العواقب الاجتماعية لانشطار الذاكرة التاريخية
ثامر عباس
2026 / 1 / 31 - 10:01
تجمع غالبية المصادر السوسيولوجية الانثروبولوجية على حقيقة مفادها ؛ أن الإنسان ليس فقط (صانع للرموز) وإنما هو كائن مغمور بها ومتماهي معها ، بحيث لا يمكن له أن يأتي بأي نشاط اجتماعي أو يبادر بأي فاعلية ثقافية دون أن تكون مشحونة بالرموز ومعززة بالتمثلات ، التي عادة ما تكون رابضة في قيعان الذاكرة التاريخية وراكسة بين ثنايا المتخيل الجمعي . وعلى هذا الأساس لا تألوا نظم الحكم السياسي جهدا"في توظيف تلك الرموز واستثمار تلك التمثلات ، كلما دعتها الحاجة لتبرير مواقفها وتسويغ سياساتها وشرعنة سلطتها ، واضعة نصب عينيها حقيقة ان الإجماع الذي توفره تلك الرموز والتمثلات يصعب على أية جهة معارضة أو معادية اختراق شباكه وتفكيك عناصره ، حتى وان كانت ترزح تحت وطأة مظاهر الطغيان السياسي والحرمان الاقتصادي والارتهان الإيديولوجي .
ولأجل توضيح العواقب الاجتماعية والتداعيات السياسية والتبعات الحضارية التي قد تنجم عن انشطار الذاكرة التاريخية ، حري بنا الإشارة الى ضرورة التمييز ما بين مفهوم (الذاكرة الاجتماعية) وبين نظيرة مفهوم (الذاكرة التاريخية) ، اللذان يتواتر ذكرهما بكثافة في أغلب البحوث والدراسات السوسيولوجية والانثروبولوجية والسيكولوجية ، دون الاهتمام بما يشتملان عليه من فوارق واختلافات دلالية . ذلك لأن الفرق بين الذاكرة الأولى والذاكرة الثانية فرق كبير واختلاف نوعي ، يستحسن بالباحث المعني ألاّ بجهل أو يهمل تلك الفوارق والاختلافات وإلاّ فإنه سيكون عرضة لارتكاب الكثير من الأخطاء والوقوع في العديد من المغالطات . ولعل ما يحدث في واقع معظم المجتمعات المتصدعة والمفككة من حساسيات نفسية وانقسامات اجتماعية وصراعات سياسية ، قمين بإظهار تبعات ما قد ينجم عن ذلك الإهمال أو التجاهل ، ليس فقط في مضمار الخطابات المتشنجة والتصورات المحتقنة فحسب ، بل وكذلك في مجال العلاقات المجيشة والسلوكيات المستنفرة .
فعلى الرغم من واقعة التشابه بين كلا المفهومين على صعيد الاشتغال في مجالات (الذاكرة السردية) ، إلاّ أنهما لا يلبثان أن يفترقا على صعيد الفعل والتأثير في (السياقات الواقعية) . ففيما تستمد الذاكرة (التاريخية) أهميتها من كونها مقترنة بالسيرورات التاريخية التي يفترض أن أحداثها وقعت في الماضي وتعاقبت على تناقلها الأجيال كموروث مثخن بالرموز ، الأمر الذي أكسبها ميزتين أساسيتين ؛ الأولى وتتمثل بطابع (الثبات) النسبي في مضامير الوعي الجمعي والمتخيل التاريخي ، بحيث ان دلالاتها القيمية والرمزية لا تسقط أو تضمحل بالتقادم الزمني ، وذلك لكونها تعتمد في سردها وتدوينها على مصادر (الدين) و(الأسطورة) بشكل أساسي . والميزة الثانية تتجلى عبر خلقها نوع من (التوافق) العرفي والقيمي بين مختلف المكونات التي يتشكل من نسيجها المجتمع . هذا في حين تمتح الذاكرة (الاجتماعية) نسغ ديمومتها ودينامياتها من معين جدليات وتناقضات الواقع المعيش ، الذي تتقاطع في إطاره الارادات ، وتتصارع ضمن نطاقه الجماعات ، من منطلق ارتكازها على ما تستدعيه أهداف (السياسة) من نوازع ومصالح (الاقتصاد) من منافع . وهو ما يسبغ عليها طابع (التغيّر) الدائم في المضامين ، و(التبدل) المستمر في الاهتمامات .
وعلى أساس ما تقدم ، يمكن القول إنه - على عكس ما يتوقع من الذاكرة (الاجتماعية) - يفترض بالذاكرة (التاريخية) أنها (توحد) أكثر مما (تفرّق) ، و(تجمع) أكثر مما (تقسّم) . من حيث كونها تشتمل على كل يجعل الإنسان فخورا"بماضيه وشديد الاعتزاز بتاريخه ، بصرف النظر عن مقدار ما تمثله من أحداث واقعية ومعطيات معاشة ، لاسيما وان مواريث كلا المجالين (الماضي) و(التاريخ) غالبا"ما تستوحي قيمتها من (الدين) قداسته ومن (الأسطورة) رمزيتها ، بحيث يمنحاها هامشا"لا يستهان به من (الحصانة) الاعتبارية إزاء كل ما يعرضها للنقد الموضوعي ويسوقها للمساءلة المشروعة . ولذلك ، فالويل للمجتمعات التي لا توحّد جماعاتها سردية تاريخية مشتركة ، ولا تجمع مكوناتها منظومة دينية موحدة . إذ كلما حاولت الذاكرة (الاجتماعية) رأب الصدوع وترميم الشروخ الناجمة عن الاختلاف في الرؤى والتباين في المصالح ، لتخطي الخلافات الجانبية وتجنب الصراعات البينية التي من شانها إهدار الكثير من الفرص وفقدان الكثير من الامتيازات ، كلما تدخلت الذاكرة (التاريخية) لتأجيج تلك الخلافات وتسعير تلك الصراعات ، بوازع من دعاوى (الأحقيات) الفئوية و(الأفضليات) العصبوية التي طالما كانت – ولا تزال – السبب الرئيسي بخراب ودمار تلك المجتمعات ، ومن ثم إعاقة خروجها من دوامات العنف السياسي والتخلف الاجتماعي والفوات الحضاري .