تاريخ الثورة العالمية للرأسمالية
حازم كويي
2026 / 2 / 5 - 15:42
نيلسون ليشتنشتاين(*)
ترجمة: حازم كويي
الرأسمالية نظامٌ اقتصادي يعمل على نطاق عالمي، ولذلك فإن أي سردٍ تاريخيٍّ لصعوده لا بد أن ينظر إلى العالم بأسره. في كتابه الجديد «الرأسمالية: تاريخ ثورة عالمية» يقدّم المؤرخ سفين بيكرت دراسة تقوم بهذا الأمر تحديداً.
كتاب سفين بيكرت الجديد والثقيل الوزن كتابٌ طموح على نحوٍ لافت.
فالمؤرخ في جامعة هارفارد – الذي قدّم إسهامات رائدة في تطوير سرديات جديدة تدرس كيف تحوّلت الرأسمالية، في تغيّرها الدائم، إلى ظاهرة متجذّرة اجتماعياً وثقافياً – يقدّم عرضاً تاريخياً كاشفاً ومدعوماً ببحثٍ معمّق. وعلى امتداد أكثر من ألف صفحة، يقدّم بيكرت خلاصةً، وأحياناً إعادة صياغة، لما يقارب كل ما تعلّمناه عن تاريخ الرأسمالية، وليس فقط في المجتمعات الأكثر دراسةً في منطقة شمال الأطلسي.
إنه تاريخ عالمي، كما يؤكد بيكرت، لأن الرأسمالية كانت «دائماً» «نظاماً اقتصادياً
عالمياً». وهو يكتب ضمن تقليد تحليل النظم-العالمية على طريقة فرناند بروديل وإيمانويل والرشتاين، متتبعاً الروابط والتوازيّات والتحوّلات التي جرت عبر ما يقرب من ألف عام من التاريخ الاقتصادي والاجتماعي.
كان المؤرخ مارك بلوخ قد صرّح ذات مرة بأن الملاحظة الدقيقة لعالم الحياة اليومية لا تقل أهمية لفهم التاريخ عن الوقت الذي يُقضى في الأرشيفات. ويبدو أن بيكرت يوافقه الرأي بوضوح: فكتابه ليس ثمرة عملٍ أرشيفي موسّع فحسب، بل هو أيضاً نتاج زيارات ميدانية إلى مصانع، ومزارع، ومستودعات، ومحطات سكك حديدية، وموانئ، وفيلات، ومساجد، وكنائس، وبيوت تجار، من بنوم بنه إلى السنغال، ومن سمرقند إلى أمستردام، ومن تورينو إلى باربادوس.
ويمكنني أن أؤكد شخصياً أهمية مثل هذه الرحلات: فعندما زرتُ قبل عشرين عاماً دلتا نهر اللؤلؤ في الصين (التي كانت آنذاك في طور التحوّل إلى «مصنع العالم»)، لم أحصل فقط على نظرة داخلية إلى سلاسل التوريد والإمداد الخاصة بشركة وول مارت، بل اكتسبت أيضاً فهماً حدسياً أعمق لما لا بد أن مدينة ديترويت المزدهرة قد بدت عليه قبل قرنٍ من الزمن.
لا توجد «رأسمالية فرنسية» ولا «رأسمالية أميركية»، كما يكتب بيكرت، «بل توجد رأسمالية في فرنسا وفي أميركا». وقد وُجدت – أو لا تزال توجد – رأسمالية في العالم العربي، وفي الهند، والصين، وأفريقيا، وحتى لدى الأزتيك(كان الأزتيك أعضاءاً في حضارة أمريكا الوسطى التي أنشأت ثقافة راقية ازدهرت بين القرنين الرابع عشر والسادس عشر.المترجم).
وعند عرضه لتاريخ التجار والوسطاء التجاريين في النصف الأول من الألفية الثانية، يضع بيكرت أوروبا في الخلفية في البداية. وبدلاً من ذلك، يقدّم عرضاً تفصيلياً – ومجهولاً إلى حدّ كبير خارج الأوساط المتخصصة – لكيفية ازدهار المؤسسات الضرورية للتجارة والأسواق (مثل الائتمان، والمحاسبة، وشركات التوصية، والتأمين، والنظام المصرفي) في
مناطق أخرى من العالم، سواء في عدن، أو كامباي، أو مومباسا، أو غوانغتشو، أو القاهرة، أو سمرقند.
وقد كانت جميع هذه المدن «جزراً لرأس المال» – وهي استعارة تتكرر في كتاب بيكرت. فمدينة عدن، على سبيل المثال، كانت في القرنين الثاني عشر والثالث عشر مركزاً لشبكة كثيفة من التجار الذين أدّوا دوراً محورياً في التجارة بين العالم العربي والهند. وكانت مدينة محصّنة بشكل جيد، كوزموبوليتية الطابع، يقطنها يهود، وهندوس، ومسلمون، وقلة من المسيحيين.
يكتب بيكرت أن هؤلاء الناس كانوا أوائل الرأسماليين في العالم.
فقد استثمروا المال، وحققوا الأرباح، ولم يكونوا يتنقّلون مع بضائعهم، بل ظلّوا في أماكنهم يديرون التجارة مع شركاء يبعدون عنهم أحياناً مسافات شاسعة. وعلى متن السفن الشراعية من طراز الداو، الشائعة في المنطقة، كان من الممكن نقل كميات من البضائع تعادل ما يمكن أن يحتويه حاويتان حديثتان. وكانت الرحلة الدائرية من القاهرة مروراً بعدن إلى الهند ثم العودة تستغرق عامين كاملين.
وعلى الرغم من الفوارق الكبيرة في حجم التجارة وسرعتها مقارنة بالعصر الحديث، يرى بيكرت أن تجّار عدن عاشوا في «عالم حديث على نحوٍ مدهش». وعلى خلاف نبلاء الأراضي في أوروبا وغيرها، لم يكتسب هؤلاء ثرواتهم عبر النهب، أو الضرائب، أو الجبايات، بل من خلال استخدام السوق: الشراء بأرخص سعر ممكن والبيع بأعلى سعر ممكن. وقد جرى هذا النمط من النشاط حتى داخل ما يُسمّى بالاستبدادات الشرقية، التي كان كارل ماركس يعدّها شديدة الهرمية والخنق الاجتماعي.
كما يعثر بيكرت في إمبراطورية المغول في الهند على منافسة سياسية نشطة وحيوية في صفوف التجّار. ففي تلك الإمبراطورية، لم يكن السلطان ومستشاروه سوى سلطة فضفاضة فوق الحكّام المحليين. وخلف السلالات الحاكمة المتأنّقة والمبالغ في إظهار هيبتها، لم تستطع تلك الدول – التي يُنظر إليها عادة بوصفها أمثلة على «الاستبداد الشرقي» – الاستمرار إلا عبر مفاوضات دائمة مع طبقات مختلفة من السكان، وفي مقدمتهم التجّار، من أجل تأمين الموارد المالية والمواد اللازمة للحروب المستمرة.
في السرد التاريخي الذي يقدّمه بيكرت، يظهر التجّار بوصفهم الثوريين، ولا سيما في المراحل المبكرة.
فقد كانوا آنذاك «رأسماليين بلا رأسمالية»؛ إذ إن أنشطتهم الهادفة إلى الربح كانت محصورة في مدن بعينها. صحيح أن هذه «الجزر» كانت مترابطة عبر طرق التجارة والمسارات البحرية، لكنها ظلت إلى حدّ كبير معزولة وسط فضاءٍ ريفي شاسع، في حين كانت «نخبة تجارية» متناثرة عبر مراكز العالم المختلفة. وبهذا المعنى، لم يكن هؤلاء التجّار سوى «قطرات صغيرة في بحر الحياة الاقتصادية، كانت تياراته الرئيسية تسير وفق منطق مختلف تماماً».
واستناداً إلى أفكار كارل بولاني، يوضح بيكرت أن الغالبية العظمى من سكان العالم كانت تعيش في الريف، حيث كان النشاط الاقتصادي – على حدّ تعبير مارك بلوخ – «منغرساً في العلاقات الاجتماعية». وفي هذا السياق، شكّل التجّار العاملون على نطاق دولي طبقةً أو فئةً خاصة: «فعلى الرغم من المسافات الهائلة والاختلافات الثقافية، كان التجّار من غوانغتشو، وكوجارات، وعدن، أو جنوة، ومن سواحل شرق أفريقيا أو من بخارى، قادرين عموماً على التعرّف بعضهم لبعض».
وفي معالجته لهذه القرون المبكرة، يبحث بيكرت بعناية عن الأنماط المشتركة بين هؤلاء التجّار، دون أن يتوقف طويلاً عند الفوارق الدينية والاجتماعية الواضحة. وهو يدافع عن أطروحة مفادها أن «جزر رأس المال» الأولى هذه ستنفجر يوماً ما داخل المجتمع الأوسع، وستُحدث تحوّلاً جذرياً في كل تلك الروابط القديمة والتقليدية التي ظلّت قائمةً زمناً طويلاً حتى بعد انهيار الإقطاع.
يخالف بيكرت بهذا الطرح المؤرخ روبرت برينر.
فقد أطلق الأخير في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي ما عُرف بـ«جدل برينر»، إذ جادل بأن الرأسمالية – على الأقل في إنكلترا – لا تعود جذورها إلى طبقة التجّار في المدن، بل إلى الريف، حيث خاض مُلّاك الأراضي الجشعون صراعاً طبقياً ضد الفلاحين وصغار المزارعين، الذين كان عيشهم يعتمد على تقاليد راسخة مثل حق الوصول إلى مناطق الصيد والمراعي وجمع الحطب. وكان هؤلاء الفلاحون يستأجرون الأرض من المالك الإقطاعي المحلي مقابل بدل إيجار ثابت، وينطلقون من افتراض أن الأسواق لا تتجاوز نطاق التجارة الإقليمية بالسلع الضرورية للمعيشة.
أما السلع الكمالية، فكانت تُتاجر بها عبر مسافات شاسعة أحياناً، لكنها ظلت حكراً على نخبة صغيرة تشتريها وتبيعها. ولهذا السبب، افترض كارل ماركس أن علاقة التجّار بنمط الإنتاج الإقطاعي كانت علاقة خارجية بحتة، في حين اعتبر موريس دوب في ثلاثينيات القرن العشرين التجّار «طفيليين على النظام الاقتصادي القديم» و«قوة محافظة أكثر منها ثورية». وكذلك رأى برينر فيهم جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الإقطاعي، ومن ثم قوة محدودة الأثر التخريبي.
ومع ذلك، يتوافق كتاب بيكرت في جوهره مع أطروحة برينر القائلة إن إعادة التنظيم الجذرية لإنتاج السلع في الأرياف كانت شرطاً لا غنى عنه لانتصار الرأسمالية عالمياً. ولهذا يخصّص بيكرت فصلين طويلين للغاية لتحوّل الريف وإخضاعه، بدءاً من سياجات الأراضي في العصر الحديث المبكر، مروراً بصعود مزارع السكر الشبيهة بالمصانع، وصولاً إلى التصنيع الأوّلي الذي ساد في القرنين السابع عشر والثامن عشر.
غير أن القوة الدافعة وراء هذه التحوّلات لم تكن، في نظر بيكرت، مُلّاك الأراضي الجشعين الذين أقاموا سياجات جديدة حول المشاعات القديمة، وخلقوا بذلك «سكاناً فائضين» اضطروا إلى الهجرة نحو المراكز الحضرية للعمل المأجور. بل كان الفاعلون الأساسيون هم تجّار طموحون امتلكوا رأس المال (ودعم الدولة) الذي أتاح لهم الشروع في عمليات نزع الملكية وإعادة الاستحواذ هذه، والتي أدخلت علاقات سوق أكثر حداثة إلى الريف.
وتتعارض مقاربة بيكرت أيضاً، جزئياً، مع طرح جوناثان ليفي،الذي صدر كتابه Ages of American Capitalism عام 2021 في أكثر من 900 صفحة، أي بحجم يقارب حجم عمل بيكرت. يرى ليفي أن «تفضيل السيولة» لدى كثير من الرأسماليين، في معظم الأزمنة والأمكنة، كان دائماً في حالة توتر مع وظيفة الاستثمار. وقد أدى ذلك إلى حالة من الجمود ونقص السيولة في بعض أهم الأصول الرأسمالية. ويركّز ليفي على الجوانب المضارِبية والمالية للرأسمالية في شمال الأطلسي منذ القرنين السابع عشر والثامن عشر.
أما بيكرت، فيميل إلى وضع هذه الحالات النفسيةــ الاقتصادية في الخلفية في معظم الأحيان (مع أنه يكتب ببلاغة عن حالات الهلع، والازدهار، والأزمات التي شكّلت سمة من سمات الرأسمالية العالمية منذ أوائل القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا). ويظل محور كتابه الأساسي هو توسّع التجارة والإنتاج، حتى وهو يعرض أصول ومسار أحدث مراحل الرأسمالية، أي النيوليبرالية.
الترابط الكبير
في سياق ما يُعرف بـ«الترابط الكبير» في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، شهد رأسمال التجارة نمواً انفجارياً. صحيح أن اكتشاف «العالم الجديد» كان ذا أهمية حاسمة، لكنه لم يكن العامل الوحيد الذي أسهم في نشوء سوقٍ عالمية. فقد أشار المؤرخون منذ زمن طويل إلى أن الفتح العثماني للقسطنطينية أغلق طريق الوصول السهل إلى الهند والشرق الأقصى، في وقتٍ دفع فيه تراجع الإقطاع الحكّام الأوروبيين إلى البحث عن مصادر جديدة للمال من أجل تمويل الحروب التي كانت شبه دائمة. ولهذا السبب، وجّه التجّار ورعاتهم من الملوك أنظارهم أساساً نحو الغرب.
وفي مثالٍ آخر على ابتعاد بيكرت عن السرد التاريخي التقليدي،يولي اهتماماً أكبر بكثير لاستكشاف واستغلال السواحل الغربية لأفريقيا من قبل جنوة والبرتغال، مقارنةً باكتشاف «العالم الجديد» على يد شخص يُدعى كريستوف كولومبوس. وبهدف الالتفاف على الوسطاء العرب، قامت هذه القوى بـ«استكشاف» الساحل الأفريقي بأكمله نزولاً حتى رأس الرجاء الصالح والدوران حوله. ومع ذلك، فإن السيطرة الأوروبية على المحيط الأطلسي وعلى «العالم الجديد» هي التي منحت الثورة الرأسمالية في نهاية المطاف طابعها الأوروبي ـ المركزي.
إن نمو الدول وطموحاتها وصراعاتها المتبادلة،ولا سيما في أوروبا، عزّز قوة التجّار ونفوذهم. وقد جرى ذلك بطريقتين أساسيتين.
أولاً، تطلّبت الحروب المزمنة في «القرن السادس عشر الطويل» مبالغ مالية هائلة، وقد جاءت هذه الأموال من التجّار والمصرفيين، ما أدى إلى ازدياد نفوذهم في البلاطات الملكية على نحوٍ مطّرد. فالدول كانت تخوض الحروب، والحروب كانت تخلق دولاً جديدة، وكل ذلك أسهم في تعزيز قوة التجّار.
ثانياً، كانت التجارة والإمبراطورية مترابطتين على نحوٍ لا يمكن فصله. ففي كثير من الأحيان، كان من الصعب التمييز بين التاجر والمُحارب أو الحاكم. وكانت شركات الهند الشرقية الهولندية والإنكليزية أشبه بدولٍ مستقلة بذاتها. ويقارن بيكرت هذه الاحتكارات، التي امتلكت آلاف الجنود ومئات السفن، بالفاعلين العنيفين شبه الدولتيين في عصرنا: مثل شركة بلاك ووتر الأميركية ومجموعة فاغنر الروسية.
خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر،اتّسع عالم رأس المال مع انضمام «جزيرة بعد جزيرة» – بالمعنى المجازي والحرفي في آنٍ واحد – إلى الكون التجاري العالمي: سانتو دومينغو عام 1516، ماكاو عام 1557، باتافيا عام 1619، مانهاتن عام 1624، وبربادوس عام 1627. ومن بين هذا التوسع الإمبراطوري المُتعدد، يسلّط بيكرت الضوء على «جزيرتين» على وجه الخصوص، كانت عائداتهما تفوق كل ما عُرف سابقاً.
حوالي عام 1600،تحوّلت بوتوسي إلى أكبر مدينة في القارة الأميركية، إذ فاق عدد سكانها لندن وميلانو وإشبيلية. وهناك، كان 160 ألف إنسان من جبال الأنديز، ومن أفريقيا، ومن أوروبا، يستخرجون نحو 60 في المئة من الفضة المنتَجة عالمياً. وكما هو الحال في معظم «جزر» العالم الجديد التي تركز فيها رأس المال، لم يكن بإمكان بوتوسي أن تزدهر إلا عبر العمل القسري. ففي ظل العبودية، كان آلاف العمّال المنجميين يلقَون حتفهم سنوياً، وغالباً ما كانوا يُسمَّمون بالزئبق، الذي كان ضرورياً لتحقيق أرباح من معالجة كميات ضخمة من خامات منخفضة الجودة.
وقد ضمنت المدينة قوة إسبانيا، حتى إن الملك كارلوس الخامس وصف بوتوسي بأنها «خزانة كنوز العالم». غير أن آخرين أطلقوا عليها اسماً آخر: «الجبل الذي يبتلع البشر».
وكانت بربادوس محركاً آخر لا يقلّ لفتاً للانتباه ولا وحشية،لتحقيق الازدهار الاقتصادي الميركنتلي والقوة السياسية. ففي ستينيات القرن السابع عشر، كانت الجزيرة الكاريبية تصدّر إلى إنكلترا سكراً تبلغ قيمته ضعف الميزانية السنوية للحكومة الإنكليزية. وبما أن بربادوس كانت شبه خالية من السكان قبل الاستعمار، فقد أُتيح لمالكي المزارع إنشاء نظام شديد الإنتاجية، لم تعقه القيود المعتادة التي كبحت تحوّل الريف الرأسمالي في أوروبا القديمة. فلم يكن هناك إقطاعيون متدخّلون، ولا فلاحون متمرّدون، ولا مؤسسات دولة مقيِّدة.
وبتركيزها الصارم على انضباط العمل، والتنظيم المحكم، والاهتمام غير المساوم بالإنتاجية وإدارة الوقت، شكّلت هذه المزارع المثال الأول على الصناعة الكبرى الحديثة.
وهكذا، فإن «العالم الجديد» الحقيقي كان موجوداً في ما يُعرف بـ«جزر الهند الغربية» في الكاريبي، لا على الساحل الشرقي لأميركا الشمالية. ففي الواقع، هاجر بين عامي 1630 و1700 عدد من الأوروبيين إلى الكاريبي يفوق عدد الذين توجّهوا إلى أميركا الإنكليزية. ولم تكن بوسطن وبقية نيو إنغلاند سوى حلقات ثانوية في سلسلة توريد عالمية، طغت عليها الدينامية الاقتصادية لهذه الجزر المُستغَلّة رأسمالياً.
وكما هي حال خطوط الإنتاج المتسلسلة في مطلع القرن العشرين، التي تكرّس نفسها بلا كلل لإنتاج سلعة واحدة بكميات ضخمة، كانت مزارع الزراعة الأحادية في تلك الجزر النموذج الأوّلي لشكل جديد من الإنتاج، امتزجت فيه العمل ورأس المال والتجارة العالمية في بنية واحدة متكاملة.
كما يوضح بيكرت مراراً،كانت العمالة القسرية في كل مكان تقريباً، وفي معظم الفترات التاريخية، عنصراً مركزياً في نمو الرأسمالية وفي توليد الأرباح. فقد نقل التجّار الأوروبيون حتى عام 1760 نحو 4.38 ملايين إنسان أفريقي مُستعبَد إلى «العالم الجديد» (وهو عدد يعادل ضعف عدد المهاجرين الأوروبيين الذين قدموا إلى الأميركيتين خلال الفترة نفسها).
وقد بلغ عدد العمّال الزراعيين المُستعبَدين، والحِرفيين، وعمال المناجم الذين عملوا في مزارع السكر، والتبغ، والأرز، والنيلي (ذات اللون الأزرق الداكن)، والقطن، وكذلك في مناجم الفضة في القارة الأميركية، نحو 1.73 مليون إنسان، وذلك في وقتٍ لم يتجاوز فيه إجمالي القوة العاملة في إنكلترا 2.9 مليون شخص.
وفي عام 1788،كان نحو ثلث رأس المال في الإمبراطورية البريطانية مكوَّناً من العبيد أنفسهم بوصفهم «ملكية». وعندما أُلغي نظام العبودية، اضطرت الحكومة البريطانية إلى اقتراض 20 مليون جنيه إسترليني – أي ما يعادل 40 في المئة من ميزانيتها الإجمالية – لتعويض مالكي العبيد السابقين عن «تحرير» ممتلكاتهم البشرية.
«العمل الحر»؟
لم ينتهِ الإكراه على العمل مع إلغاء العبودية وإدخال نظام العمل بالأجر.
فـ«العمل الحر» الحقيقي، كما يوضّحه بيكرت، يكاد يكون غير موجود. وإذا وُجد يوماً بالشكل الذي تصوّره الاقتصاديون المستندون إلى أفكار آدم سميث، فإن ظهوره كان تاريخياً مؤقتاً جداً وحلقاتي. فبعد الإلغاء الرسمي للعبودية في منتصف القرن التاسع عشر، وُضعت سلسلة من أنظمة العمل المعقدة مكانها.
في كتابه الصادر عام 2014 بعنوان King Cotton: A Global History of Capitalism،يروي بيكرت تقارير العديد من الصحفيين والموظفين، التي تشير إلى أن صناعة القطن المزدهرة، التي ربطت جنوب الولايات المتحدة ببريطانيا وبقية أوروبا، كانت ستنهار ببساطة دون العبودية. ومع نهاية العبودية، استلزمت الحاجة إلى أشكال جديدة من العمل القسري الشبيه بالعبودية، لتجنيد العمال في الريف الزراعي والحفاظ عليهم، ليس فقط لزراعة القطن، بل أيضاً لإنتاج المطاط والشاي والأرز ومنتجات أخرى.
ومن المعروف منذ زمن طويل أنه حتى بعد انتهاء العبودية في جنوب الولايات المتحدة، استمر نظام الزراعة بالمشاركة، والإيجار الزراعي، وديون العمالة. أما في آسيا وأفريقيا في القرنين التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فقد عاش ملايين العمال الزراعيين في ظروف مشابهة للعبودية، في ثكنات مخصصة لهم، وتعرّضوا للجلد وأشكال أخرى من العنف الجسدي.
خلال المئة عام بعد 1839،نقلت القوى الاستعمارية الأوروبية أكثر من مليوني عامل وعاملة إلى الكاريبي، وجنوب أفريقيا، وأمريكا اللاتينية.
لكن كل هذا يتضاءل مقارنةً بـ 27 مليون عامل من جنوب آسيا، أرسل معظمهم بواسطة وسطاء هنود إلى بورما، وسيلان، وماليزيا للعمل في مزارع الأرز والشاي والمطاط. وبالعدد فقط، يفوق هؤلاء ضحايا تجارة الرقيق عبر الأطلسي على مدى ثلاثمئة عام.
في المقابل، لم يكن العمل بالأجر في المصانع الجديدة «عملاً حُراً» حقاً:فالسرد المهيمن كان خدعة سياسية تهدف إلى تمييز العمالة البروليتارية في قلب الصناعة عن عمل العبيد في الأطراف. وعلى الرغم من صعوبة العمل الزراعي أو الحرفي المنزلي، لم يكن عدد كبير من العمال (وبخاصة الرجال البالغين) مهتماً بالعمل في المصانع الجديدة، التي فرضت رقابة صارمة وظروف عمل قاسية، فخلقت بيئة أشبه بالسجون.
وليس من قبيل الصدفة أن معظم القوى العاملة المبكرة كانت من النساء والأطفال. فقد وصف أحد ملاك الأراضي المستوطنات الصناعية بأنها «ملاذ مناسب لمن طُردوا من مزارعهم».
وفي المدن، استهدفت قوانين المتشردين «الفقراء الكسالى والفوضويين»، في حين جعل قانون Master and Servant Act البريطاني لعام 1823 العمال مسؤولين جنائياً إذا تركوا صاحب العمل قبل انتهاء مدة عقدهم. وفي بروسيا، كان يُمكن معاقبة العمال الذين تركوا عملهم دون «إذن» بغرامة مالية أو السجن لمدة أسبوعين.
يسمّي بيكرت هذا العالم المكوَّن من مصانع القطن، والعمل القسري في المزارع، والسيادة الملكية، وقوة التجّار، بأنه «نظام العمل القديم» للرأسمالية، حيث كان للنبلاء الريفيين سلطة كبيرة، وغالباً ما كانت الشركات الاقتصادية تحتكرها الدولة بدعم رسمي. ومع ذلك، كان كل هذا قائماً على أسس ما قبل الصناعة.
وكانت الثورات، سواء تلك التي فشلت أو التي نجحت في منتصف القرن التاسع عشر، صدمة لهذا النظام. فلم تصل البرجوازية إلى السلطة بالكامل، لكن إلغاء قوانين الحبوب في بريطانيا، وانتفاضات عام 1848 في القارة الأوروبية، والحرب الأهلية الأمريكية، وإعادة تأسيس ميجي في اليابان، حركت مُلاك رأس المال الجدد لمواجهة القيود المفروضة من السياسة التقليدية، وتقليص نفوذ النبلاء الريفيين على السلطة السياسية.
ويؤكد بيكرت أن نشوء الشركات الضخمة في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، العاملة في مجالات الحديد والصلب، والكهرباء، والكيمياء، والنقل، والاتصالات، كان تحوّلاً حاسماً. ويصف هذه الفترة بأنها «ربما أهم نقطة تحول في التاريخ العالمي للرأسمالية».
ففيها تمّ استبدال التاجر القديم بالبارون الصناعي، وهو انقطاع جذري في أكثر من 500 سنة من تاريخ الرأسمالية، فاصل تاريخي.
ويقدّم بيكرت مثالاً بارزاً، ليس أندرو كارنيغي، مؤسس US Steel، الذي مثل ذروة اندماج الشركات في الولايات المتحدة، بل كارل روشلينغ، مصرفي وتاجر فحم ألماني، بنى إمبراطورية صلب في منطقة سارلاند، ووسعها عند الفرصة لتشمل كل المناطق التي احتلتها الجيش الألماني. وكما كارنيغي، كان روشلينغ يكره السوق.
وبالتالي، كانت بنية وقيادة الصناعات الكبرى حول مطلع القرن العشرين تتسم بالاندماج الرأسي، والاحتكارات، والكارتلات. وكانت القوى العاملة ضخمة، حيث تجاوز عدد الموظفين في بعض المصانع عشرة آلاف عامل. ومن ناحية معينة، كانت مواقع الإنتاج الصناعي هذه تشبه في تنظيمها العمل السابق في مزارع الكاريبي.
وكانت هذه هي اللحظة التي أصبح فيها من الممكن وبحق القيام بتحليل أوروبي- مركزي أو على الأقل شمال الأطلسي- مركّز للاقتصاد العالمي. فقد نمت الدول الصناعية الأمريكية والأوروبية بطريقة مذهلة: فقد تضاعفت طول سكك الحديد ثلاث مرات، وتضاعف حجم التجارة العالمية أربع مرات، وحدث أن بين 70 و80% من الإنتاج العالمي الإجمالي تم في بريطانيا وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
ورغم أن هذه كانت فترة قصيرة، أقل من قرن، إلا أنها شكّلت النظرة العالمية لعدة أجيال، بما في ذلك تصوّرهم للرأسمالية.
ثم: «الرأسمالية»
في هذه السنوات، دخل مصطلح «الرأسمالية» أخيراً إلى الاستخدام العام.
منذ عام 1837، كانت حالات الهلع والانكماش الاقتصادي المتكررة تؤدي إلى اضطرابات اجتماعية مرة واحدة على الأقل لكل جيل. وقد شملت هذه الاضطرابات جميع طبقات المجتمع تقريباً، رغم أن المجتمع بدأ بالفعل ينقسم إلى من لديهم ثروة كبيرة ومن لا يملكون شيئاً. لذلك أصبحت هناك حاجة إلى مصطلح يصف الواقع الاجتماعي والاقتصادي الجديد.
ومنذ القرن السادس عشر تقريباً، كان هناك رأسماليون (أي الأشخاص الذين يملكون وسائل للاستثمار أو منح القروض). وحتى في جنيف، كانوا يصفون أنفسهم باسم «Messieurs les Capitalistes». وكتب آدم سميث عن «الدول التجارية» مقابل الدول التي لا تزال تعتمد على الزراعة.
كارل ماركس، على الرغم من أن أشهر أعماله يحمل عنوان رأس المال، إلا أنه كان يفضّل في معظم كتاباته استخدام مصطلح «الاقتصاد السياسي».
وفي عام 1842، صنّفت الأكاديمية الملكية في ليون كلمة «الرأسمالية» باعتبارها «كلمة جديدة»، ثم نشر الاشتراكيون في بريطانيا المصطلح في خمسينيات القرن التاسع عشر. واستخدمه الفابيون في ثمانينيات القرن نفسه، ثم انتقل المصطلح من اليسار إلى الوسط، حيث وصف رئيس الجمعية الاقتصادية الأمريكية الولايات المتحدة في عام 1900 بأنها «مجتمع للرأسمالية التنافسية».
في الولايات المتحدة، بقي المصطلح في الغالب مقتصراً على اليسار، بينما فضّل رجال الأعمال التعبير عن «اقتصاد السوق الحر». لكن عندما بدأت مجلة Forbes في السبعينيات تصف نفسها بـ«أداة رأسمالية»، بدأ السياسيون ورجال الأعمال من الطيف اليميني أيضاً بوصف أنفسهم ودولهم بفخر كمجتمع رأسمالي.
وصف أنطونيو غرامشي الفترة بين الحربين العالميتين في القرن العشرين بأنها «زمن الوحوش».
ويوافقه بيكرت الرأي، ويعتبر أن السنوات الـ27 بين 1918 و1945 كانت الأكثر اضطراباً في تاريخ الرأسمالية الذي يمتد لأكثر من 500 عام.
فالثورة البلشفية لم تكن التغيير الوحيد الذي هزّ الرأسمالية الصناعية، التي بدت مستقرة في العقود السابقة لعام 1914.
ويستعرض بيكرت في صفحات قليلة سلسلة من الأحداث الثورية حول العالم: انتفاضة 1916 في دبلن، الإضرابات الثورية لعمال المعادن في بطرسبرغ، إضراب السكك الحديدية في السنغال، الإضراب العام في سياتل عام 1919، مجزرة أمريتسار في أبريل 1919 في الهند البريطانية، فترة( Biennio Rosso «عامان أحمران») في شمال إيطاليا بعد الحرب، تمرد راند في جنوب أفريقيا عام 1922، وتأسيس فرع محلي لجمعية Universal Negro Improvement Association لماركوس غارفي في بربادوس.
لكن الثورة الكبرى في عشرينيات القرن العشرين لم تحدث.
ويظهر المؤرخ تشارلز ماير في كتابه (إعادة صياغة أوربا البرجوازيةRecasting (Bourgeois Europe كيف أن التسوية بين رأس المال والعمال ساعدت لفترة على استقرار المجتمع الأوروبي الذي عانى من آثار الحروب والانتفاضات.
ويغفل بيكرت هذا الجانب إلى حد كبير، على الأقل حتى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبدلاً من ذلك يركّز على انتصار فوردية الإنتاج، التي جذبت العديد من الصناعيين والخبراء الأوروبيين إلى River Rouge وHighland Park، حيث كان هنري فورد يعرض شخصياً تقنيات الإنتاج الكمي المذهلة التي طورها مهندسوا مصنعه.
كان جيوفاني أجنيلّي من شركة فيات أحد هؤلاء الزوّار، ويدرس بيكرت بعمق مدى قدرة أجنيلّي على تقليد فلسفة الإنتاج الكاملة لفورد.
وشمل ذلك خططاً لإنشاء أكبر مصنع في أوروبا بعد الحرب في تورينو، لإنتاج آلاف السيارات الرخيصة، وتقليص دور العمال المهرة وإبعادهم عن النشاط السياسي، وخلق نوع من الرأسمالية الرفاهية للموظفين.
نجاح أمريكا الاقتصادي وتداعياته
أدى النجاح الاقتصادي للولايات المتحدة إلى مجموعة من المشكلات.
بحلول عام 1900، كانت الولايات المتحدة عملاقاً اقتصادياً، متفوقة بسهولة على ألمانيا وبريطانيا في جميع الصناعات والمنتجات الزراعية المهمة. وبالنظر إلى القوة التي وفرها هذا السوق وارتفاع الإنتاج الكمي الأمريكي، بدأ الأوروبيون يرون «الخطر الأمريكي»، الذي لم يمكن مواجهته إلا من خلال الوصول الإمبراطوري إلى أراضٍ واسعة مشابهة لتلك التي اكتسبتها الولايات المتحدة قبل نحو قرن.
في هذا السياق، جاء في افتتاحية مجلة بريطانية عام 1905:
«الرؤية الصحيحة لأفريقيا هي اعتبارها بمثابة أمريكا أخرى، أرض بور جاهزة لتحقيق محاصيل غنية».
واتفقت صحيفة فرنسية مع هذا الرأي، معتبرة أن أفريقيا هي «أمريكا أمام أبوابنا»، وأن الجزائر يجب أن تصبح «أمريكا فرنسا».
ونشأت بذلك إندماجات جديدة بين السلطة السياسية والسيادة الاقتصادية، بهدف تأميم سلاسل المواد الخام وعسكرة الاقتصاد.
وقارن أدولف هتلر التوسع المفترض لألمانيا شرقاً بغزو الغرب الأمريكي خلف نهر المسيسيبي. فكانت مقولات مثل «الدم، الأرض، والفوردية» ضرورية، وفق رؤيته، لمواجهة كل من البلشفيين والأمريكيين.
في ظل هذه الظروف، وخصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية، برزت محاولات تحقيق الاكتفاء الذاتي والقومية الاقتصادية.
وكان يُنظر إلى الرأسمالية على أنها وصلت إلى طريق مسدود، مما سهّل استجابة الدولة بطرق مختلفة خلال الأزمة.
ويؤكد بيكرت في تحليله التاريخي مراراً أن الرأسمالية يمكن أن تتعايش مع مجموعة واسعة من الأنظمة السياسية المختلفة.
فخلال الكساد العظيم، اعتبرت الفاشية، إعادة التسلح، والتوسع الإمبراطوري حلاً ممكناً، مدعوماً من قبل رأسماليين مثل آل روشلينغ، الذين أصبحوا من أشد المؤيدين للنظام النازي.
كما استفادت مصانع فولكن كلينغ للصلب من قمع الحركة العمالية الراديكالية، وفتح أسواق جديدة، والحصول على سلاسل إمداد رخيصة.
الحداثة الصناعية الجديدة خلال الحرب ارتبطت أيضاً بعودة العمل القسري في قلب أوروبا.
فأكثر من 40% من جميع العمال والموظفين في الرايخ النازي عملوا تحت الإكراه خلال الحرب – وهي نسبة ضخمة، لم يسبقها تاريخياً سوى مستعمرات المزارع في الكاريبي.
وقد استخدم مصنع روشلينغ في سارلاند العمال القسريين، كما جُلب العديد من العمال القسريين إلى ألمانيا، حيث أجُبروا على العمل في شركات كبرى مثل BMW، Daimler-Benz، Volkswagen، Hugo Boss، Krupp، Leica، Lufthansa وغيرها من الشركات الشهيرة.
النهج الاجتماعي والدولي بعد الحرب العالمية الثانية
ركّزت السويد والولايات المتحدة أيضاً على الدولة، لكنها اتبعت إصلاحاً إجتماعياً ليبرالياً.
يمكن وصف كلا البلدين بـ «الاشتراكية الديمقراطية التوافقية»: ففي السويد، أسست «اتفاقية البقرة» لعام 1933 قاعدة دولة الرفاه المتنامية والمعقدة تدريجياً. وقد نشأت هذه الدولة حين توصل الاشتراكيون الديمقراطيون وفئة المزارعين إلى اتفاقية شكلت أيضاً أساس السياسة التصديرية العدوانية للبلاد.
وفي الولايات المتحدة، ظهر الشكل التوافقي للدولة أيضاً، وإن بصورة أقل حدة، من خلال تنظيم السوق بشكل نسبي ودعم الدولة للعمالة المنظمة، وإنشاء دولة رفاه محدودة (ومليئة بالتمييز العنصري).
أما في ما يسمى بالجنوب العالمي، فقد عزّلت كل من تركيا والمكسيك اقتصادياتها الوطنية، ونجحتا في رفع مستوى المعيشة المحلي عبر برامج اقتصادية تعتمد على رسوم كمركية مرتفعة وإنتاج صناعي بديل عن الاستيراد.
التركيز على الدولة خلال الكساد الكبير، مع الصدمات الناتجة عن الحرب العالمية الثانية، أتاح للرأسمالية الغربية أساساً أيديولوجياً وسياسياً لعصر الثلاثين عاماً المجيدة بعد الحرب.
وعلى الرغم من أن بيكرت يقدم قليلاً من الرؤى التاريخية أو النظرية الجديدة عن هذه الحقبة، التي تميزت بزيادة الأجور الحقيقية، وارتفاع الإنتاجية، وزيادة الإنفاق الاستهلاكي، إلا أن ملاحظاته حول الحياة في السويد وأستراليا وفرنسا تقدم فهماً جديداً لهذه الفترة.
فعلى سبيل المثال، يشير بحق إلى نمو السياحة العالمية، وهو ظاهرة جديدة تماماً على نطاق جماهيري، وأصبح اليوم ربما أكبر صناعة في العالم، وقد مكّنها هيكل الاقتصاد العالمي في بريتون وودز.
وقد أتاح هذا النظام الاقتصادي تطورين متناقضين على ما يبدو:
أولاً، نظام أسعار صرف شبه ثابت ساعد على تشجيع التجارة الحرة.
ثانياً، السيطرة المستمرة للدولة على أهم العملات مكنت الدول القومية من الحفاظ على دول الرفاه وتحسينها.
ويمكن وصف هذا النموذج بـ«الليبرالية المتكاملة»، أو كما وصفه أحد الاقتصاديين: «كينز داخلياً وسميث خارجياً».
لكن هذا النظام لم يدُم.في تحليله لصعود النيوليبرالية، يتجنب بيكرت غالباً الحديث عن تقلبات أسعار النفط في السبعينيات، صدمة فولكر عام 1979، أو ميل رأس المال نحو الابتعاد عن الإنتاج والتحول إلى المضاربة المالية.
بدلاً من ذلك، يقدم تقريراً مفصلاً عن الانقلاب العسكري لأوغستو بينوشيه في تشيلي عام 1973، ودور السفارة الأمريكية في دعم القمع والإجراءات التقشفية التالية.
ويبرز هذا مثالين متكررين في كتاب بيكرت:
الرأسمالية تاريخياً قادرة على الوجود تحت أي نوع من الأنظمة السياسية تقريباً (باستثناء البلشفية الصريحة).
دور الدولة دائماً محوري عند ظهور شكل جديد من الرأسمالية، وغالباً ما يكون هذا الدور قاسٍ أو مُميت أكثر من كونه مفيداً.
وهكذا، فإن النيوليبرالية لم تكن مجرد تمجيد للسوق، بل كانت نظاماً خاصاً للدولة، حيث يُنشئ كل نظام سياسي إطاراً ذاتياً، التعزيز يحمي ويؤكد وظائف السوق.
وفي بعض الحالات، كان هذا «الدولة» فوق وطنية، مثل تطبيق «إجماع واشنطن» عبر صندوق النقد الدولي، الذي قلّص بشدة السياسات الاقتصادية النشطة في الجنوب العالمي.
الضحايا كانوا العاملات والعمال: ففي تشيلي قامت الطغمة العسكرية بسجن خصومها من اليسار ومن النقابات، وتركتهم ببساطة «يختفون». ومن السفارة الأميركية في سانتياغو لم يصدر سوى القليل من الاحتجاج ــ ولا عجب في ذلك، إذ كان أحد موظفيها قد دعا حتى قبل الانقلاب إلى «حلّ وسط» بين «الديمقراطية وإجراءات اقتصادية متينة». وبناءاً على نصائح «صبيان شيكاغو»، وغالباً ما كانوا طلاباً سابقين لدى ميلتون فريدمان وفريدريك هايك، جرى إضعاف النقابات، وتراجعت الأجور الحقيقية، وارتفعت البطالة بشكل كبير. ووفقاً لبيكرت، تحوّل الديكتاتور التشيلي أوغستو بينوشيت إلى الشخصية المؤسسة للنيوليبرالية بوصفها مشروعاً سلطوياً.
لاحظ أحد المسؤولين الأمريكيين تشيلي في تلك الفترة:
«وجدت الطبقة الوسطى والطبقة العليا نفسها فجأة في وضع يشبه الجنة».
«إمكانية الحكم بموجب المراسيم تمثل في هذا الصدد مساعدة كبيرة».
بينما أُجبر العمال الرخيصون في تشيلي على العمل عبر الانقلاب العسكري، كان انخفاض تكلفة اليد العاملة عالمياً نتيجة سلسلة من الإجراءات الحكومية وإعادة الهيكلة.
وأدى انهيار الكتلة السوفييتية إلى دخول ملايين من القوى العاملة الجديدة في تبعية مالية مريحة جداً لرأس المال.
لكن الأهم كان ظهور الصين كقوة إنتاجية عملاقة، ومصدر ضخم لعمالة منخفضة الأجر، كانت حريتها محدودة جدًاً.
وهكذا تغيّرت التركيبة الكاملة للرأسمالية في القرن الحادي والعشرين.
وقد عوض نمو الصناعات التحويلية في شرق آسيا بالكامل تراجع الصناعات في الدول الأطلسية الشمالية.
كانت هذه أسرع مرحلة صناعية في تاريخ العالم؛ وبلغت حداً غير مسبوق من بروليتارية العمالة في الصين.
لفترة، كانت شنتشن في دلتا نهر اللؤلؤ أسرع مدينة كبيرة نمواً في العالم، لتصبح خليفةً جديراً، مانشستر القرن التاسع عشر أو ديترويت القرن العشرين.
يبدو أن التاريخ يعيد نفسه: رجال التجارة الكبار عادوا إلى مركز القوة.
أصحاب التجزئة مثل وولمارت وأمازون، وعلامات تجارية مثل آبل ونايكي، أصبحوا أقوى من أي وقت مضى.
وليس هذا فقط، بل مثل القرن التاسع عشر المبكر، النساء الشابات يشكلن العمود الفقري لهذه الموجة الجديدة من البروليتاريا الصناعية.
أكثر من 90% من جميع العاملات في الصناعات الخفيفة في شنتشن مهاجرات من المناطق الريفية.
يعتقد بيكرت أن تاريخ الرأسمالية، مثل أي ظاهرة اجتماعية، ستنتهي، لكن هذه النهاية لن تأتي بانفجار ثوري.
بدلاً من ذلك، يستخدم استعارته للجزر، مشيراً إلى أن هناك ليبرتاريين مثل بيتر ثيل في صعود مستمر، يبحثون عن «جزر» محددة ليضعوا فيها ثرواتهم ويعزلوا أنفسهم عن بقية العالم.
لكن هناك أمل، بحسب بيكرت، في أن عالم ما بعد النيوليبرالية قد يشهد ظهور أنظمة سياسية تعتمد علاقات مستدامة بيئياً وغير سوقية.
وبالنظر إلى القسوة التي رافقت كل نسخة جديدة من المجتمع الرأسمالي سابقاً، يبدو هذا متفائلاً بشكل غير مألوف.
مهما كان، ما سيحدث، فإن عمل بيكرت الضخم يقدم لجيل جديد من الرأسماليين والمعارضين للرأسمالية على حد سواء، العديد من الأمثلة التاريخية لعالم جديد يمكنهم تصوره وإعادة بنائه.
نيلسون ليشتنشتاين* هو أستاذ باحث في جامعة كاليفورنيا، سانتا باربرا.
أحدث كتبه يحمل عنوان: «فشل رائع: رئاسة كلينتون وتحول الرأسمالية الأمريكية».