في مؤتمر اتحاد عمال السيارات 2026: النقابي شون فاين يطرح ضرورة إعادة وضع الصراع الطبقي في صلب النقاش العام الأميركي.


جهاد عقل
2026 / 2 / 12 - 11:09     

مقدمة
عقدت نقابة اتحاد عمال صناعة السيارات( United Automobile Workers) مؤتمرها السياسي نصف السنوي في واشنطن ، شمل المؤتمر برنامج العمل المجتمعي (CAP) السياسي نصف السنوي الذي عقد في واشنطن العاصمة خلال الفترة من 8 إلى 11 شباط/فبراير، بمشاركة نحو ألف عضو من مختلف أنحاء الولايات المتحدة.
وقد ركّز المؤتمر على الرؤية السياسية للنقابة وأولوياتها الأساسية، وتشمل الأجور، والرعاية الصحية، والتقاعد، ووقت الإجازات، إضافة إلى مناقشة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه العمال في ظل السياسات الاقتصادية الراهنة.
شكّل اليوم الثاني من مؤتمر CAP الوطني 2026 محطة سياسية ونقابية بارزة، أعادت وضع الصراع الطبقي في صلب النقاش العام الأميركي، لا بوصفه نزاعًا تقنيًا حول الأجور وشروط العمل فحسب، بل باعتباره معركة على مستقبل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
في هذا السياق، برز خطاب رئيس الاتحاد شون فاين (Shawn Fain) كأحد أكثر الخطابات النقابية وضوحًا وحدّة في السنوات الأخيرة، واضعًا مواجهة سلطة المليارديرات في قلب المشروع النقابي للاتحاد حتى عام 2028. حين قال إن تركز الثروة في أيدي قلة يهدد الديمقراطية ذاتها، لم يكن يطلق توصيفًا بلاغيًا، بل قدّم تشخيصًا سياسيًا مباشرًا للأزمة الأميركية الراهنة.

من النقابة إلى السياسة: قيادة شون فاين

لم يقدّم النقابي شون فاين خطابًا تقليديًا يقتصر على شؤون المفاوضة الجماعية، بل طرح رؤية تعتبر أن الدفاع عن حقوق العمال لم يعد ممكنًا من دون مواجهة المنظومة السياسية–الاقتصادية التي تخدم رأس المال الكبير. ومن هنا، جاء رفضه الصريح لسياسات "فرّق تسد" ودعوته إلى وحدة الطبقة العاملة باعتبارها خيارًا استراتيجيًا، لا مجرد شعار تعبوي.
بهذا المعنى، يعكس خطاب فاين تحوّلًا نوعيًا في دور القيادة النقابية داخل نقابة اتحاد عمال السيرات (UAW): من قيادة تفاوضية إلى قيادة طبقية ذات مشروع سياسي واضح، تربط بين العدالة الاقتصادية والدفاع عن الديمقراطية، وبين قوة التنظيم النقابي والتأثير في القرار العام.

القضايا الأربع: برنامج صراع اجتماعي

القضايا الأربع الأساسية التي طُرحت خلال المؤتمر—ضمان الأمن التقاعدي، والرعاية الصحية، والوقت خارج العمل، وربط النضال النقابي بالعمل السياسي—لم تُقدَّم كمطالب جزئية أو تقنية، بل كـبرنامج صراع اجتماعي شامل.
فالأمن التقاعدي، في خطاب فاين وقيادة الاتحاد، ليس امتيازًا، بل حق بعد عقود من العمل. والرعاية الصحية ليست أداة ابتزاز بيد الشركات، بل حق إنساني. أما الوقت خارج العمل، فهو جزء من الحق في الحياة الكريمة، لا ترفًا إضافيًا.

مؤتمر CAP: منصة الربط بين التنظيم والسياسة

يُعد مؤتمر CAP- (Community Action Program) المؤتمر السياسي الوطني لاتحاد UAW، والمنصة التي يحدد عبرها الاتحاد أولوياته التشريعية واستراتيجيته السياسية وعلاقته بالعمل الانتخابي والتنظيم القاعدي.
وعقد هذا المؤتمر النقابي الوطني على مدى عدة أيام متتالية، ويشمل كلمات قيادية، وجلسات سياسية مع حلفاء من الحركة العمالية والكونغرس، إضافة إلى ورش عمل متخصصة تُبنى حول القضايا الأساسية للاتحاد.
لقد كان الهدف المركزي من المؤتمر، هو ربط طاولة المفاوضات بصندوق الاقتراع، وتعبئة عضوية الاتحاد للعب دور فاعل في المعارك التشريعية والسياسية المقبلة، وصولًا إلى استحقاقات عام 2028، وهو ما شدد عليه النقابي شون فاين باعتباره شرطًا لحماية أي مكسب نقابي.

السياق النقابي الدولي: خطاب محلي بلغة عالمية

يأتي خطاب شون فاين في لحظة تشهد فيها الحركة النقابية الدولية تصاعدًا في المواجهة مع النيوليبرالية، وتزايد نفوذ الشركات متعددة الجنسيات، وتآكل الحقوق الاجتماعية والديمقراطية في بلدان عديدة.
فمن أوروبا إلى أميركا اللاتينية وأفريقيا، تعيد النقابات طرح قضايا العدالة الضريبية، وأمن التقاعد، والرعاية الصحية، وتقليص زمن العمل، بوصفها معارك مترابطة في مواجهة نموذج اقتصادي قائم على تركّز الثروة وتقويض الحقوق الجماعية.
بهذا المعنى، ينسجم خطاب النقابي فاين واتحاد نقابات عمال السيارات UAW مع التوجهات التي تطرحها الحركة النقابية العالمية، ولا سيما داخل أطر نقابية عمالية دولية ، التي تؤكد أن أزمة العمل اليوم هي أزمة نموذج اقتصادي–سياسي عالمي، لا أزمة سياسات قطاعية معزولة. ومن هنا، يكتسب خطاب فاين بعدًا دوليًا، بوصفه جزءًا من موجة نقابية أوسع تسعى إلى إعادة السياسة إلى قلب الصراع الاجتماعي.

كيف تتحول النقابة من أداة دفاع إلى قوة تغيير اجتماعي وسياسي؟

أكد مؤتمر CAP الوطني 2026، من خلال خطاب شون فاين، أن اتحاد نقابات عمال السيارات UAW في الولايات المتحدة الأمريكية ،يتجه نحو مرحلة جديدة من العمل النقابي، قوامها المواجهة المفتوحة مع سلطة رأس المال، وبناء وحدة طبقية واسعة، وربط النضال العمالي بالدفاع عن الديمقراطية نفسها.
إن ما عبّر عنه شون فاين في مؤتمر CAP الوطني 2026 لا يخص اتحاد عمال السيارات وحده، بل يعكس تحوّلاً أوسع داخل الحركة العمالية المعاصرة، حيث تعود النقابة لتكون فاعلاً سياسياً واجتماعياًً، لا مجرد طرف تفاوضي. ففي عالم تتسع فيه الفجوة بين العمل ورأس المال، وتتآكل فيه الديمقراطية تحت ضغط المصالح الرأسمالية الكبرى، يصبح دور النقابات في الدفاع عن العدالة الاجتماعية والحقوق الجماعية دورًا لا غنى عنه.
من هنا، تكتسب تجربة اتحاد UAW وخطابه السياسي الراهن أهمية تتجاوز السياق الأميركي، وتقدّم دروسًا للحركة النقابية العربية والدولية حول كيفية الربط بين النضال الاقتصادي، والتنظيم القاعدي، والعمل السياسي الديمقراطي، بوصفها مسارات متكاملة في معركة واحدة من أجل الكرامة والعدالة.
إنها مقاربة تعيد الاعتبار للدور التاريخي للنقابات، وتطرح سؤالًا يتجاوز الولايات المتحدة إلى الحركة النقابية العالمية: