فرنسا بين تآكل الحريات النقابية ومقاومة السياسة الحكومية وبعض السياق الأوروبي ‎


جهاد عقل
2026 / 2 / 23 - 16:20     

مقدمة
تشهد فرنسا في مطلع عام 2026 مرحلة مفصلية في تاريخ علاقتها بالحركة النقابية، من قبل سياسات حكومية تحاول ضرب قوة الحركة النقابية ، مثل تقليص حرية الإضراب ، المس بحقوق المتقاعدين ، والإلتفاف على الإتفاقيات الجماعية ،وحتى توجيه التهم للنقابيين وسجنهم .
في ظل هذا التدهور، وخلال أسابيع قليلة، طرحت الكونفدرالية العامة للعمل (CGT) لى اساحة الفرسية ثلاث قضايا مترابطة:
-تصاعد الملاحقات القضائية ضد قيادات نقابية، بما في ذلك توجيه الاتهام إلى أمينها العام.
-جرى يوم 13 شباط الجاري من قبل السي جي تي نشر “قائمة سوداء” توثق مئات حالات القمع والتمييز ضد نقابيين في أماكن العمل.
-تفاقم هشاشة العمال المهاجرين نتيجة تشديد سياسات الإقامة والتقشف الإداري.
من هنا،في 4 شباط/فبراير 2026، عقدت الكونفدرالية العامة للعمل (CGT)، اجتماعًا وطنيًا في مقرها في مونتروي، بمشاركة مختلف التيارات والحركات النقابية الفرنسية ، للتأكيد أن ما يجري ليس أزمة تنظيمية، بل اختبارًا لمستقبل الديمقراطية الاجتماعية في فرنسا.
نحاول في هذه العجالة تحليل هذه التطورات ضمن إطار بنيوي، ومقارنتها باتجاهات أوروبية أوسع.

*من النزاع الاجتماعي إلى التجريم القضائي
- تحوّل في إدارة الصراع
التقليد الفرنسي تاريخيًا يقوم على:اعتراف قوي بالحق في الإضراب.مركزية الحوار الاجتماعي.
دور الدولة كحكم بين العمل ورأس المال.

*استهداف القيادة… رسالة تتجاوز الشخص
يشكّل توجيه الاتهام في ديسمبر الماضي إلى الأمين العام للكونفدرالية العامة للعمل صوفي بينييه منعطفًا نوعيًا. فالملاحقة لا تُقرأ بوصفها مسألة قانونية فردية، بل كإشارة سياسية:
لم يعد النشاط النقابي محصنًا داخل الفضاء الديمقراطي التقليدي، بل أصبح قابلًا لإعادة تصنيفه ضمن مقاربات أمنية وقضائية.
وتشير النقابة إلى أنّ هذه ليست حالة معزولة، بل تأتي ضمن سلسلة دعاوى وإجراءات طالت أعضاء في المكتب التنفيذي خلال العامين الأخيرين، في سياق توسّع استخدام الدعاوى الاستراتيجية ضد المشاركة العامة (SLAPP)، وهي آلية قانونية تُستخدم لإرهاق الخصوم وإسكاتهم عبر استنزاف قضائي طويل ومكلف.
هذا ما حدث في السنوات الأخيرة، التي شهدت توسعًا في استخدام الأدوات القضائية ضد النقابيين، بما في ذلك دعاوى استراتيجية تهدف إلى الاستنزاف المالي والمعنوي.التحول الجوهري هنا ليس عدد القضايا، بل تغيير طبيعة الفضاء الذي يُدار فيه النزاع:
من مفاوضات جماعية،إلى مرافعات فردية أمام القضاء،وهذا يُضعف البعد التضامني ويحول الصراع إلى مسؤولية شخصية.


* “القائمة السوداء” كدليل على بنية قمع
استطلاع الكونفدرالية العامة للعمل (CGT) الذي وثّق 347 حالة يقدم معطيات كاشفة مثل:
- أنماط متكررة، مثل الفصل أو محاولات الالتفاف على الحماية القانونية.التمييز في الترقية والأجر.
تعطيل التفرغ النقابي.ضغط إداري يؤدي أحيانًا إلى اختفاء التمثيل داخل المؤسسة.

- دلالة التكرار
حين تتكرر الأنماط عبر قطاعات مختلفة، يصبح من الصعب تفسيرها كحالات فردية.لذلك نحن أمام تحول في علاقة الإدارة بالتمثيل الجماعي.القمع هنا لا يُمارس دائمًا بعنف مباشر، بل عبر:
إجراءات تأديبية شكلية.تحقيقات داخلية منحازة. استشارات خارجية متخصصة في “إدارة النزاعات العمالية”.

*السياق الأوسع: تحولات في الديمقراطية الاجتماعية
منذ إصلاحات قانون العمل في 2017، شهدت فرنسا إعادة هيكلة لآليات التمثيل داخل الشركات، شملت دمج هيئات التمثيل وتعزيز الاتفاقيات على مستوى المؤسسة.
يرى العديد من النقابيين أن هذه التحولات أضعفت التوازن بين رأس المال والعمل، وفتحت الباب أمام مزيد من الضغط الإداري والقضائي.
يتزامن ذلك مع: صعود خطاب يميني متطرف يُحمّل الحركات الاجتماعية مسؤولية “الفوضى”.
تركّز ملكية الإعلام في أيدي مجموعات مالية كبرى. نزعة أمنية في التعامل مع الإضرابات والتظاهرات.
النتيجة المحتملة: إعادة تعريف الصراع الاجتماعي من حق ديمقراطي إلى مشكلة أمنية.

* العمال المهاجرون وإعادة تقسيم سوق العمل
منذ 2006، لعبت الكونفدرالية العامة للعمل (CGT) دورًا في تسوية أوضاع عشرات الآلاف من العمال سنويًا.لكن خلال العامين الأخيرين: تراجعت عمليات التسوية إلى النصف. تعقّدت إجراءات التجديد.
توسعت الفجوات القانونية.

-الهشاشة كآلية اقتصادية
هذه السياسات لا تنتج فقط معاناة فردية، بل تؤدي إلى:تقسيم سوق العمل إلى طبقات.خلق جيب من العمالة القابلة للاستغلال الشديد.ضغط نزولي على الأجور وشروط العمل.بذلك يصبح ملف الهجرة جزءًا من إعادة ضبط ميزان القوى في السوق.

* اجتماع 4 شباط… إعادة بناء الجبهة النقابية
الاجتماع الوطني في مقر CGT لم يكن فعالية رمزية فقط، بل:محاولة لتوحيد الطيف النقابي حول ملف الحريات. ربط الدفاع عن القيادات بالدفاع عن العمال المهاجرين.تحويل النقاش من إطار تنظيمي إلى إطار ديمقراطي عام.
الرسالة الأساسية: الدفاع عن الحريات النقابية هو دفاع عن بنية الجمهورية الاجتماعية.

* مقارنة أوروبية
-إسبانيا: نموذج معاكس في ملف الهجرة
في يناير 2026، أقرت الحكومة الإسبانية مرسومًا لتسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين.
هذا يعكس خيارًا سياسيًا مختلفًا:إدماج العمال بدل إبقائهم في الهشاشة.
النتيجة المحتملة:توسيع القاعدة الضريبية.تقليص الاقتصاد غير الرسمي.تعزيز الاستقرار الاجتماعي.

- إيطاليا: تضييق تدريجي
شهدت إيطاليا في السنوات الأخيرة:تشديد سياسات الهجرة.صدامات متكررة مع النقابات في قطاعات اللوجستيات والزراعة.توسع استخدام العقوبات ضد الإضرابات.النمط هنا قريب من فرنسا في جانب “الأمننة” التدريجية للصراع.

- أوروبا الشرقية: تجريم مباشر
في بعض الدول مثل المجر وبولندا:تم تقليص استقلال القضاء والنقابات.جرى تقييد التمويل والمنظمات المدنية.هنا يأخذ التآكل طابعًا مؤسساتيًا أكثر وضوحًا.

* هل نحن أمام موجة أم تحول هيكلي؟
المؤشرات المتقاطعة تشير إلى: صعود خطاب يميني قومي في عدة دول. تزايد تركّز رأس المال الإعلامي.ضغوط تنافسية أوروبية مرتبطة بالعولمة والتحول الرقمي.
في هذا السياق، يصبح إضعاف التنظيم الجماعي وسيلة لزيادة مرونة سوق العمل.
السؤال المركزي: هل يتم إعادة تعريف الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية بحيث تصبح الحريات النقابية أقل مركزية في العقد الاجتماعي؟

* محطة تاريخية للحركة النقابية وحرياتها
الحالات التي عرضتها الكونفدرالية العامة للعمل (CGT) لا تمثل أزمة تنظيمية عابرة، بل تكشف لحظة تاريخية يعاد فيها التفاوض على حدود الحريات الاجتماعية.
من قيام السياسة الحكومية بتجريم القيادات، إلى توثيق القمع في أماكن العمل، إلى إنتاج هشاشة قانونية للعمال المهاجرين، تتشكل صورة واحدة وهي: إعادة توزيع القوة داخل المجتمع.
فرنسا، بحكم تاريخها النقابي ومكانتها الأوروبية، قد تكون مختبرًا لهذا التحول. لكن مسارها النهائي سيعتمد على قدرة الحركة النقابية والقوى الاجتماعية على إعادة صياغة تحالف واسع يدافع عن الحريات باعتبارها شرطًا للاستقرار، لا تهديدًا له.
لكن يبقى السؤال مفتوحًا:
هل نحن أمام موجة ظرفية مرتبطة بتوترات سياسية واجتماعية؟
أم أمام تحول هيكلي يعيد صياغة مفهوم الديمقراطية الاجتماعية في فرنسا؟
ما هو مؤكد أن اجتماع 4 شباط شكّل إشارة واضحة إلى أن الحركة النقابية تعتبر ما يجري معركة تتجاوز الدفاع عن منظمة، لتصل إلى الدفاع عن فضاء الحريات ذاته.