ماركس في مواجهة الاستعمار: ردٌّ على تضليل أبو يعرب المرزوقي
سامر بن عبد السلام
2026 / 2 / 5 - 12:05
تطرح القراءات المعاصرة للفكر الغربي، ومن بينها قراءة الدكتور أبو يعرب المرزوقي، إشكالية كبرى حين تحصر "الماركسية" في قفص الاتهام كجزء عضوي من "الخطاب الاستشراقي" أو كأداة معرفية داعمة للاستعمار. ينطلق المرزوقي في نقده من اعتبار ماركس مجرد حلقة في سلسلة الفكر الغربي الذي يرى في الشرق "تخلفاً بنيوياً" يحتاج لـ "صدمة استعمارية" لتطويره. إلا أن هذا الاختزال لا يغفل فقط التطور التاريخي لمواقف ماركس، بل يغفل ما هو أهم: الطبيعة الثورية للمنهج المادي الجدلي الذي كان أول من فضح آليات النهب الاستعماري كضرورة حتمية لتراكم رأس المال. في هذه المقالة، سنتناول موقف الماركسية كمنهجية بحثية استناداً إلى المادية الجدلية، ومن ثم ننتقل إلى الموقف الذاتي لماركس تحديداً، موضحين كيف أن ماركس لم يكن مجرد مفكر أوروبي، بل كان أول من فكك آليات تراكم رأس المال التي تفرض على البرجوازية غزو العالم، مع ضرورة التفريق بين ماركس "المبكر" الذي كان يفتقد لبعض المعطيات، وبين ماركس "المتأخر" الذي امتلك رؤية استشرافية حول الجزائر.
أولاً: وحدة الأضداد في "العقل الغربي" وتهافت المركزية الجوهرية
يقع أبو يعرب المرزوقي في معضلة منهجية حين يتعامل مع "العقل الغربي" ككتلة صماء، متجانسة، وذات جوهر أحادي يسعى للهيمنة، وبذلك يسقط في فخ "المركزية الجوهرية" التي يدعي نقدها. إن القراءة الجدلية، التي هي أساس الماركسية، تكشف أن هذا "الغرب" ليس إجماعاً فكرياً، بل هو ساحة صراع محتدم ووحدة للأضداد المتناقضة. فداخل بنية العقل الغربي الحديث، يوجد "عقلان" لا عقل واحد: عقل الطبقة السائدة الذي صاغ الاستشراق كأيديولوجيا لتبرير التوسع الإمبريالي والنهب الاستعماري، وعقل نقيض يمثله ماركس، الذي نبت من قلب التناقضات الغربية ليفكك أسس هذا الاستغلال. إن ما يغفله المرزوقي هو أن الماركسية، بوصفها "علماً للمادية التاريخية"، لم تنظر للغرب كنموذج أخلاقي أو حضاري متفوق، بل حللته كنمط إنتاج (رأسمالي) محكوم بقوانين التوسع العنيف. وهنا تكمن المفارقة: فبينما كان الخطاب الغربي السائد يروج لـ "رسالة التمدين"، كان ماركس هو أول من نزع القناع عن هذه الرسالة، كاشفاً أن "البرجوازية تجبر كل الأمم، تحت طائلة الموت، على تبني نمط إنتاجها". علاوة على ذلك، يتجاوز المرزوقي حتى المقاربة النقدية لـ "إدوارد سعيد"، الذي رغم نقده لماركس في كتابه (الاستشراق)، إلا أنه لم يستطع إنكار أن لغة ماركس كانت لغة "إنسانية" تحاول فهم التاريخ، واعتبره "استثناءً" أوقعته محدودية المعلومات في بعض فخاخ الرؤية الاستشرافية. أما المرزوقي، فيجعل من ماركس "ظهيراً" للكولونيالية، وهو ادعاء يصطدم بحقيقة أن الماركسية هي التي منحت شعوب الشرق "العقل الجدلي" والأدوات المعرفية التي مكنتها من فهم طبيعة المستعمر وتفكيك بنيته. وكما أوضح مهدي عامل، فإن الماركسية ليست "عقلاً غربياً" يواجه "قلباً شرقياً"، بل هي سلاح كوني انتزعه المقهورون من قلب التناقضات الغربية ذاتها ليصوبوه نحو صدر الاستعمار. وبذلك، فإن نقد المرزوقي لماركس لا يعدو كونه استبدالاً لصراع الطبقات والمصالح المادية بصراع "ماهيات" و"أشباح ثقافية" لا وجود لها في الواقع الجدلي.
ثانياً: من التجريد النظري إلى العيان الجزائري: ماركس في مواجهة "الرعاع الاستعماريين"
إن الانتقال من تحليل الماركسية كمنهجية إلى معاينة موقف ماركس الذاتي من الجزائر، يكشف الهوة السحيقة بين "ماركس الحقيقي" وبين "الصورة المتخيلة" التي يحاول المرزوقي تسويقها. فإذا كان المرزوقي يزعم أن ماركس ظهير للاستعمار، فإن رسائل ماركس ومدوناته المتأخرة تقدم صك إدانة أخلاقياً وسياسياً لم يسبق له مثيل في الفكر الغربي آنذاك. لقد تجلى "المنهج الجدلي" عند ماركس في قدرته على التمييز الحاد بين نبل "السكان الأصليين" ووضاعة "المستوطنين". ففي رسائله التي كتبها من الجزائر العاصمة عام 1882، وتحديداً في رسالته إلى ابنته لورا لافارغ، سجل ماركس صدمته من سلوك المستعمرين الفرنسيين واصفاً إياهم بـ "أحقر أنواع البشر الذين رأيتهم"، حيث راقب بمرارة كيف يمارس هؤلاء المستعمرون وقاحة مطلقة وغطرسة تجاه أصحاب الأرض، واصفاً إياهم بـ "الرعاع الاستعماريين" (Lumpen) الذين يتصرفون كأسياد في أرض ليست لهم، ممارسين تمييزاً عنصرياً فجاً يتناقض مع كل شعارات "المساواة" التي ترفعها الجمهورية الفرنسية في باريس. وفي مقابل هذا المسخ الاستعماري، نجد ماركس "المستشرق" – حسب زعم المرزوقي – ينبهر بكرامة الإنسان الجزائري وكبريائه. فقد لاحظ بذكاء سوسيولوجي أن "العربي لا يتنازل عن كرامته"، وسجل في مدوناته بدهشة أن أبسط رجل في الجزائر "يعتبر نفسه مساوياً لأكبر مسؤول"، ولا يعرف تلك الروح من الطاعة والعبودية التي تفرضها الطبقية الأوروبية يا له من منظر ملفت للأنظار: فبعض هؤلاء المغاربة ارتدى أزياء فاخرة بل وتنم على الثراء بينما الآخرون لبسوا ما أطلق عليه اسم القمصان، بعضها من الصوف الأبيض ولكنها أسمالا بالية - ألا أن في نظر المسلم الحقيقي لا تعتبر مثل هذه المصادفات، أو حسن الحظ أو سؤه، أمرا يفرق أبناء أمة محمد عن بعضهم البعض. هناك مساواة كاملة في تعاملاتهم الاجتماعية، وهي ليست مصطنعة . علاوة على ذلك، فإن موقف ماركس من "قانون وارنييه" (1873) يمثل الذروة في فضح آليات الاستعمار؛ حيث لم يرهُ فعلاً "تمدينياً" كما تروج الأيديولوجيا البرجوازية، بل فضحه كـ "وسيلة لسرقة الأراضي قانونياً" وتفكيكاً متعمداً للبنية الجماعية للقبائل الجزائرية لتسهيل نهبها في هذا الاطار، نجد أن ماركس لم يكتفِ بوصفهم بالرعاع، بل استخدم تعبيراً حاداً حين وصفهم بـ "بنات آوى" (Jackals) الذين لا يشبعون من امتصاص خيرات الجزائر. هذا الوصف يعكس رؤية ماركس للمستعمرين كطبقة طفيلية تعيش على نهب الملكيات الجماعية للجزائريين، حيث لاحظ كيف أن هؤلاء "بنات آوى" يستغلون "قانون وارنييه" لسرقة الأرض وتفكيك الروابط القبلية المتينة التي كانت تحمي المجتمع الجزائري من التمزق الطبقي..في كراس "الماركسية والجزائر" (ترجمة جورج طرابيشي)، تبرز قمة تعاطف ماركس مع الشعب الجزائري في مواجهة وحشية المستعمرين. ففي الصفحات 113 و114، ينقل الكراس كيف أن ماركس رصد بمرارة غطرسة المستعمرين الذين كانوا يطالبون صراحة بقتل العرب أو التنكيل بهم، حيث كتب معبراً عن مقتِه لهؤلاء "المتمدنين" المزعومين:
"أما بالنسبة للمعمرين الفرنسيين، فهم يعاملون العرب بقسوة فائقة. على سبيل المثال، حين تقترف عصابة من العرب جريمة قتل، وغالباً ما تكون بغرض السرقة، ويتم اعتقال الجناة الحقيقيين ومحاكمتهم وقطع رؤوسهم، فإن هذا التكفير لا يكفي أسرة المعمرين المتأذين. فهي تطالب بأن تقطع، فضلاً عن ذلك، رؤوس نصف دزينة من العرب الأبرياء على الأقل. هذا الاستعمار يجلب الحضارة، لكنه يأتي بثمن باهظ من الظلم والاستغلال."
هذا الاقتباس يؤكد أن ماركس لم يكن "موالياً" للاستعمار بل كان يرى فيه جريمة إنسانية، وكان تعاطفه منحازاً كلياً لأصحاب الأرض ضد دعوات القتل والتهجير التي أطلقها المستعمرون الذين وصفهم في رسائله لاحقاً بـ "أحقر أنواع البشر".
ثالثاً: الجدلية التاريخية: الاستعمار كـ "مخاض أليم" ومحفز للمقاومة
لا يمكن فهم الموقف الماركسي من الاستعمار بمعزل عن المنهج الجدلي الذي يرى في التاريخ حركة صراع لا تتوقف. وهنا يبرز الخطأ الجوهري في قراءة أبو يعرب المرزوقي؛ فهو يخلط بين "الفهم العلمي" للمسار التاريخي وبين "التبرير الأخلاقي". ماركس لم يبرر الاستعمار، بل حلله كضرورة حتمية لتوسع الرأسمالية التي تبحث عن أسواق وموارد جديدة. إن الاستعمار، في جدلية ماركس، هو "أداة التاريخ الفاقدة للوعي"؛ فهو إذ يسفك الدماء وينهب الخيرات، يقوم في الوقت ذاته بتحريك "المياه الراكدة" في المجتمعات المستعمرة، محطماً البنى التقليدية المتهالكة التي كانت تعيق التطور. هذا التحريك القسري هو الذي مهد الطريق تاريخياً لظهور نقيض الاستعمار: حركات التحرر الوطني، والنهضة الثقافية، وحركات الإصلاح الديني. لم يكن الاستعمار "يهدف" لتوعية الشعوب، بل كان يود لو استمر النهب في صمت ودون مقاومة، لكن المنطق الجدلي يفرض أن كل فعل استعماري يخلق بالضرورة "مقاومته" الخاصة. ماركس رأى أن التناقضات التي يزرعها الاستعمار هي التي ستؤدي في النهاية إلى انفجار ثوري يطيح بالمستعمر وبنظامه الرأسمالي. وفي هذا السياق، تبرز ملاحظة ماركس العميقة حول ضرورة التنظيم الثوري كشرط للنجاة. ففي رسالته إلى ابنته لورا في منتصف أبريل 1882، رصد ماركس بذكاء سوسيولوجي ذلك التماسك الاجتماعي الفريد لدى الجزائريين رغم الفقر المدقع الذي فرضه الاستعمار، حيث كتب يصف جماعة من العرب: "إن الأحداث، سواء كانت جيدة أو سيئة، لا تؤدي الى التمييز في التعامل بين أبناء محمد. هناك تكافؤ تام في تواصلهم الاجتماعي، ولا يتأثر ذلك إلا عندما ترتبك معنوياتهم فقط، حيث يبدؤون في الشعور به، أما بخصوص الكراهية ضد المسيحين، فإنهم يأملون في الانتصار النهائي على هؤلاء الكفار، وسياسيوهم يراعون نفس هذا الشعور وأهمية التصرف بمساواة تامة (ليس في الثروة أو المكانة ولكن في العلاقات الشخصية) وهذا يعد ضمانة للحفاظ على الاعتبار الشخصي، وليس في تقديم العطاء للأخرين. (لكنهم، بغض النظر عما ذكر، سيذهبون إلى دولاب التعذيب rack والدمار مالم يكن لديهم حركة ثورية)."
رابعاً: ماركس والاستباق التاريخي: ما وراء حدود "عصر السيادة الاستعمارية"
من الضروري، ونحن نفكك مغالطات أبو يعرب المرزوقي، أن نضع فكر ماركس في سياقه الزمني الصحيح كما أشار جورج طرابيشي في مقدمته لكراس "الماركسية والجزائر". فالحقيقة التاريخية تؤكد أن عصر ماركس لم يكن عصر "حركات التحرر الوطني" بالمعنى المعاصر؛ إذ كان الاستعمار آنذاك يمر بمرحلة التوسع الكوني الشامل في ظل "موت" المقاومات التقليدية أو عجزها. إن نضوج نظرية التحرر الوطني كفعل سياسي منظم ومنهجي لن يبدأ إلا مع مطلع القرن العشرين، مع كتابات لينين حول الإمبريالية ومساهمات روزا لوكسمبورغ. ومع ذلك، تبرز عبقرية ماركس "الاستشرافية" في كونه امتلك عقلاً جدلياً فذاً استطاع من خلاله تجاوز محدودية عصره. فرغم أن موازين القوى كانت تميل كلياً لصالح الغرب، إلا أن ماركس لم يستسلم للخطاب الاستعلائي السائد، بل قدم خطاباً استشرافياً جديراً بالتقدير، حين تنبأ بأن الاستعمار يحمل في أحشائه بذور إفنائه. إن مطالبة ماركس للجزائريين بامتلاك "أداة ثورية" للنجاة من "دولاب الدمار" لم تكن مجرد نصيحة عابرة، بل كانت تأسيساً نظرياً مبكراً جداً لما سيصبح لاحقاً استراتيجية حركات التحرر في القرن العشرين. إن ماركس لم يقارب الجزائر بعقل "المستشرق" الذي يرى فيها شرقاً خاملاً للأبد، بل بعقل "الثوري" الذي يراها قوة كامنة تنتظر التنظيم لتفجير التناقض الاستعماري.
خاتمة: في "فخ" المرزوقي.. شكراً للجهل الذي أنطق العلم
لا يسعنا في ختام هذا التفنيد إلا أن نتوجه بكلمة "شكر" استهزائية للدكتور أبو يعرب المرزوقي؛ فلولا هذا القصور المريع في القراءة، وهذا التسطيح الفكري الذي مارسه، لما أتيحت لنا الفرصة لنعيد اكتشاف عبقرية ماركس "الجزائرية" من جديد، ولما أعدنا تذكير القارئ بأن الماركسية كانت، ولا تزال، السلاح الأمضى في يد المقهورين. لكن، وبالانتقال إلى لغة الحسم والمواجهة، وجب استنكار هذا الصنيع الذي لم يكن مجرد خطأ معرفي، بل هو عملية "تدليس وتزوير" واضحة وممنهجة. إن ما قام به المرزوقي من خلط متعمد لتقديم ماركس كموالٍ للاستعمار ليس سلوكاً غريباً، بل هو نهج تعودنا عليه من "الإسلاميين" الذين لا يجدون غضاضة في الكذب وتشويه الخصوم وتزوير التاريخ لخدمة مآربهم الأيديولوجية. إن هذا "التضليل" يذكرنا بأن معركتنا مع هذا التيار هي معركة أزلية ضد التزييف؛ فهم يسعون بكل قوتهم لتصوير "العقل الغربي" ككتلة متجانسة وكافرة، لا لشيء إلا ليقنعونا بأن لا خلاص إلا في "الصحوة الإسلامية" المزعومة. إن مشروع المرزوقي هنا هو محاولة يائسة لاحتجاز العقل في ثنائية (غرب كافر/إسلام منقذ)، وهي ثنائية زائفة هدفها الحقيقي هو تثبيت التبعية البنيوية للمشروع الإسلامي للغرب الإمبريالي. فهم يهاجمون ماركس لأنه الوحيد الذي يملك أدوات تفكيك هذه التبعية، بينما يكتفي خطابهم بـ"جعجعة" أيديولوجية تخفي خضوعاً اقتصادياً وسياسياً كاملاً للمراكز الإمبريالية. إن تبني بلداننا لهذا "المشروع الإسلامي" لن يكون إلا إعادة إنتاج للعبودية والتبعية تحت غطاء ديني، وهو ما سنفصله لاحقاً في مقالات قادمة لنكشف كيف يتحول "تضليل" المرزوقي وأمثاله إلى جسر تعبر من خلاله الإمبريالية الحديثة لإحكام قبضتها على شعوبنا. لقد أراد المرزوقي أن يغتال ماركس بجهله، فإذا بماركس ينهض من رسائله الجزائرية ليصفع كل من يحاول رهن مصير شعوبنا بمشاريع ظلامية تعيدنا إلى "دولاب الدمار" الذي حذر منه العجوز الألماني قبل قرن ونصف.
المراجع:
مهدي عامل، هل القلب للشرق والعقل للغرب؟ ماركس في استشراق إدوارد سعيد، دار الفارابي، بيروت.
كارل ماركس، حول الهند والجزائر، تعريب وتقديم د. شريف الدشوني، دار ابن خلدون، بيروت.
ماركس - إنجلز، الماركسية والجزائر، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت.
ماركس - إنجلز، في الاستعمار، مجموعة من المقالات والرسائل، دار التقدم، موسكو، 1971.