة" لوسائل الإنتاج. تحول الحزب الشيوعي من طليعة ثورية إلى "مجلس إدارة" لشركة عملاقة تملك الجغرافيا والبشر، وأصبح العمال "أجراء" لدى الدولة بدلاً من أجراء لدى الأفراد، مما خلق طبقة جديدة من البيروقراطيين (النيومنكلاتورا) الذين استولوا على الامتيازات تحت ستار المساواة.

لأن الدولة حاولت قمع "لغة المال" والأسعار الطبيعية، فقدت القدرة على قياس القيمة والندرة. أدى تحديد الأسعار إدارياً إلى "عمى اقتصادي"؛ فكانت الحكومة تبالغ في التقديرات بينما يعاني الواقع من الندرة. كاستجابة طبيعية لهذا الفشل، ولدت "السوق السوداء" ونظام المحسوبيات . لم تكن السوق السوداء مجرد انحراف سلوكي، بل كانت "الرئة" التي يتنفس منها المجتمع؛ حيث استمر التبادل الحقيقي بعيداً عن أعين الرقابة، ممهدةً الطريق لنشوء طبقة من "أباطرة الظل" الذين سيصبحون لاحقاً "أوليغارشيا" التسعينات.


عندما سقط الستار الحديدي، لم يختفِ النظام، بل خلع قناعه الأيديولوجي. تحول أباطرة السوق السوداء والبيروقراطيون الحزبيون إلى رأسماليين صريحين، مستغلين سيولتهم وشبكاتهم للاستيلاء على أصول الدولة.
وفي الجهة الأخرى، قدمت الصين "النموذج الأنجح" لهذا المسار؛ حيث تخلت عن الادعاءات الستالينية الزائفة، وأبقت على "الحزب ككيان إداري" يحكم "رأسمالية سوق" وحشية. الصين اليوم هي التطبيق التكنولوجي المتطور لرؤية لينين القديمة: رأسمالية دولة قوية، مدعومة برقابة رقمية تعالج "فجوة المعلومات" التي أسقطت السوفييت، مع الاعتراف الكامل بالمال والطبقات كأدوات للنمو.
انتصار الواقع على الأيديولوجيا
إن التاريخ السوفيتي، برحلاته من "شيوعية الحرب" إلى "رأسمالية بوتين"، يثبت أن محاولة قفز المراحل التاريخية بالقوة تنتهي دائماً بإعادة إنتاج التفاوت تحت أسماء جديدة. المال، الأسرة، والتبادل الحر، ليست مجرد "اختراعات برجوازية"، بل هي تقنيات اجتماعية تطورت عبر آلاف السنين لتنظيم الجهد البشري. الاتحاد السوفيتي لم يقضِ على الطبقات، بل خلق "أرستقراطية إدارية"؛ ولم يقضِ على المال، بل حوله إلى "نفوذ مخفي". وفي النهاية، يبقى الدرس الأهم: أن الاقتصاد لا يرحم الأيديولوجيا التي تتجاهل قوانينه الفطرية.

لقد طوينا صفحة القرن العشرين بتجاربه المريرة، وجدنا أنفسنا أمام فصل جديد من الصراع القديم. إن التحدي الذي يواجه مستقبل المجتمعات ليس في "إلغاء المال" كما حلم لينين، بل في "من يملك السيطرة على المعلومات التي يمثلها المال".

في الأفق، تظهر "الاشتراكية الرقمية" أو "الرأسمالية الخوارزمية" كآخر محاولة بشرية لتحقيق حلم "الكلية العلم" (Omniscience). فإذا كان السوفييت قد فشلوا لأنهم لم يستطيعوا حساب سعر "رغيف الخبز" في الوقت الفعلي، فإن أنظمة الذكاء الاصطناعي اليوم والعملات الرقمية المركزية تَعِدُ الحكومات بقدرة مطلقة على مراقبة وتوجيه وتوزيع الموارد بدقة متناهية، متجاوزةً "فوضى الأسواق".
ومع ذلك، تظل "غريزة الأسرة" و"نزعة الفرد للتميز" هما القوة الخفية التي قد تُفشل حتى أكثر الخوارزميات ذكاءً. فالتاريخ يعلمنا أن الإنسان بارع في خلق "أسواق سوداء" جديدة حتى في العالم الرقمي؛ حيث سيظل يبحث دائماً عن مساحات خاصة للتبادل بعيداً عن أعين الدولة، سواء كان ذلك عبر العملات المشفرة أو شبكات المقايضة السرية.

إن مستقبل هذا الصراع لن يُحسم بانتصار نهائي للأيديولوجيا على الواقع، بل سيستمر كرقصة أبدية بين "الدولة" التي تسعى لتحويل المجتمع إلى "بيت واحد" محكوم بالانضباط، وبين "الفرد" الذي يصر على أن "منزله" هو قلعته الخاصة التي لا تُقاس قيمتها بأرقام الحكومة. وفي النهاية، قد تتبدل الأدوات من "روبل ورقي" إلى "كود رقمي"، لكن الجوهر يظل ثابتاً: المال هو صمام الأمان الأخير للحرية ضد طغيان الإدارة الشاملة طالما استحالت العودة إلى المشاعية الأولى أو لم تتحقق اليوتوبيا الشيوعية على أرض الواقع.

مالمو
2-26-02-24