حقيقة مطالبة صندوق النقد الدولي خصخصة الأصول الاقتصادية المدنية والتابعة للجيش (3-3)


محمود محمد ياسين
2026 / 2 / 19 - 00:21     

كلمة حول مطلب صندوق النقد الدولي خصخصة أصول الجيش الاقتصادية

رغم وصف صندوق النقد الدولي لدعوته للدول المتخلفة تقليص القطاع الاقتصادي المملوك للجيش بانها تمثل إصلاحا اقتصاديا محايدا، الا انها في حقيقتها إعادة هندسة اقتصاد الدولة التابعة لكى يتوافق مع مطلوبات راس المال العالمي. فكما أوضحت في الجزئين الأول والثاني من المقال ان منطق مطلب صندوق النقد الدولي خصخصة الأصول الاقتصادية التابعة للجيش يشابه الذرائع لخصخصة الأصول الاقتصادية العامة (المدنية) التي فرضتها المؤسسة الدولية، منذ ثمانينيات القرن الماضي، على الدول الفقيرة بدعوى ان الملكية العامة تعيق حرية حركة رأس المال المرتبط بالخارج؛ وعلى راس هذه الحجج هو ان القطاع العام، بما فيه المؤسسات الاقتصادية الخاضعة للجيش، لا يتيح لراس المال العالمي فرصا كبيرة للنفاذ في الأصول الاقتصادية العامة وبالتالي يحد من قدرته على ضبط الموارد الاستراتيجية وتحويل الفائض المحلي للخارج.

ان ضغط صندوق النقد الدولي من أجل تفكيك القطاع الاقتصادي (الذى بالطبع لا يشمل الصناعات الدفاعية) التابع للجيش لا يستهدف إنهاء الطابع العسكري للاقتصاد، بل إعادة توزيع الملكية لصالح قوى مدنية– كومبرادورية أكثر اندماجا في السوق العالمية، قادرة على تحويل الأصول العامة إلى أدوات لتراكم خاص مرتبط بالخارج. وعليه، فإن نقل ملكية الأصول الاقتصادية من المؤسسة العسكرية إلى القطاع الخاص في ظل استمرار شروط التبعية البنيوية يشكل انتقالا شكليا يحافظ على بقاء اقتصاد الدولة التابعة محكوما بنفس وظيفته داخل تقسيم العمل الدولي غير المتكافئ. لكن يجدر الانتباه الى ان المشكلة ليست في ملكية الأصول الاقتصادية، التابعة للجيش، في حد ذاتها، بل في منطق وظيفتها التي حددتها هياكل التبعية التي تعمل داخلها؛ وهكذا، يجب التفريق بين انقطاع الملكية عن سيطرة الجيش وبين استمرار منطق التبعية وهياكلها البنيوية.

إن نقل ملكية المؤسسات الاقتصادية من المؤسسة العسكرية إلى القطاع الخاص قد ينهي قانونيا السيطرة المباشرة للجيش عليها، لكنه لا يعني بالضرورة تحولًا في البنية الاقتصادية للقوى الاجتماعية الحاكمة أو في موقع الاقتصاد المتخلف ما دامت الهيمنة الخارجية على الاقتصاد قائمة؛ فالعبرة ليست بهوية المالك، بل بالفكر السياسي (political thought) الذى ينظم توجيه الموارد ويحدد أنماط الاندماج في السوق العالمية. وعليه، ما دامت المحددات البنيوية للتبعية قائمة، فإن تفكيك القطاع الاقتصادي العسكري لا يعني، في هذه الحالة، تفكيكا (dismantling) لنمط معينا من التنظيم الاقتصادي، بل يظل تحولا شكليا لا يمس بالوظيفة، المرخص لها رسميا (authorized)، التي يعيد من خلالها القطاع المعدلة ملكيته إنتاج علاقات التبعية.

ان خصخصة الأصول الاقتصادية المملوكة للجيش (مثلها مثل الأصول العامة "المدنية") لكى تكون عاملا فاعلا في بناء تنمية وطنية مستقلة، يجب ان تتم في اطار نموذج جديد من الاندماج الإيجابي في العالم مخالف لنموذج التبعية السائد. هناك منطقان في التعامل مع مسالة الخصخصة : منطق يصور الخصخصة كحل تقني لمشكلة سياسية–اقتصادية يشوبها التعقيد ويختزل الإشكال في ثنائية ليبرالية تتصف بالتجريد (عسكرية/مدنية). يقابل هذا المنطق الاختزالي منطق يرى ان الخصخصة لا تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج التبعية في شكل أكثر "مدنية"، دون مساس حقيقي بمنطق السيطرة الخارجية التي تتمحور اهدافها في تحقيق الفوائد الاقتصادية، من استخدام مقدرات الدول المتخلفة، ونقلها للخارج.