الدولة كطبقة: في نقد الماهية والهيمنة وإمكان التماهي ليث الجادر...2


ليث الجادر
2026 / 2 / 6 - 02:55     

الفصل الثاني
الدولة المستقلة وآليات تحييد الصراع: من إدارة الاحتجاج إلى إعادة إنتاج الهيمنة
إذا كان الفصل الأول قد بيّن أن الدولة الحديثة لا تُختزل إلى كونها أداة بيد طبقة بعينها، بل تتكثف بوصفها بنية فوقية ذات ميل استقلالي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس سؤال النشأة بل سؤال الاشتغال: كيف تعمل هذه الدولة حين تواجه الصراع الاجتماعي؟ وكيف تنجح، لا في قمعه فحسب، بل في إعادة توجيهه بما يحفظ موقعها كسلطة متعالية على الطبقات؟
لا يُعالج هذا الفصل الاحتجاجات بوصفها تعبيرًا أخلاقيًا عن الغضب أو بوصفها إخفاقًا في الوعي، بل بوصفها لحظة اختبار لقدرة الدولة على إعادة إنتاج هيمنتها، لا عبر العنف المباشر فقط، بل عبر تحويل الصراع من اشتباك مع الماهية إلى نزاع حول الإدارة.
1. من الصراع الطبقي إلى الصراع على الإدارة
تاريخيًا، نادرًا ما يتجه الصراع الاجتماعي، حتى في لحظاته القصوى، إلى استهداف الدولة بوصفها بنية. ما يتكرر هو انتقال الصراع من مستوى العلاقات الاجتماعية المنتجة للهيمنة إلى مستوى النظام السياسي بوصفه واجهتها المتغيرة. هذا الانتقال ليس عارضًا، بل هو نتيجة مباشرة لنجاح الدولة الحديثة في فصل ذاتها رمزيًا وعمليًا عن النظام، وتقديم نفسها كإطار عام محايد قابل للإصلاح.
بهذا المعنى، لا تُقمع الاحتجاجات دائمًا؛ كثيرًا ما تُستوعَب. يجري تفريغها من بعدها البنيوي، وإعادة صياغتها كمطالب إصلاحية، أو أخلاقية، أو إجرائية، دون المساس بالشروط التي تجعل الدولة قادرة على إعادة إنتاج ذاتها كطبقة فوق الطبقات.
الدولة لا تواجه الصراع الطبقي بوصفه تهديدًا وجوديًا لها، بل بوصفه مادة قابلة للإدارة. إنها لا تنفي الصراع، بل تنظّمه، تُقنّنه، وتعيد إدخاله في مسارات لا تمس موقعها الفوقي.
2. العراق: استعادة الدولة بوصفها مطلبًا لا موضوعًا للنقد
في التجربة العراقية، تتجلى هذه الآلية بوضوح فادح. فالموجات الاحتجاجية الواسعة، على حدّتها واتساعها الاجتماعي، لم تتجه يومًا إلى تفكيك الدولة بوصفها بنية، بل جعلت من “الدولة” ذاتها موضوعًا للمطالبة: دولة سيادة، دولة خدمات، دولة قانون.
العداء وُجِّه إلى النظام السياسي، إلى النخب، إلى الفساد، إلى المحاصصة، لكن الدولة بوصفها جهازًا فوقيًا ظلّت خارج نطاق الاستهداف. لم يكن ذلك نتيجة وعي زائف بسيط، بل لأن الدولة نجحت في ترسيخ ذاتها كأفق وحيد ممكن للتنظيم الاجتماعي، حتى وهي تمارس الإخضاع.
هنا تظهر الدولة لا كأداة فاشلة، بل كسلطة ناجحة: سلطة تمكّنت من تحويل الغضب الاجتماعي إلى طلبٍ بإصلاحها، لا مساءلتها في ماهيتها. وبذلك، أُعيد إنتاجها كضرورة، حتى لدى الفئات التي تتلقى عنفها يوميًا.
3. فرنسا: الصراع داخل الإطار الجمهوري
في فرنسا، حيث الدولة الرأسمالية في صورتها المتقدمة، لا يقلّ المشهد دلالة. الاحتجاجات ضد إصلاحات التقاعد، وضد سياسات التقشف، ورغم طابعها الجماهيري والتنظيمي، تبقى محصورة داخل الإطار الجمهوري ذاته الذي يشكّل أحد أعمدة الضبط الطبقي.
الدولة هنا لا تظهر كقوة قمع فظة فقط، بل كوسيط قانوني–مؤسسي يعيد تعريف الصراع باستمرار. النقابات، القضاء، البرلمان، والشارع—كلها تعمل داخل فضاء تنظيمي واحد يُبقي الدولة خارج دائرة المساءلة الجذرية.
الصراع لا يُلغى، بل يُدار. وما يُدار لا ينقلب بسهولة إلى تهديد بنيوي. هكذا تتحقق وظيفة الدولة المستقلة: امتصاص التناقضات دون السماح لها بتجاوز الإطار الذي يضمن استمرارها.
4. إيران: الاشتباك السياسي وحدود تفكيك الدولة
أما في الحالة الإيرانية، حيث يبدو الاشتباك السياسي أكثر حدّة، فإن الآلية ذاتها تعمل وإن بأدوات مختلفة. فحتى في لحظات الاحتجاج القصوى، يظل الصراع موجّهًا نحو السلطة الحاكمة، نحو شكل الحكم، نحو الأيديولوجيا المهيمنة، لا نحو الدولة بوصفها جهازًا فوقيًا يعيد إنتاج السيطرة بغض النظر عن الأشكال.
الدولة، هنا أيضًا، تنجح في النجاة من النقد البنيوي، عبر ربط ذاتها بفكرة الاستقرار، السيادة، أو الخطر الخارجي، وتقديم أي مساس بها بوصفه انزلاقًا إلى الفوضى. وهكذا، يُعاد إنتاج الخوف بوصفه أداة سياسية مكمّلة للعنف.
5. لماذا لا يقود هذا النقد إلى الأناركية؟
إن توصيف الدولة كسلطة فوقية مستقلة نسبيًا لا يعني تبنّي موقف أناركي. فالأناركية ترفض السلطة بوصفها مبدأً، وترى في الدولة بنية يجب تفكيكها كليًا. أما هذا الطرح، فينطلق من الإقرار بأن الدولة، تاريخيًا، ليست خيارًا يمكن تجاوزه بإرادة سياسية أو أخلاقية، وأن غيابها لا يعني تحرر العلاقات الاجتماعية، بل انكشافها أمام أشكال أكثر عنفًا من السيطرة.
نقد الدولة هنا لا يستهدف وجودها، بل تحولها البنيوي إلى طبقة قائمة بذاتها. الصراع ليس ضد التنظيم، بل ضد احتكار التنظيم. ليس ضد السلطة، بل ضد تعاليها وانفصالها عن الأغلبية المنتجة.
بهذا المعنى، يظل هذا الطرح واقعانيًا، لا طوباويًا، ويضع نفسه داخل تقليد ماركسي موسّع يعترف باستقلال الدولة النسبي دون أن يُضفي عليها حيادًا زائفًا.
6. إعادة التماهي: إمكان تاريخي لا وعد أخلاقي
إذا كانت الدولة تميل، بحكم بنيتها، إلى الاستقلال والتحول إلى سلطة فوق الطبقات، فإن إعادة ربطها بمصالح الأغلبية الأجيرة لا يمكن أن تكون نتيجة تلقائية للصراع، ولا ثمرة إصلاح إداري. إنها إمكان تاريخي مشروط، يتطلب اشتباكًا منظمًا داخل الدولة لا خارجها فقط.
إعادة التماهي بين الماهية المجردة للدولة ومصالح الأغلبية لا تتحقق إلا عبر:
تفكيك احتكار النخب لتمثيل “المصلحة العامة”،
فرض توازنات داخل أجهزة الدولة نفسها،
وتحويل الدولة من جهاز لإدارة التفاوت إلى أداة لضبطه لصالح الأغلبية.
من دون ذلك، تعود الدولة إلى وظيفتها الأرسخ: إدارة الصراع بما يضمن استمرارها، لا حسمه.
7. خلاصة الفصل
ما يثبته هذا الفصل هو أن الدولة المستقلة لا تواجه الصراع الطبقي بالقمع وحده، بل بآليات تحويله، تحييده، وإعادة إدخاله في مسارات لا تمس موقعها الفوقي. الاحتجاجات، مهما بلغت حدتها، تظل عرضة للاستيعاب ما دامت لا تشتبك مع ماهية الدولة ذاتها. ومن هنا، لا يكون تجاوز هذا المأزق ممكنًا إلا عبر صراع يعيد تعريف الدولة لا كغاية، بل كمجال نزاع مفتوح على إعادة التماهي أو الانفصال.