الجماعية بوصفها شرطاً للفعل والتغيير!
ادم عربي
2026 / 2 / 2 - 20:04
بقلم : د . ادم عربي
ما تزال مجتمعاتنا العربية تفتقر افتقاراً كبيراً إلى الروح والذهنية الجماعية في العمل والنشاط والتفكير واتخاذ القرار. فالذهنية الفردية ما تزال هي السائدة والمهيمنة، لا بوصفها استقلالاً واعياً ومسؤولاً، بل بوصفها انعزالاً وضعفاً في القدرة على الفعل المشترك. أما ما يظهر لدينا من أشكال الجماعية، وخصوصاً في المرحلة الراهنة، فلا يتجلى إلا في أسوأ صوره، كالجماعية الطائفية والمذهبية والقبلية والعشائرية، وهي جماعيات تقوم على تعصّب بغيض وكريه، يُلغى فيه عقل الفرد، وتُشوَّه مشاعره، وتُمسخ شخصيته، فلا يبقى له سوى قدرٍ ضئيلٍ من مقوّمات الاستقلال والحرية الحقيقية.
وانطلاقاً من هذا الواقع، يمكن تصنيف مشكلاتنا إلى نوعين أساسيين.
النوع الأول هو المشكلات الفردية أو الشخصية، وهي التي تخص الفرد وحده، ويمكنه التعامل معها أو السعي لحلها اعتماداً على جهده الذاتي وإمكاناته الشخصية، وبمساندة العائلة والأهل والأصدقاء والمعارف.
أما النوع الثاني، فهو المشكلات الجماعية، أي تلك التي يشترك فيها عدد من الأفراد، سواء كانوا قلّةً أو كثرةً. وهذه المشكلات، بحكم طبيعتها الجماعية، لا يمكن حلها أو حتى الاقتراب من حلها بجهود فردية معزولة، بل تتطلب تعاوناً منظماً، وتفكيراً مشتركاً، وتخطيطاً جماعياً، وإرادة جماعية واعية.
وليس من قبيل الاكتشاف الجديد القول إن لكل فرد، بوصفه مواطناً يعيش ضمن مجتمع، احتياجات ومصالح ومطالب وتطلعات مشتركة مع آخرين، سواء في الحي الذي يسكنه، أو في المدرسة، أو الجامعة، أو مكان العمل، أو ضمن المهنة التي يزاولها. ومن هنا، يصبح من الضروري أن يسعى الفرد، مع من يشاركونه هذه الاهتمامات والهموم، إلى البحث عن طريقة تتيح لهم تأسيس جماعية تُعنى بالأمر المشترك الذي يجمعهم.
فالتعاون، أو الاتحاد، ليس مجرد جمعٍ حسابيّ لقوى فردية متفرقة، بل هو قوة جديدة ومركّبة، تتجاوز مجموع الأفراد، وتفتح إمكانات للفعل لم تكن متاحة لكل فرد على حدة. ولهذا، فإن وسيلة الحل يجب أن تنسجم مع طبيعة المشكلة نفسها؛ فالمشكلة الجماعية لا يمكن أن تُحل إلا بوسيلة جماعية أيضاً. وربما يفسّر هذا السبب بقاء كثير من مشكلاتنا الجماعية دون حلول حقيقية، بل وتفاقمها مع مرور الزمن، لأننا لم نتعلّم بعد أهمية وضرورة الجماعية في العمل والممارسة والنشاط.
ومن هنا، تبرز أهمية المبادرة الفردية الواعية، وخصوصاً لدى جيل الشباب. إذ يكفي أن تستأثر فكرة العمل الجماعي باهتمام فرد واحد، ليبدأ بتداولها ومناقشتها مع مجموعة صغيرة من رفاقه، ممن يشتركون معه في المشكلة والحاجة والمصلحة والغاية والتطلّع. ومن هذه النواة الصغيرة يمكن الانطلاق تدريجياً نحو توسيع الدائرة، وضم مزيدٍ من الأفراد، وصولاً إلى تأسيس أداة واضحة للتنظيم والتواصل، سواء ضمن الحي، أو مكان العمل، أو المدرسة، أو الجامعة، أو في إطار المهنة.
وإلى جانب اللقاءات المباشرة والاجتماعات الواقعية، يمكن، بل ينبغي، استثمار الإمكانات الكبيرة التي تتيحها وسائل التواصل الاجتماعي، بوصفها أدوات فعّالة للاتصال، والنقاش، والحوار، والتنظيم، والتخطيط، واتخاذ القرار. ويمكن لهذه الجماعية أن تنشئ فضاءً خاصاً بها، كصفحة أو مجموعة مغلقة، يلتقي فيها الأعضاء لتبادل الأفكار، وبناء التوافقات، والاتفاق على ما يعتزمون القيام به خدمةً لأهدافهم المشتركة. وهكذا قد يجد الفرد نفسه منخرطاً في أكثر من جماعة، لأن المشكلات الجماعية التي تمس حياته كثيرة ومتنوعة ومتشابكة.
إن الأخذ بمبدأ الجماعية بهذا المعنى الواعي، ينمّي لدى الفرد الروح الجماعية، ويحرّره من الجماعات القائمة على التعصب والانغلاق، ويجعله أكثر وعياً بمعنى المواطنة، وأكثر إدراكاً لأهمية وجدوى العمل المشترك. ومع مرور الوقت، وتراكم التجارب، تؤسس هذه الجماعيات لما يشبه البنية التحتية للحياة الحزبية الحديثة، وللمجتمع المدني، الذي من رحمه تنبثق الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة.
فإذا كانت الحاجة واضحة، والإمكانات متاحة، والتجربة ممكنة…
فلماذا لا نبدأ؟