العظام والمهام
جعفر حيدر
2026 / 2 / 8 - 09:03
بقلم / جعفر حيدر
تُعدّ العِضام وما يرتبط بها من رموز ومعتقدات شعبية جزءًا من الإرث الثقافي الذي عاش داخل المجتمعات القديمة واستمر تأثيره حتى في الأزمنة الحديثة، ولا يزال المجتمع العراقي يحتفظ بجزء من هذه الثقافة التي تتناول فكرة استخدام بعض العظام أو الرموز الحيوانية لتحقيق أهداف مختلفة مثل الحماية، تسهيل المهمات، جلب الخير، أو دفع الشر، ويأتي في مقدمة هذه الرموز الشعبية ما يُعرف بناب الذئب الذي يعتقد الكثيرون أنه يمنح صاحبه قوة وهيبة ويحميه من الحسد والعين، وهو اعتقاد قديم تمتد جذوره إلى تصور الإنسان للذئب بوصفه حيوانًا ذا شجاعة وقوة وصمود، لذلك تحوّل ناب الذئب إلى رمز يراه البعض وسيلة لحماية النفس من الخطر أو تعزيز الشخصية، وفي السياق نفسه يظهر ما يُسمى بعظم الهدهد، وهو من أعجب المعتقدات الشعبية المتداولة في بعض المناطق، إذ يُقال إن للهدهد أسرارًا وقدرات مرتبطة بالإلهام والكشف والحدس والتمييز بين الخير والشر، لذلك انتشرت بين الناس فكرة أن عظم الهدهد قادر على تسهيل المهمات، فتح الأبواب المغلقة، أو كشف نوايا الآخرين، وقد حمل الناس هذا الاعتقاد من تأويلات قديمة ترتبط بالهدهد في القصص الدينية والتراثية كونه الطائر الذي يعرف الطريق والذي ظهر في قصة سليمان بلغة الحكمة والبحث والاكتشاف، وبهذا امتزج الخيال الشعبي بالدين والأسطورة ليكوّن صورة عن عظم الهدهد باعتباره وسيلة “غير مرئية” للمساعدة وتسهيل الأمور، ومع مرور الزمن دخلت هذه الموروثات ضمن منظومة أكبر تتعلق بما يُسمى بالتمائم والخرز والعظام التي يستخدمها بعض الأفراد للاطمئنان النفسي أو لرفع العوائق في حياتهم، وعلى الرغم من أن العلم الحديث لا يعترف بأي تأثير فعلي لهذه العظام، إلا أن وجودها في الثقافة الشعبية يعكس حاجة الإنسان منذ القدم للبحث عن أدوات تمنحه شعورًا بالسيطرة على المجهول، فالمجتمع العراقي، مثل غيره من المجتمعات، عاش مراحل صعبة من الفقر والحروب والضغوط، وهذه الظروف كانت دائمًا بيئة خصبة لانتشار المعتقدات التي تمنح الناس شعورًا بالأمان أو بالأمل في تخطي الصعوبات، ومن هنا أصبحت فكرة “تسهيل المهمات” جزءًا من اللاوعي الجمعي الذي يبحث عن حلول سريعة ورمزية تُخفف الضغط الداخلي، ومع ذلك فإن هذه المعتقدات لا تُعدّ علمًا ولا يعتمد عليها العقل الحديث، لكنها تبقى جزءًا من التاريخ الاجتماعي والثقافي الذي يجب فهمه لاستهلال جذوره وطرق انتشاره وتأثيره على سلوك الأفراد، لأن دراسة هذه الظواهر تكشف جانبًا مهمًا من التكوين النفسي للشعوب التي تلجأ إلى الرموز حين تضيق بها الظروف، وهكذا يمكن القول إن العظام مثل ناب الذئب أو عظم الهدهد ليست مجرد قطع تُباع وتُشترى، بل هي مخزون رمزي ضخم يعبر عن صراع الإنسان القديم مع الخوف والرغبة في القوة والحماية، وهي جزء من تراث طويل ما زال حاضرًا في حياة الناس وإن اختلفت طرق التعامل معه بين الإيمان والتشكيك، لكنها في النهاية تبقى مرآة واضحة لطبيعة المجتمع وثقافته واحتياجاته الروحية والنفسية.