انطباعات وهواجس من مؤتمر الحزب الشيوعي في اسرائيل ال-٢٩
سمير خطيب
2026 / 2 / 19 - 00:54
في افتتاح مؤتمر الحزب الشيوعي، وأمام هذا الحضور الضخم الذي ملأ القاعة حتى آخر مقعد، شعرتُ أن السؤال لم يعد: هل ما زال في الشيوعية نبض؟
بل: من قال إنها توقفت يوماً عن النبض؟
نحن حزب تأسس في فلسطين عام 1919. مئة وسبع سنوات من المواجهة ضد الصهيونية وضد الاحتلال، من السجون، من المطاردات، من الانشقاقات العالمية، من انهيار الاتحاد السوفياتي، من صعود النيوليبرالية، من هيجان اليمين… ومع ذلك، نحن هنا. لا كشعارٍ محفوظ في كتب التاريخ، بل كقوة سياسية حية، يهودية عربية، تجلس في قاعة واحدة وتختلف بحدة، وتناقش بعمق، وتختلف مرة أخرى — لكنها تبقى موحَّدة حول جوهر واضح: العدالة الاجتماعية والقومية.
اليوم الأول من المؤتمر لم يكن احتفالاً رمزياً، بل ورشة فكرية حقيقية. نقاشات تنظيمية دقيقة حول تجديد البنية الحزبية. نقاشات أيديولوجية عميقة حول قراءة الماركسية في القرن الحادي والعشرين. نقاشات سياسية جريئة حول كيفية مواجهة الفاشية، الاحتلال، والرأسمالية المتوحشة. لم يكن أحد يردد نصوصاً محفوظة؛ الجميع كان يسائل، ينتقد، يقترح.
وهنا أصل إلى سؤال صديق:
كيف لحزبكم أن يستمر بينما انهارت معظم الأحزاب الشيوعية في العالم؟ وماذا بقي من الشيوعية بعد سقوط الاتحاد السوفياتي؟
الجواب بسيط ومعقد في آن واحد:
بقي الإنسان.
بقي العامل الذي يُستغل.
بقيت الفجوة الطبقية التي تتسع.
بقيت الحروب التي تُدار من أجل أرباح الأغنياء لا من أجل الشعوب.
بقيت القومية المتطرفة التي تُستخدم لتفتيت الكادحين بدل توحيدهم.
وبقي السؤال الجوهري الذي طرحه ماركس: من يملك وسائل الإنتاج، ومن يدفع الثمن؟
الشيوعية لم تكن جغرافيا اسمها موسكو، ولا كانت نظاماً سياسياً محدداً بتجربة واحدة. الاتحاد السوفياتي كان تجربة تاريخية عظيمة ومعقدة، لها إنجازاتها ولها أخطاؤها. لكنه لم يكن الفكرة ذاتها. سقوط دولة لا يعني سقوط الفكرة، تماماً كما أن سقوط إمبراطورية لا يعني نهاية الغطرسة ، ولا انهيار نظام رأسمالي يعني نهاية الرأسمالية.
ما أبقى حزبنا حياً هو أمران أساسيان:
أولاً، ارتباطه العضوي بالناس. نحن لسنا حزباً متحفياً. نحن حزب عمال، معلمين، طلاب، أطباء، موظفين، عاطلين عن العمل، نساء يكافحن في مجتمعين — طبقي وقومي. نحن حزب يعيش التناقضات اليومية ولا يكتفي بتحليلها.
ثانياً، خصوصيتنا كحزب يهودي عربي. في واقع يقوم على الفصل، نحن نُصرّ على الشراكة. في زمن التحريض القومي، نحن نرفع راية المساواة القومية والمدنية. في لحظة يُطلب فيها من كل طرف أن ينغلق داخل هويته، نحن نقول إن الصراع الطبقي لا يُلغيه الصراع القومي، بل يتقاطع معه. هذه ليست رومانسية؛ هذه قراءة مادية للواقع.
من يسأل ماذا بقي من الشيوعية، ربما ينظر إلى التجارب المنهارة ولا يرى التحولات الجارية. انظروا إلى العالم اليوم:
أزمات اقتصادية متكررة.
احتكار تكنولوجي غير مسبوق.
مليارديرات يملكون أكثر مما تملكه دول.
شباب يبحثون مستقبلهم داخل منظومة استهلاك ظالمة .
كل هذا يعيد إنتاج الحاجة إلى فكر نقدي جذري. ربما لا يحمل دائماً الاسم نفسه، لكن جوهره — نقد الاستغلال والسعي إلى العدالة — هو نفسه.
في مؤتمرنا اليوم رأيت شبيبة جديدة تدخل الحزب. أبناء كادحين ينضمون لأول مرة. أعضاء جدد يطرحون أسئلة صعبة بلا خوف. لو كانت الشيوعية مجرد حنين إلى ماضٍ، لما رأينا هذا الجيل. الأجيال لا تنضم إلى الذكريات؛ تنضم إلى المستقبل.
نحن لا ندّعي العصمة. نحن نتعلم، نراجع، ننتقد ذاتنا. هذا أيضاً سبب بقائنا. الأحزاب التي تحوّلت إلى عقيدة جامدة سقطت. أما نحن، فنتجدد لأننا نناقش. لأننا نسمح بالاختلاف داخل إطار وحدة الهدف.
ما بقي من الشيوعية هو هذا الإصرار العنيد على أن العالم يمكن أن يكون أكثر عدلاً.
وما بقي من حزبنا هو قدرته على ترجمة هذا الإصرار إلى تنظيم حيّ، إلى برنامج سياسي، إلى تحالف يهودي عربي يقف في وجه العنصرية والاحتلال والاستغلال معاً.
المؤتمر لم ينتهِ بعد. النقاشات مستمرة. الخلافات أيضاً. لكن القاعة المليئة اليوم تقول شيئاً واضحاً:
الفكرة التي تعيش قرناً وأكثر، وتعبر السجون والحروب والانهيارات، ليست فكرة عابرة.
قد تتغير الشعارات، قد تتبدل التكتيكات، قد يختلف العالم…
لكن طالما هناك ظلم، سيكون هناك من ينظّم نفسه ضده. وطالما هناك احتلال سنبقى نحن أول من يدعو لانهائه.
نحن هنا.
وما زلنا نناقش، ونختلف، ونبني، ونقاوم.