على هامش بيان الجبهة الوطنية الشعبية: معضلة الضمان الاجتماعي في الأردن
جهاد حمدان
2026 / 2 / 23 - 02:51
تمر الدولة الأردنية في اللحظة الراهنة بمرحلة حرجة من مراجعة القوانين الناظمة للحماية الاجتماعية، وعلى رأسها قانون الضمان الاجتماعي. هذه المراجعة لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق النيوليبرالي الذي يحكم السياسات الاقتصادية، والذي يسعى باستمرار إلى ترحيل أزمات العجز المالي من كاهل السلطة التنفيذية إلى كاهل الفئات المنتجة. وفي هذا السياق، يأتي بيان "اللجنة التحضيرية للجبهة الوطنية الشعبية" ليضع الإصبع على الجرح، مفككاً التعديلات المقترحة وواضعاً إياها في سياقها الطبقي والاجتماعي.
أولاً: لغة الأرقام.. تشديد القيود على المتقاعدين
يتوقف بيان الجبهة الوطنية الشعبية عند التعديلات التي مست جوهر الحقوق التقاعدية، حيث أحدثت تغييراً جذرياً في عدد الاشتراكات المطلوبة، وهي كالآتي:
التقاعد المبكر: رفعت التعديلات عدد الاشتراكات المطلوبة لاستحقاق راتب التقاعد المبكر لتصل إلى 360 اشتراكاً فعلياً (ما يعادل 30 عاماً)، بعد أنْ كانت 252 اشتراكاً للذكور و228 اشتراكاً للإناث.
سن التقاعد الوجوبي: يهدف التعديل لرفع سن التقاعد تدريجياً ليصل إلى 65 عاماً للذكور و60 عاماً للإناث بحلول عام 2037، مع بقاء الحد الأدنى لاشتراكات الشيخوخة عند 180 اشتراكا.
ويؤكد بيان الجبهة أنّ هذا الرفع في السن وفي عدد الاشتراكات يمثل اعتداءً على "الحقوق المكتسبة" والاستقرار التشريعي، خاصة في ظل واقع اقتصادي بلغت فيه نسبة البطالة العامة 21.4%، وانفجرت بين الشباب لتتجاوز الـ 48%. إنّ إجبار العمال على البقاء في مواقعهم لفترات أطول يسد الأبواب أمام الخريجين الجدد، مما يعمق أزمة البطالة ويحول دون تدوير الكفاءات في سوق العمل.
ثانياً: المهن الشاقة واستنزاف القوى العاملة
يشير بيان الجبهة الوطنية الشعبية بخصوصية إلى فئة العاملين في المهن الشاقة والخطرة؛ إذ إنّ رفع سن التقاعد يتجاهل الطبيعة الجسدية المنهكة لهذه المهن، كالحرفيين، وعمال المناجم، والعاملين في قطاع الإنشاءات والمقاولات والإطفاء والصناعات الكيماوية. فالبقاء في هذه المهن حتى سن الـ 65 عاماً يُعد أمراً بالغ الصعوبة ويؤدي إلى استنزاف صحة العامل قبل بلوغه سن التقاعد.
كما أنّ هذا التوجه يمثل "تضييقاً لفرص الوصول" للحق التقاعدي؛ فعلى الرغم من إتمام العامل لعدد الاشتراكات المطلوبة، إلا أنه سيجد نفسه مضطراً للانتظار سنوات إضافية (فجوة زمنية) قبل استحقاق الراتب، مما يعرضه لمخاطر الانقطاع عن الدخل أو تدهور الحالة الصحية قبل نيل حقوقه التي أفنى عمره في تحصيلها.
ثالثاً: الاستدامة المالية أم استنزاف مدخرات العمال؟
بينما تبرر الحكومة هذه الإجراءات بضرورة حماية الاستدامة المالية، يشير بيان الجبهة الوطنية الشعبية بوضوح إلى أنّ الخلل ليس في نفقات المتقاعدين، بل في سياسة تحويل الضمان إلى المُمول الأول لعجز الموازنة.
وتكشف الأرقام الحالية في عام 2026 أنّ محفظة السندات وأدوات الدين الحكومية تجاوزت 11 مليار دينار، وهي تمثل نحو 60% من إجمالي موجودات الصندوق البالغة 18.6 مليار دينار. ويعني هذا التركز المالي أنّ مدخرات العمال باتت رهينة لقدرة الحكومة على السداد، بدلاً من توظيفها في مشاريع إنتاجية ترفع الناتج المحلي وتخلق فرص عمل حقيقية تزيد من قاعدة المشتركين الفاعلين في الصندوق.
من الناحية الاقتصادية، هذا يعني أن الصندوق تحول من "مستثمر استراتيجي" يحفز النمو، إلى "دائن رئيسي" يغطي عجز الموازنة. إنّ حصر الاستثمارات في أدوات الدين العام يقلل من العوائد الحقيقية مقارنة بالاستثمارات الإنتاجية، ويجعل أموال المؤمن عليهم عرضة لمخاطر التضخم وتذبذب السيولة الحكومية. وبدلاً من أن تساهم هذه الأموال في إنشاء مشاريع كبرى تخلق فرص عمل وتوسع قاعدة المشتركين، يتم استهلاكها في تمويل نفقات جارية، مما يضعف "الملاءة المالية" للصندوق على المدى البعيد ويبرر، بشكل خادع، اللجوء لرفع سن التقاعد كحل وحيد لترميم العجز.
رابعاً: غياب الاستقلالية وتضارب المصالح
يلفت بيان الجبهة الانتباه إلى معضلة تبعية مؤسسة الضمان للسلطة التنفيذية، حيث يترأس وزير العمل مجلس إدارتها. ويخلق هذا الوضع تضارباً صارخاً في المصالح؛ فالحكومة هي "المقترض" وهي في الوقت نفسه "المشرف على الجهة المقرضة". وقد أدى هذا الغياب للاستقلالية، كما جاء في البيان، إلى استخدام أموال الضمان لتمويل نفقات "أوامر الدفاع" خلال جائحة كورونا، وهي كلف كان الأجدر أن تتحملها الخزينة العامة لا أموال المؤمن عليهم.
خامساً: خارطة طريق وطنية للمواجهة
انطلاقاً مما ورد في بيان الجبهة الوطنية الشعبية، تبرز ضرورة التحرك الجماعي لرد هذه التعديلات عبر القنوات الآتية:
- النقابات العمالية والمهنية والمستقلة: هي رأس الحربة في حماية حقوق منتسبيها عبر تنظيم فعاليات احتجاجية سلمية.
- الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني: دورها يتمثل في تأطير الغضب الشعبي والمطالبة باستقلالية المؤسسة.
- مجلس الأمة (النواب والأعيان): يطالب البيان مجلس الأمة برد هذه التعديلات جملة وتفصيلاً، والضغط لفتح أوسع حوار وطني شامل وشفاف يشرك القوى الحية كافة للوصول إلى إصلاح عادل يقوم على مبدأ الحماية لا الجباية.
خاتمة
إنّ الضمان الاجتماعي هو ملكية حصرية للمشتركين، والدفاع عنه هو دفاع عن السلم المجتمعي. وما طرحته الجبهة الوطنية الشعبية يمثل صرخة في وجه السياسات التي تفرغ الحماية الاجتماعية من مضمونها، وهو دعوة لاستعادة المؤسسة لتكون صمام أمان حقيقي للأردنيين، لا مجرد رقم لتغطية العجز الحكومي.