هل تحول النضال النقابي إلى -لعبة مسلية-؟


محمد علي مقلد
2026 / 2 / 20 - 00:16     

الرواتب والأجور ضحية الانهيار المالي. واجب الحكومة إعادة الحقوق لأصحابها. هذا أمر لا يحتاج إلى نقاش. لكن آلية التصحيح هذه المرة ينبغي ألا تستند، كما في سابق التصحيحات، إلى مؤشر التضخم السنوي الذي تضعه اللجان الحكومية أو النقابية أو كلاهما، لأن الانهيار هذه المرة لم يحصل بفعل تضخم معتاد قابل للقياس والتقدير في أنظمة الاقتصاد الحر.
الانهيار هذه المرة حصل بفعل فاعل لا بفعل التضخم وقوانين السوق والعرض والطلب. هو نتيجة منهبة موصوفة استولى فيها لصوص محترفون على المال العام في المصرف المركزي وعلى الودائع في المصارف الخاصة، والمتهمون فيها هم بشر من لحم ودم، لهم أسماء ويحتلون مواقع في السلطات السياسية والمالية.
لا العهد ولا الحكومة مسؤولان عن الانهيار، لكنهما تعهدا، في خطاب القسم وفي البيان الوزاري، بمعالجة نتائجه الكارثية. كيف لعملة كانت تعد الرابعة في العالم أن تنحدر قيمتها مئة ضعف، ولاقتصاد قادر على تأمين قروض لكندا والهند والبنك الدولي أن يتقهقر، من غير أن يرف للناهبين جفن ومن غير أن تتبدل أساليب النضال النقابي.
في التاسع عشر من أيار/مايو 1973 كتب رئيس “مجموعة الاقتصاد والأعمال” رؤوف أبو زكي في صحيفة النهار قائلاً: "يجتاز الدولار في سوق بيروت المالية وضعاً حرجاً. إن الأزمة لم تعد أزمة انخفاض في سعر الدولار في بيروت فحسب، بل هي كذلك أزمة ارتفاع في قيمة الليرة اللبنانية وما يتبع ذلك من مضاربة على هذه الليرة”. مع هذا الخبر، كيف يمكن أن نصدق لجوء الهيئات النقابية البارحة إلى الأساليب القديمة ذاتها بالتظاهر والإضراب للحصول على مطالبها بزيادة الأجور، ولجوء الحكومة إلى الإجراءات ذاتها بفرض الضرائب لتلبية المطالب، مع أن المسافة بين عز الليرة اللبنانية وانهيارها كما بين السماء والأرض؟!
كان على الحكومة أن تذهب إلى بيت الداء، وقد بات معروفاً. لكنها بعد أن أعياها البحث عجزت عن سن قوانين المعالجة وتوقفت على باب "الفجوة المالية"، وهو الإسم الحركي لعملية النهب المنظم، مع أن أبطال العملية معروفون بأسمائهم الصريحة ومواقعهم في هرم السلطة. هم مافيات الميليشيات العسكرية والسياسية والمالية.
خارطة الطريق إلى بيت الداء يمكن أن يهتدي المرء إليها مغمض العينين: إعادة هيكلة القطاع العام، ضبط الحدود ومكافحة التهريب، تفعيل الجمارك بالمرافق الشرعية، مكافحة التهرب الضريبي، تغريم مغتصبي الأملاك البحرية والنهرية، وقبل هذه وتلك، تنفيذ بنود القسم الرئاسي والبيان الوزاري، في محاربة الفساد ومحاكمة الفاسدين والناهبين واستعادة المال المنهوب. كل واحد من هذه العناوين يكفي، إلا ضريبة المحروقات.
الحكومة تسدد خارج المرمى، أما الهيئات النقابية فهي تلهو بلعبة "القط والفأر" القديمة مع الحكومة. إضراب تحذيري ثم تصعيد بإضراب مفتوح وتظاهر وقطع طرقات. أساليب من عصر مضى، فذلكتها معروفة: يتوقف العمال عن العمل فيتراجع الإنتاج فيضطر صاحب العمل، تحت الضغط، إلى الاستجابة للمطالب. ذلك مبني على فرضية أن العامل "لا يملك إلا قوة عمله" وعليه أن يستخدمها للحصول على حقوقه.
رد أصحاب العمل معروف أيضاً. دعك من الصرف الكيفي والعقوبات التأديبية، وهو فوق قدرة الحكومة الحالية على فعله. لكن أما آن أن يستخلص أصحاب المطالب من تجارب الزيادات على الرواتب بأنهم سيسددون في اليوم التالي أضعاف ما قبضوه بفعل التضخم؟ بين حد أدنى للأجور في لبنان قيمته مئتان وخمس ليرات في الستينات، وقيمته بالملايين اليوم، أرقام تعلو وقيمة تنخفض. فهل الهيئات النقابية غافلة عما يصيب مداخيل أصحاب الدخل المحدود؟
إذن ما العمل؟ زيادة الأجور أمر واجب على الحكومة، تصحيحاً للخلل الناجم عن الانهيار المالي، على أن تتأمن التغطية المالية من دون فرض ضرائب على المواطنين. أما الهيئات النقابية فعليها التوقف عن اللعبة غير المسلية "توم إند جيري"، زيادة أجور-تضخم، زيادة، تضخم، وإعادة تأسيس علاقة سليمة بين الدولة والنقابات.
يبدأ ذلك بإعادة تأسيس العمل النقابي بعد أن دمرته الميليشيات وقوى الأمر الواقع وأفرغته من مضمونه. إن جزءاً من قوة عمل الطبقة العاملة والموظفين والعاملين في الحقل الإداري والأجراء وأصحاب الدخل المحدود يتجسد باختيار هؤلاء هيئاتهم النقابية بوعي تام لموقعهم في عملية الإنتاج الوطني المادي والفكري وباستقلالية تامة عن القوى السياسية التي تسببت بانهيار أجورهم ورواتبهم وبتدمير مؤسسات الدولة والاقتصاد الوطني.