في نقد أروع قصائد شاعر الوطن: مظفر النواب
جعفر حيدر
2026 / 2 / 11 - 00:14
في نقد أروع قصائد شاعر الوطن مظفّر النواب
بقلم: جعفر حيدر
نص القصيدة:
أراكَ بكلِّ المرايا
على صهوةٍ من ضياءٍ
وتخرجُ منها
فأذهلُ أنك أكثرُ منا حياةً
ألستَ الحسينَ بنَ فاطمةَ وعليّ
لماذا الذهول؟
قد تعلّمتُ منك ثباتي
وقوّة حزني وحيدًا
فكم كنتَ يوم الطفوف وحيدًا
ولم يكُ أشمخُ منك
وأنتَ تدوسُ عليكَ الخيول
من بعيدٍ رأيتُ
ورأسُك كان يُحزّ
حريقَ الخيام
على النارِ أسبلتَ جفنيكَ
حلمًا
بكى اللهُ فيكَ بصمتٍ
وتمَّ الكتاب
فدمعُكَ كان ختامَ النزول
مذْ أبيتَ
يبايعكَ الدهر
وارتابَ في نفسه الموت
مما يراك
بكل شهيد
فأين تُرى جنةٌ
لتوازنَ هذا مقامكَ
هل كنتَ تسعى إليها حثيثَ الخطى
أم تُرى جنةُ الله
كانت تريدُ إليكَ الوصول؟
واقفٌ وشجوني ببابكَ
ما شاغلني جنةُ الخلد
ولا أستجيرُ من النار
لكنني فاض قلبي بصوتكَ
تستمطرُ اللهَ قطرةَ ماء
تُطيلُ وقوفكَ
ضد يزيد
إلى الآن
للهِ مما بتاريخنا من مغول
ومما به من ذُرى لا تُطال
وعنها انحدارُ السيول
إننا في زمانٍ يزيد
كثيرِ الفروع
وفي كل فرعٍ لنا كربلاء
وكشفُ إحدى وعشرين عمرو بن عاصٍ ونصف
نعم ثم نصف
يفتشُ روثَ بني قينقاع
ويرضى قرادَ الحلول
إذا كان يرضاه يومًا
قرادُ الحلول
يا إمامَ الشهادة
عهدٌ على عاشقي كبرياء السماوات
في ناظريك
نقاوم
نعرفُ أن القتالَ مرير
وأن التوازنَ صعب
وأن حكوماتِنا في ركاب العدو
وأن ضعافَ النفوس
انتموا للذئاب
وعاشت ذئابٌ من الطائفية
تفتكُ بالناس
ما أنتَ طائفة
إنما أمةٌ للنهوض
تواجهُ ما سوف يأتي
إذ الشرُّ يعلنُ دولته بالطبول
لستُ أبكي
فإنكَ تأبى بكاءَ الرجال
ولكنها ذرفتني أمام الضريح عيوني
يُطافُ برأسكَ فوق الرماح
ورأسُ فلسطينَ أيضًا يُطافُ به
في بلاد العروبة
يا للمروءة
والعبقرية بالجبن
أما العراق
فيُنسى لأن ضريحكَ
عاصمةُ الله فيه
وجودُ بنيه أقلُّ من الجود والروح
جودٌ خجول
وطني رغم كل الرزايا
يسلُّ على الموت كل صباح
ويُغمد في الحزن كل مساء
وينهض ثانية
والصباحاتُ بين يديه
بطاقاتُ عرس
وتبقى الثريّا معلّقةً فوقه
إسوةً بالثريات
فوق ضريحك
يا رب نوّر بتلك الثريات وجهي
وبالطلع
والرفقة الثابتين على الدرب
عرضًا وطول
ها أنا عُرضةٌ للسهام
التحاقًا بموقفك الفذ
يوم ترجلتَ بين الرماح
وأنتَ الذي بيديكَ عنانُ خيول الزمان
فما وقفةُ العزِّ يوم
ولكنها زمان
وهذا العراق
وقد رجلته جيوشُ الحصار
وحيدًا يصول
وكأن العروبة
لا ترى
كيف يُحتزُّ رأسُ العراق
وكيف تُقطّع أوصاله
ويطوف يزيدُ به في البلاد
وواهٍ من الانكسار المرير بعين الرجال
يمدّون أيديهم لزمانٍ لئيم
أكرموه
ولم ألقَ مثل العراق
كريمًا خجولًا
النقد:
هذه القصيدة من النصوص التي لا تُقرأ بوصفها فعل كتابة فحسب، بل بوصفها موقفًا وجدانيًا وفكريًا مكتملًا، إذ تنطلق من رؤية ترى في الإمام الحسين معيارًا أخلاقيًا كونيًا لا حدثًا تاريخيًا مغلقًا، وتتعامل معه بوصفه حياةً فائضة لا تنتهي بالموت، ولهذا جاء المطلع موفقًا حين جعل الحسين حاضرًا في كل المرايا على صهوة من ضياء، وهي صورة تؤسس منذ البدء لخطاب شعري رؤيوي يتجاوز الرثاء إلى التأمل الوجودي العميق. قوة النص الأساسية تكمن في صدقه العالي، إذ كُتب من موضع إيمان وتجربة داخلية لا من موضع تزيين لغوي، وهذا الصدق منح اللغة حرارة واضحة وجعل الصور مشحونة بطاقة وجدانية متصلة، فبدت كربلاء هنا لحظةً تتكرر في كل زمان، ويتحوّل الحسين إلى بوصلة أخلاقية يُقاس بها الحاضر السياسي والإنساني. ينجح الشاعر في بناء شبكة رمزية متماسكة تجمع بين الرأس والخيام والدم والجنة والموت والزمان دون أن يفقد مركز الرؤية، كما يحسن الربط بين الماضي والحاضر حين ينتقل من الطف إلى فلسطين والعراق والعروبة، رابطًا بين الاستباحة التاريخية والاستباحة المعاصرة بسلاسة فكرية تحافظ على نفس القصيدة. لغويًا، النص غني ومشحون، يعتمد على الانزياح أكثر من التقرير، وتبرز فيه جرأة تصويرية عالية في مقاطع مثل ارتياب الموت وبكاء الله بصمت، وهي صور لا تقع في الابتذال ولا تكرر الموروث، بل تعيد صياغته برؤية معاصرة. الإيقاع الداخلي متدفق ويعتمد على الجملة الطويلة والنبرة الخطابية الواعية، ما يمنح القصيدة طابع الوقفة الكبرى لا المقطوعة الجزئية، ويضع القارئ في حالة إنصات متصل، ورغم أن هذا التدفق يقود أحيانًا إلى الإطالة أو التكرار النبري، إلا أن ذلك لا يُضعف النص بقدر ما يكشف انحياز الشاعر للموقف والمعنى على حساب الزخرف. الخطاب السياسي المباشر في بعض المواضع، على الرغم من اقترابه من التصريح، يبقى منسجمًا مع روح القصيدة بوصفها نص مقاومة لا بكائية، إذ لم يُختزل الحسين في طقس حزن، بل قُدّم بوصفه أمةً للنهوض ومعيارًا دائمًا للعدل، ولذلك يخرج القارئ من النص وهو محمّل بالسؤال لا بالشفقة، وبالوعي لا بالدمعة. هذه قصيدة تمتلك رؤيتها وصوتها وجرأتها، وتؤكد أن مظفر النواب هنا لا يكتب عن الحسين، بل يكتب من داخله، ومن داخل زمنٍ ما زال يزيده قائمًا بأشكال شتى.