في نسف المكتسبات النقابية أو الفاشية الاجتماعية (الجزء الثاني)


جيلاني الهمامي
2026 / 2 / 23 - 02:47     

في نسف المكتسبات النقابية
أو الفاشية الاجتماعية
(الجزء الثاني)


ما كان مجرد تهديد، وعلى سبيل الإيحاء والتلميح، أصبح اليوم واقعا ملموسا. فمنذ مدة اشتغلت "ماكينة" التحريض على الاتحاد العام التونسي للشغل على ترويج دعوات كثيرة ومتنوعة منها حث السلطة على التعجيل بإيقاف العمل بالخصم المباشر على الأجور بالنسبة لمنخرطي الاتحاد من قطاع الوظيفة العمومية والقطاع العام.

وكانت هذه الدعوة تبُرَّرُ كغيرها من الدّعوات بـ"ضرورة وضع حد لاستغلال البيروقراطية الفاسدة لعائدات الانخراطات" وتُقَدّمُ من طرف ميليشيات الشعبوية الفايسبوكية على أنها، أي هذه الدعوة، تعبير عن التضامن مع العمال المساكين والمنخرطين "الغلابة". وهي في الحقيقة ليست سِوى مقدّمة لمخطّط مدْروس يَهدِفُ إلى إضْعافِ المنظّمة النّقابية قَبْلَ الإجهازِ عليها. والمعروف أن قيس سعيّد لم يعتمد ما كان يَعْتمدُه النّظام زَمنَ بورقيبة وبن علي وحتى في عهد النهضة من أشكال عنيفة وانقلابات وإقصاء للنقابيين وتنصيب للمُوالين بشكل تعسّفي سَافر.

على خلافِ ذلك اعْتمدَ قيْس سعيّد أُسْلوبَ التّفكيك النّاعم والمتدرّج عملا بمقُولته "الاجسام الوسيطة" بما في ذلك الاتحاد "ستندثر من تلقاء نفسها". وكما رأينا في العدد السّابق من "صوت الشعب" كَيفَ اسْتعمل قيس سعيد تعْطيلَ المفاوضات الاجتماعية بِقَصْدِ خلْقِ فراغ من حول النقابات إلى أن تفقد في نظر العمّال مبررات وجودها، سنرى فيما يَلي كيفَ سيستغلّ قرار إيقاف العمل بالخصْم المباشر بِقَصْدِ تحقيق نفسَ الهدف وهو عَزْلُ الاتحاد وتحييده عبر تعجيزه ماديا وحرمانه من المقدرات المادية لتغطية مصاريفه وبالتالي تعطيل أنشطته بما يؤدي إلى نفور العمّال منه وهِجْرانه.

تأكّد إذن، من أكثر من مصدر، أنّ الحكومة أصدرت تعليماتها (دون إصدار منشور كما جرت به العادة) إلى المركز الوطني للإعلامية CNI بعدم خصم معلوم الانخراط عند صرف أجور ورواتب أعوان الدولة والقطاع العام لشهر فيفري. وبذلك وضعت حدا لنظام جرى به العمل منذ أواخر ثمانينات القرن الماضي أي ما يقارب عن أربعين سنة.

مسألة لها تاريخ
الخصم المباشر على الاجر بعنوان الاشتراك في النقابة هو تقليد قديم نسبيا ومنتشر في جميع بلدان العالم. تاريخيا بدأ العمل بهذا النظام في الولايات المتحدة الامريكية منذ 1926 في نقابات المناجم ومع بداية الاربعينات تم تعميمه في كل فروع الإنتاج. وعلى خطى النقابات الامريكية سارت بقية نقابات العالم تدريجيا منذ الخمسينات. ففي مصر مثلا تّم سن هذا النّظام سنة 1953 وفي تونس سنة 1958 وعلى امتداد الستينات أصبحت أغلب النقابات الافريقية تتمتّع بهذا النظام الذي انتشر بقوة خلال النّصف الثّاني من القرن الماضي في كل أرجاء العالم، سواء في إطار الاتفاقيات المشتركة أو بأحكام قانونية أو بقرارات من هيئات تحكيمية في نزاعات الشغل (القرار الكندي الشهير قرار Rand)) ، عدا في قلة قليلة من البلدان مثل فرنسا حيث يمنع منعا باتا العمل بالخصم المباشر في القطاع الخاص بدافع الحفاظ على استقلالية النقابية وسد الباب أمام الأعراف للتأثير وشراء الذمم (تنقيح مجلة الشغل الفرنسية سنة 1956). وللإشارة كان نظام الخصم المباشر ممنوعا بمقتضى القانون في الاتحاد السوفياتي وبلدان المنظومة الاشتراكية السابقة.

توجد نظم كثيرة ومتنوعة في الخصم المباشر على الاجر بعنوان الانخراط في النقابات. وتتراوح هذه النظم بين الخصم الاجباري تطبيقا لأحكام قانونية (اسبانيا والبرتغال...) أو الاجباري جزئيا أي الاجباري بالنسبة للعمال والاعوان الخاضعين لاتفاقية مشتركة ممضاة بين النقابات والسلط الإدارية او اتحادات الأعراف وبين الاختياري بطلب من النقابة أو من العون المعني وبين الممنوع كما سبق ذكره مثلما هو جاري به العمل في فرنسا في القطاع الخاص على وجه التحديد.

في تونس انطلق نظام الخصم المباشر ضمن المَوْجة العالمية لتعميم هذا النظام من جهة وفي سياق أوضاع سياسية واجتماعية محددة. جاء هذا القرار مباشرة بعد صعود أحمد التليلي والحبيب عاشور إلى القيادة الجديدة للاتحاد (مؤتمر سبتمبر 1957) الأول كأمين عام والثاني كعضو في الهيئة الإدارية. وكانت عودتهما للقيادة النقابية بمثابة الإعلان الرسمي عن حسم الصراعات لصالح التيار الليبرالي في وجه أحمد بن صالح وميولاته الاشتراكية. وكان تواجد هذا الثنائي في قيادة الاتحاد وفي نفس الوقت في الديوان السياسي للحزب الحاكم (منذ مؤتمر الحزب 1959) من أهم علامات الانسجام بين الاتحاد والحكومة الأمر الذي كان بورقيبة يلهث ووراء تحقيقه منذ رحيل الزعيم المؤسس فرحات حشاد. وقد استغلّ أحمد التليلي مناخات الوئام السّائدة ليشرع في تكريس تصوّره لمنظمة نقابية قوية تتمتع بكل الإمكانيات المادية والتنظيمية.

وبطبيعة الحال لم يمانع بورقيبة في ذلك حتى لا يُفْسِدَ حالة الانسجام التي بدت عليها منظومة الحكم التي استوى على رأسها زعيما بلا منازع بَعْدَ أن خُيِّلَ له التخلّص من أشرس منافسيه، التيار اليوسفي بزعامة صالح بن يوسف.

في هذا الإطار الدولي والمحلي جاءت جملة الإجراءات التي أتخذها التليلي لفائدة الاتحاد ومنها قرار الخصم المباشر على الأجور بعنوان الاشتراك في الاتحاد العام التونسي للشغل.

لقد عزز هذا الإجْراء، إلى جانب جملة المشاريع الاقتصادية، مالية الاتحاد وثبّت مكانته كشريك قوي في الحكم. ومن هذه المشاريع نزل أميلكار وبنك الشعب (بنك الجنوب ثم التجاري بنك حاليا) ومطبعة الاتحاد وشركة التأمين و57 تعاضدية خدمات لفائدة المنخرطين وعموم الشغالين.

وحتى عندما فقد التليلي موقعه على رأس الاتحاد في المؤتمر التاسع (1963) ومجيء الحبيب عاشور مكانه لم تقع مراجعة نظام الخصم المباشر ذلك أن الاتّحاد مثله مثل بقية ما يسمى بالمنظمات الوطنية (اتحاد الأعراف واتحاد الفلاحين واتحاد المرأة) أصبح تابعا عضويا للحزب الحكم وفق ما تقرر في مؤتمره بعد عام أي سنة 1964 في بنزرت.

لقد استمر العمل بهذا النظام حتى منتصف الثمانينات رغم كل التقلّبات التي شهدتها الحياة السياسية والنقابية وعلاقة الاتحاد بنظام الحكم بما في ذلك في أزمة 26 جانفي 1978.

عودة الصراع مع الحكومة وقرار حكومة مزالي
احْتَدَمَ الصّراع سنوات 1980 – 1985 بين حكومة "الانتفاح" بقيادة مزالي والاتحاد العام التونسي للشغل بقيادة عاشور. ورغم أن هذا الصراع كان يدور حول قضايا مطلبية مادية ومهنية فإن خلفيته الحقيقية كانت تكمن في صراع آخر ظاهر وخفيّ من أجل خلافة بورقيبة في الحكم. ومن جهة ثانية كان برنامج الإصلاحي الهيكلي المفروض من صندوق النقد الدولي والذي تم الإعلان رسميا عن اعتماده صائفة 1985 من طرف حكومة رشيد صفر رئيس الحكومة الجديد يلقي بظلاله على الخلاف الحاد بين الطّرفين.

كانت كلّ المؤشّرات تُشير إلى أنّ الصّراع سائر باتجاه الاشتباك بما لكل منهما من عناصر ضغط وأدوات مواجهة. وهو ما حصل فعلا إِذْ بَعْدَ سلسلة المناشير التّضييقية على النشاط النقابي (جوان وسبتمبر 1984) مرّت الحكومة آنذاك إلى اتخاذ قرار إلغاء الخصم المباشر وبالتحديد يوم كانت الهيئة الإدارية الوطنية في حالة انعقاد في أوت 1985. ومعلوم أنّها، أي الحكومة لم تنتظر كثيرا من الوقت لتشنّ هجوما على مقرات الاتحاد في أكتوبر 1985 وتعتقل العشرات من النقابيين بما في ذلك عدد من القيادات.

وقد تذرّعت الحكومة وقتئذ بأن الخصم المباشر هو مجرّد إجراء إداري وامتياز تمتّع به الاتحاد لسنوات وهو قابل للسّحب والتّراجع ولا يستند إلى أي سند قانوني ولا هو حق مكتسب محصن بأي اعتبار كان.

قيس سعيد يكرّر التاريخ في وجهه البشع
قرار حكومة قيس سعيد هو استنساخ بالضّبط لقرار حكومة مزالي مع مراعاة الفوارق في الظرف الزمني وتفاصيل الملابسات المحيطة. فهو قرار يأتي على خلفية أزمة مع الاتحاد. ولكنه أيضا قرار حَرّكتْهُ وتُحَرِّكُهُ رغبةٌ جامحةٌ في القضاء على الاتحاد. ووراء كل الدعايات والشعارات والخطب الكاذبة حول "فساد البيروقراطية" وما إلى ذلك هناك حقيقة لا سبيل إلى إخفائها وهي خضوع قيس سعيد – كما خضع من قبله مزالي ورشيد صفر – لتعليمات صندوق النقد الدولي ومؤسسات التسْليف الدولية والقوى الفاعلة في منظومة الليبرالية المتوحشة التي اكتسحت العالم والتي تعمل في كل مكان على القضاء على النقابات أو في أقلّ الأحْوالِ تهْمِيشها من أجل تجريد الطبقة العاملة من هذا السلاح، سلاح التنظيم النقابي، لإخماد صوتها وتفتيت صفوفها وكسر شوكتها.

إن جوهر ما يقوم به قيس سعيد هو في عمق أعماقه تعبيد الطريق للسياسات الليبرالية المتعطشة للعرق والدم كي تمر وتسود في تونس في ظل غياب كل إمكانية مقاومة. إنه في حاجة إلى رضوخ كل الطبقات والتعبيرات الناطقة باسمها لاستدامة بقائه في كرسي الحكم.

رب ضارة نافعة
عملا بالعبارة الشهيرة لمحمد مزالي، الوزير الأول الأسبق، قد يكون قرار إلغاء الخصم المباشر رغم ضرره الظاهر في صالح الاتحاد من حيث لا يحتسب. إن تجربة النضال الطويلة للاتحاد العام التونسي للشغل والخبرة التنظيمية والعملية التي راكمها على مدى ثمانين سنة إلى جانب التقنيات الفنية وسُبُلِ التّنظيم الإداري والمالي التي توفرها الرقميات اليوم تؤهله لأن يلتقط الفرصة كي يقلع، وبقرار منه لا اضطرارا، عن العمل بهذه النظام، نظام الخصم المباشر.

لقد حان الوقت كي يعمل الاتحاد على تعبئة الانخراطات بشكل نضالي وبما يُجسّم الإقبال الطّوعي على الانتساب النقابي ولكن وفي نفس الوقت كي يُرْسِي أُسُسَ الشفافية في تعبئة الموارد والتصرّف فيها. وهي فرصة كي يخوض تجربة جديدة يكون فيها الانخراط وتحمل المسؤولية تجسيم للقناعة العميقة بالنضال لا جريا نحو المنافع المادية (منح وسيارات وسفريات الخ...) والترقّي الاجتماعي والمهني.

إنها فرصة تاريخية لتحرير الاتحاد من أطماع السلطة ونزوعها الدائم نحو تدجينه ولكنّها أيضا فرصة لنسف أسس التمعّش البيروقراطي والفساد.


يتبع