اتفاقية تشغيل العمال الفلسطينيين في قطر: فرصة عمل أم بوابة جديدة للاستغلال؟
جهاد عقل
2026 / 2 / 3 - 14:47
مقدمة
قراءة نقابية نقدية في غياب التمثيل الجماعي واستمرار هشاشة الحماية
- اتفاق رسمي في لحظة اقتصادية حرجة
في ظل أزمة اقتصادية خانقة يعيشها العمال الفلسطينيون، وارتفاع معدلات البطالة وانسداد الأفق في سوق العمل المحلي بفعل الاحتلال وتداعيات الانقسام والحصار، تأتي الاتفاقية الموقعة بين حكومة دولة قطر وحكومة دولة فلسطين بشأن تنظيم استخدام العمال الفلسطينيين في قطر كخطوة تبدو – على الورق – فرصة لتوفير فرص عمل جديدة وتحسين ظروف المعيشة.
غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: كم عاملًا ستوفر له الاتفاقية فرصة سفر؟ بل: أي نوع من العمل؟ وأي مستوى من الكرامة والحماية؟ وهل تضمن الاتفاقية حقوق العمال فعليًا أم تنظّم استقدامهم إداريًا فقط؟
لقد لاحظنا في بيانات صادرة عن جهات نقابية "الفرحة" لهذه الإتفاقية، نحن نتفهم الضائقة التشغيلية القائمة ، لكن لم نفهم تلك "الفرحة" دون قراءة نقابية سليمة لهذه الإفاقة خاصة بما يتعل بالحقوق النقاية للعمال.
- لماذا تبدو الاتفاقية “إدارية” أكثر من كونها “حماية عمالية”؟
الاتفاقية – كما تظهر موادها – تُنظّم عملية الاستقدام والتشغيل عبر قناتين حكوميتين (وزارتا العمل في البلدين)، وتُحمّل صاحب العمل مسؤوليات إجرائية (تذاكر سفر، عقد مكتوب، تصديق…)، لكنها لا تُنشئ ضمانات عمل جماعية ولا تُدخل النقابات كطرفٍ رقابي/تفاوضي أو كآلية تمثيل مستقلة.
هذا يعني أن العامل الفلسطيني سيبقى، عمليًا، داخل علاقة عمل فردية (عقد فردي) تُعالج النزاعات فيها عبر الشكوى لدى وزارة العمل القطرية ثم القضاء، دون “قوة تفاوض جماعي” أو حماية تنظيمية توازِن اختلال القوة بين العامل وصاحب العمل.
هذا يعني التزام العامل بعلاقة فردية مع صاحب العمل ، أي النظام المعروف في دول الخليج ألمعروف ب"نظام الكفيل"، أي أن على العامل دفع مبلغ مقابل الحصول على تصريح ، والتوقيع على اتفاق فردي يضمن للمشغل احتجاز جواز سفر العامل والتحكم به وبكل مجريات تواجده خلال فترة العمل.
- السياق القطري: إصلاحات موجودة… لكن الانتهاكات مستمرة
لا يمكن قراءة الاتفاقية بمعزل عن واقع سوق العمل في قطر. هناك إصلاحات وتعاون تقني مع منظمة العمل الدولية منذ 2018، بما في ذلك تطوير سياسات وأدوات إنفاذ، وتفعيل آليات دعم وتسوية بعض الشكاوى.
لكن تقارير حقوقية دولية تؤكد أن سرقة الأجور/تأخيرها، صعوبة الوصول للإنصاف، وظروف العمل القاسية ما تزال قائمة لدى شرائح واسعة من العمال المهاجرين. منظمة العفو الدولية تشير إلى استمرار إساءات مثل حجز الأجور وضعف سبل الانتصاف.
وكذلك وثقت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أنماطًً من تأخر الأجور والانتهاكات المرتبطة بسلاسل المقاولين والوساطة.
الخلاصة: الاتفاقية قد تفتح بابًا قانونيًا للاستقدام، لكنها لا تضمن تلقائيًا “كرامة العمل” ما لم تُدعَّم بآليات إنفاذ ورقابة وتمثيل فعّالة.
- ما الذي قد تعنيه الاتفاقية تحديدًا للعمال الفلسطينيين؟
أ) إيجابيات واضحة على الورق:
إلزام صاحب العمل بتكاليف السفر ذهابًا وإيابًا (وبند الإجازة السنوية).
اشتراط أن يتضمن طلب الاستقدام تفاصيل الأجر والسكن والنقل والامتيازات.
تصديق العقود عبر جهات رسمية.
حق تحويل جزء من الأجور وفق الأنظمة المالية.
هذه نقاط قد تبدو مفيدة، خصوصًا إذا طُبِّقت بصرامة وتم منع التحايل عبر المقاولين من الباطن.
ب) نقاط هشاشة كبيرة (قد تُنتج استغلالًا “مقننًا”)
التمثيل النقابي الغائب: لا توجد أي مادة تلزم بإشراك نقابات (فلسطينية/قطرية/مهنية) في الرقابة أو حل النزاعات أو التفاوض على معايير قطاعية.
الوساطة ورسوم الاستقدام: الاتفاقية تُشير إلى مكاتب استقدام “مرخصة”، لكنها لا تضع صراحةً نظامًا مانعًا لرسوم الاستقدام التي تقع غالبًا على العامل (وهي بوابة “الاستدانة” والارتهان). تقارير "هيومن رايتس ووتش" حول رسوم التوظيف غير القانونية في قطر تبيّن خطورة هذا المسار.
بند الإعادة لأسباب “المصلحة العامة/الأمن”: النص يقول “دون الإخلال بالحقوق المستحقة”، لكن في الواقع العمّالي قد يتحول هذا البند إلى مصدر قلق إذا لم تُحدد ضمانات الإجراء والشفافية والحق في الطعن.
النزاعات: مسار فردي وبطيء أحيانًا: التقارير الحقوقية تتحدث عن ضعف الوصول للإنصاف أو طول الإجراءات لبعض العمال، ما يعني أن العامل قد يختار “التنازل” بدل الدخول في نزاع مكلف.
- “فقدان دور النقابات”: كيف يحدث فعليًا؟
من تجارب العمالة الوافدة لدول الخليج وتوقيع الاتفاقيات الثنائية الحكومية غالبًا تُنتج نموذجًا اسمه “إدارة العمالة” بدل “حماية العمالة”. وفيه:
العامل يُعامل كـ“ملف استقدام” (مؤهل/فحص/تأشيرة/عقد)، لا كصاحب حق جماعي.
حلّ المشكلات يتحول إلى “شكاوى أفراد” بدل “تفاوض جماعي” على الأجور والمعايير.
النقابات تُقصى من: التوعية قبل السفر، متابعة العقود، التفتيش، والدفاع القانوني المنظم.
وفي قطر تحديدًا، القيود على التنظيم النقابي وحقوق المشاركة النقابية للعمال غير المواطنين موثّقة من الاتحاد الدولي للنقابات.
هذا يجعل العامل المهاجر (ومن ضمنه الفلسطيني) أضعف تنظيمًا داخل سوق عمل شديد الاختلال.
- ما المطلوب كي لا تتحول الاتفاقية إلى “بوابة استغلال”؟
نقترح هنا بعض التوصيات العملية خاصة بالحركة النقابية الفلسطينية ،والتي يمكن المطالبة بإدخالها عبر بروتوكول ملحق (المادة 19 تسمح بالتعديلات):
*إدخال تمثيل نقابي/عمّالي في اللجنة المشتركة (ولو بصفة مراقب) + نشر تقرير سنوي علني عن الشكاوى والنتائج.
*حظر صريح وفعلي لرسوم الاستقدام على العامل + آلية تحقق واسترداد (التتبع المالي، تدقيق الوسطاء).
*نظام شكاوى مُتاح للعامل قبل وبعد الوصول (خط ساخن، مترجمين، دعم قانوني)، وربط الشكوى بالحماية من الانتقام.
*تفتيش مشترك ومعلن على السكن والعمل خاصة في القطاعات عالية المخاطر (الإنشاءات/الخدمات/الحراسة/العمالة المنزلية).
*عقد نموذجي مُحسّن: حد أدنى واضح للأجر، ساعات العمل، الإجازات، السكن اللائق، النقل، التأمين الصحي، ومنع حجز الجوازات.
*توعية قبل السفر في فلسطين: حقوق العامل، كلفة المعيشة، آليات الشكوى، وكيف يقرأ العقد.
بيانات شفافة: أعداد العمال، القطاعات، متوسط الأجور، حجم الشكاوى، نسبة التسويات… لأن غياب البيانات يخلق سوقًا رماديًا.
- خلاصة سياسية-نقابية
الاتفاقية قد تُقدَّم كفرصة تشغيل في ظل ضائقة اقتصادية فلسطينية، لكنها – بصيغتها الحالية – تُخاطر بأن تصبح ترتيبًا إداريًا للتصدير العمالي دون أن تُبنى حولها منظومة حماية حقيقية، خصوصًا في سياق تُقرّ تقارير دولية باستمرار الانتهاكات فيه رغم الإصلاحات.
الجوهر النقابي هنا: لا يكفي “عقد فردي مصدّق” إذا كانت القوة على الأرض تميل لصالح صاحب العمل وسلاسل المقاولين والوسطاء. ما يحمي العمال عادة هو: تنظيم + تفاوض جماعي + رقابة مستقلة + إنفاذ فعّال.
وعليه أن غياب التنظيم النقابي يعني أن العامل الفلسطيني سيكون أضعف وأكثر عرضة للاستغلال، خصوصًا في بيئة تُقيَّد فيها الحقوق النقابية للعمال غير المواطنين وفق تقارير الاتحاد الدولي للنقابات.