القانون كثقافة وحضارة: كيف تعلّمت فهم روسيا من قاعات الدراسة لا من نشرات الأخبار
فؤاد أحمد عايش
2026 / 2 / 20 - 14:54
لم أصل إلى روسيا محمّلًا فقط بحقائب السفر، بل محمّلًا أيضًا بتصوّرات جاهزة عن دولة كثيرًا ما قُدّمت لنا في الإعلام على أنها قاسية، مغلقة، ومهووسة بالسلطة. كنت أظن أنني قادم لدراسة القانون في بلد قوي سياسيًا، لكنني لم أكن أدرك أنني سأدخل في تجربة أعمق بكثير: تجربة فهم القانون بوصفه ثقافة، لا مجرد نصوص.
منذ الأيام الأولى، بدأت ألاحظ أن القانون في روسيا لا يُحصر في قاعات المحاضرات أو في صفحات الدساتير الروسية، بل يتجلّى في تفاصيل الحياة اليومية: في احترام الوقت، في صرامة الإجراءات، في طريقة مخاطبة المؤسسات الحكومية والخاصة، وحتى في نظرة الناس إلى الدولة نفسها. هنا، لا يُنظر إلى القانون كعبء مفروض، بل كإطار ضروري لحماية الكيان الجماعي.
كطالب قانون، كنت معتادًا على النظر إلى القانون باعتباره منظومة قواعد تُحفظ وتُفسَّر. لكن التجربة الروسية كشفت لي بعدًا آخر: (القانون كذهنية عامة). في الجامعات الروسية، لا يقتصر التعليم القانوني على تلقين المواد، بل يركّز على بناء عقلية قانونية منضبطة، تؤمن بأن النظام ليس عدوًا للحرية، بل شرطًا من شروطها.
الطالب يُطالَب بالجدية، بالالتزام، وباحترام التسلسل الأكاديمي. الأستاذ ليس مجرد ناقل معرفة، بل ممثل لهيبة العلم والنظام. هذه الصرامة، التي قد يراها البعض قسوة، هي في الحقيقة انعكاس لرؤية أوسع: الدولة لا تقوم على العاطفة، بل على المؤسسات.
لفهم القانون الروسي، لا بد من فهم الثقافة الروسية ذاتها. روسيا دولة تشكّلت عبر قرون من الصراعات، الغزوات، والانكسارات، ما جعل فكرة الدولة القوية مسألة وجودية لا ترفًا فكريًا. في الوعي الجمعي الروسي، الدولة ليست خصمًا يجب كسره، بل كيانًا يجب الحفاظ عليه، حتى لو تطلّب الأمر تضحيات فردية. هذا لا يعني غياب النقد أو التنوع الفكري، بل يعني أن هناك إجماعًا غير مكتوب على أولوية الاستقرار. ومن هنا، يصبح القانون أداة حماية، لا وسيلة قمع كما يُصوَّر خارجيًا في كثير من الأحيان.
لم تكن التجربة سهلة. اللغة، الطقس، النظرة الاجتماعية، وحتى أسلوب التعليم كلها تحديات يومية. شعرت أحيانًا أنني غريب داخل منظومة لا تشبه ما اعتدته في العالم العربي. لكن مع الوقت، بدأت أفهم أن الصعوبة ليست في روسيا، بل في الانتقال من ثقافة قانونية هشة إلى ثقافة قانونية صلبة جدا. في روسيا، لا مكان كبيرًا للارتجال. الإجراءات واضحة، والعواقب معروفة، والالتزام ليس خيارًا بل قاعدة. هذا الانضباط علّمني أن القانون لا يكون فعّالًا إلا إذا كان محترمًا اجتماعيًا، لا مجرد نص يُستدعى عند الحاجة.
في كثير من دول الشرق الأوسط، يُنظر إلى القانون بوصفه مشروعًا مؤجلًا أو شعارًا سياسيًا. نتحدث عنه كثيرًا، لكننا نمارسه قليلًا. أما في روسيا، فالقانون ليس خطابًا، بل ممارسة يومية، حتى وإن اختلفنا مع بعض تطبيقاته.
الفرق الجوهري ليس في وجود القوانين، بل في الإيمان بها. حين يؤمن المجتمع بأن القانون هو أساس الدولة، يصبح تطبيقه مسألة طبيعية، لا صراعًا دائمًا بين السلطة والمجتمع.
ما الذي تعلّمته من روسيا، وهذا هو الشيء المهم في حياتي؟
تعلّمت أن الدولة ليست مجرد حكومة، وأن القانون ليس مجرد عدالة مثالية.
تعلّمت أن الواقعية السياسية ليست نقيضًا للأخلاق، بل محاولة لحمايتها في عالم غير مثالي.
وتعلّمت أن احترام الدولة لا يعني التخلي عن التفكير، بل فهم السياق التاريخي والثقافي الذي أنتجها.
روسيا لم تغيّر قناعاتي فقط، بل غيّرت أدوات تفكيري. جعلتني أدرك أن القانون لا يُستورد جاهزًا، بل يُبنى من داخل الثقافة، من الذاكرة الجماعية، ومن التجربة التاريخية.
لم أفهم روسيا من نشرات الأخبار ووسائل الإعلام، ولا من التحليلات السطحية، بل من خلال دراسة القانون والعيش داخل المجتمع.
هنا أدركت أن القانون ليس حيادًا مطلقًا، بل مرآة لهوية الدولة. وأن الدولة القوية لا تُبنى بالشعارات، بل بالانضباط، والصبر، والإيمان بالمؤسسات.
بالنسبة لي، كانت روسيا مدرسة فكرية قبل أن تكون محطة دراسية. مدرسة علّمتني أن أفهم العالم لا كما أريده أن يكون، بل كما هو ثم أفكّر في كيفية تغييره بوعي، لا بوهم.