بعد تهجير تجمعات رعاة فلسطينيين، التهجير القسري يستهدف جبهة جديدة
جدعون ليفي
2026 / 1 / 25 - 04:12
خمسة عشر منزلا في أحد أحياء قرية سنجل جرى التخلي عنها بالفعل بسبب عنف المستوطنين، فيما أغلق من تبقى من السكان على أنفسهم خلف الأسوار والبوابات
تذكر المنازل هنا بتلك الموجودة في أحياء راقية في جوهانسبورغ: أسوار من الأسلاك الشائكة تحيط بمنازل حجرية فخمة، وبوابات كهربائية. في المدينة الجنوب أفريقية، كما في سنجل بالضفة الغربية، تقام هذه الحواجز لحماية السكان من تصاعد الجريمة. غير أن الخوف في سنجل ليس من مجرمين عاديين، بل من مجرمين قادمين من بؤر استيطانية قريبة.
بدأ سكان سنجل بترك منازلهم؛ فقد أُخلي 15 منزلا مؤخرا، كما قيل لنا. ولم يبق سوى المشهد الفلسطيني الريفي الخالص: أشجار الصبار وبساتين الزيتون التي تنتشر في الوادي الخلاب.
خلال العامين الماضيين، وتحت غطاء الحرب في قطاع غزة في الغالب، أُقيمت بؤر استيطانية جديدة لمستوطنين عنيفين على التلال المحيطة بالقرية، شمال غرب رام الله، حيث استولوا على أراضٍ فلسطينية. هدف الغزاة هو طرد السكان المحليين، وهم يصرحون بذلك صراحة أثناء شن هجماتهم.
وإذا كان التهجير السكاني في الضفة الغربية قد بدا حتى الآن مركزا على التجمعات الرعوية – وهي الأضعف والأكثر عزلة – فإننا نتحدث في حالة سنجل عن بلدة يبلغ عدد سكانها نحو 8 آلاف نسمة، بات وجودها نفسه مهددا بوضوح. لا يزال مركز البلدة يبدو على حاله، لكن الأطراف، ولا سيما الجهة الشمالية المقابلة لمستوطنة شيلو وتوابعها، تتحول تدريجيا إلى ما يشبه منطقة حدودية شبه مهجورة. بعض المنازل خالية تماما، وفي أخرى يتواجد السكان نهارا فقط لحراسة ممتلكاتهم، لكنهم لا يجرؤون على المبيت فيها. من بين هذه الحالات الأرملة كوثَر دار خليل، البالغة من العمر 78 عاما.
تقع سنجل إلى الغرب من شارع 60، الشريان الرئيسي الذي يربط شمال الضفة الغربية بجنوبها. والجزء الممتد جنوبا من مفترق تفوح تصطف على جانبيه مئات الأعلام الإسرائيلية، التي غرسها المستوطنون كل بضعة أمتار خلال الأشهر الماضية. ويمكن للمرء أن يرى في هذا المقطع من الطريق أعلاما أكثر مما يراها في تل أبيب يوم عيد الاستقلال.
لن يجرؤ أي فلسطيني على المساس بهذه الأعلام الغريبة. الأرض فلسطينية، أما الأعلام فهي أعلام الاحتلال. وليس من الصعب تخيل ما قد يحدث للفلسطينيين لو تجرأوا على رفع علمهم الوطني عند مداخل قراهم.
فوق الحاجز الإسمنتي الذي يحمي منطقة تضم مواقف حافلات وأماكن يتوقف فيها الناس لالتقاط الركاب، مقابل المفترق الذي يؤدي غربا إلى مستوطنة نيفيه تسوف، رُصفت صفوف من الحجارة. ويبدو أن من ينتظرون هناك يمكنهم تمضية الوقت برشق المركبات الفلسطينية بالحجارة.
المدخل الرئيسي لسنجل – وهو تحريف لاسم “سان جيل”، وهي قرية فرنسية بنى فيها أحد قادة الحملة الصليبية الأولى قلعة – مغلق ببوابة معدنية عسكرية، شأنه شأن مداخل معظم التجمعات الفلسطينية في الأراضي المحتلة. وبالتالي، فإن الدخول يتطلب التفافا متخفيا عبر جزء قديم من شارع 60 المؤدي إلى مستوطنة معاليه لبونة وبؤرة “غفعات هروعيه”. نسلك طريقا فرعيا ينتهي عند بوابة معدنية مغلقة، لكنها هذه المرة بوابة فلسطينية، تحمي منزل عائلة المزارع بلال دار خليل.
بعد أن تعرض منزله، الواقع في الجزء الشمالي من سنجل، لأول هجوم من المستوطنين عام 2022، أقام بلال سياجا حوله وأغلق المدخل ببوابة. يسرع شاب لفتحها لنا. يرافقنا إلى الداخل عياد رفّاري، ناشط في مجال حقوق الإنسان، ومحمد رمانة، باحث ميداني في منظمة “بتسيلم” – مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة.
يقول رفّاري إن سنجل فقدت 67 في المائة من أراضيها منذ بدء الاحتلال عام 1967، و87 في المئة من أراضيها الزراعية لصالح المستوطنين. لكن شهيتهم لم تشبع بعد.
نقف في ساحة المجمع الذي يضم منزل بلال دار خليل، وسط برد قارس تخف حدته قليلا حينما تطل الشمس من بين الغيوم. في وسط الساحة نُصبت خيمة زرقاء، أشبه بمقر عائلي للمعركة، يقيم فيها حراس يتناوبون السهر ليلا لحماية المكان. بلال، البالغ من العمر 37 عاما وأب لثلاثة أطفال، يقول إنه لا ينام ليلا؛ إذ حتى هجوم قد لا يستمر سوى دقائق يفرض عليه البقاء في حالة تأهب دائم لحماية منزله وأغنامه، وقبل كل شيء عائلته. فحادث عنيف قد يقع في أي لحظة. تعيش والدته خضرا، البالغة من العمر 73 عامًا، معهم في المنزل.
تعيش العائلة في خوف دائم. لا يكاد يمر يوم دون أن يقتحم رعاة من البؤر الاستيطانية المنطقة، ويرعوا مواشيهم في أراضٍ لا تعود لهم، ويبثوا الرعب في نفوس السكان.
المنزل الحجري وغرفة التخزين في المجمع بناهما جد بلال في أوائل أربعينيات القرن الماضي. ومنذ اندلاع الحرب في غزة، يقول بلال، لم يعد قادرًا على إخراج قطيعه للرعي أو الوصول إلى أرضه في الوادي القريب – وهي مساحة تبلغ 20 دونما مزروعة بالزيتون والقمح والشعير. هذا الأسبوع أعدنا لأحد أطفاله كرة قدم كانت قد سقطت في الطريق خارج بوابة المجمع؛ إذ خاف الطفل من الخروج لإحضارها.
وقعت أولى الاقتحامات لمجمعهم في بداية ونهاية عام 2022، بحسب بلال، حيث سرق المستوطنون في كل مرة أربع خراف. وفي الغارة الثالثة، التي جاءت مباشرة بعد اندلاع الحرب، هاجم المعتدون النساء والأطفال داخل المنزل، ودمروا سيارة العائلة. وصلت قوات الجيش وأطلقت قنابل الغاز المسيل للدموع على… عائلة بلال. ولا تزال فوارغ القنابل متناثرة على الطريق المؤدي إلى البوابة المعدنية، شاهدة صامتة على ما جرى.
يقول المزارع إن الجيش، منذ اندلاع الحرب، بات يحمي المعتدين. أما قبل ذلك، فكان الجيش أحيانا يحمي السكان المحليين الذين يتعرضون للهجوم، لكن هذا لم يعد يحدث.
شقيقة بلال، تغريد، البالغة من العمر 58 عاما وأم لسبعة أبناء، كانت تعيش على بعد بضع مئات من الأمتار منه. لكن بعد أن ألقى مستوطنون زجاجة حارقة على منزلها قبل عام ونصف، ما أدى إلى اشتعال النار في الساحة، انتقلت للعيش لدى أقارب في سنجل.
قرابة الساعة الحادية عشرة صباحا يوم الخميس 8 كانون الثاني/يناير، نزل مستوطنان، أحدهما مسلح ببندقية M16، من تلة قريبة ومعهما أغنام. يقول بلال بالعبرية التي يستخدمها في عمله: “وقف المستوطن المسلح قرب سياج جارتي وناداني. سألته ماذا يريد فقال: اخرج من بيتك – إنه لنا. قلت له: هذا بيتنا. فقال: هو لنا. كل الأرض لنا”.
وأضاف: “قلت له: اذهب ولا تقترب من بيتي. ما زلت قادرا على حماية بيتي وعائلتي. فقال: اتصل بالجيش ليحميك. كررت: أستطيع أن أحمي نفسي. بعدها اتجه المستوطن نحو بوابتي واتصل بالجيش وطلب منهم القدوم. وبعد قليل وصل بعض الجنود”.
وثق أحد أقارب بلال الحادثة في مقطع فيديو. يظهر فيه جنود مسلحون يقتربون من المنزل وهم يصرخون في وجه بلال وشقيقيه، الواقفين خلف البوابة. يركل الجنود البوابة بعنف ويطلقون تهديدات، وفي لحظة ما يطلقون عدة طلقات في الهواء دون سبب واضح.
يقف في مواجهتهم ثلاثة رجال غير مسلحين لا يشكلون خطرا على أحد، ويحاولون عبثا شرح أن هذه ملكيتهم الخاصة وأنهم يتعرضون لتهديد من المستوطنين. في هذه الأثناء، يقف المستوطنان عند نهاية الطريق يراقبان المشهد. سلوك الجنود وحشي ومشين، وإن لم يصل إلى حد الاعتداء الجسدي؛ على الأقل أحدهم يطلق شتيمة بالعربية.
وردا على استفسار من صحيفة “هآرتس”، جاء في تعليق وحدة الناطق باسم الجيش الإسرائيلي: “يجري التحقيق في سلوك المستوطنين الذي تم توثيقه. وسيجري توضيح الإجراءات المتبعة في مثل هذه الحالات”.
في المقطع يبدو بلال جريئا لكنه متحفظ نسبيا في مواجهة الجنود المسلحين، وهو مشهد نادر. يقول لنا: “طلبوا مني فتح البوابة. قلت لهم: لا تملكون تفويضا لدخول بيتي. هناك أطفال صغار هنا وأنتم ترعبونهم. حاولوا فقط أن تدخلوا وتقتلونا جميعا”.
ويضيف أنه قال للجنود إنه يخشى أن يحرق المهاجمون منزله ويقتلوا بعض سكانه، كما حدث لعائلة دوابشة في بلدة دوما عام 2015، فرد عليه أحد الجنود: “هذا ليس بيتك”.
بعد أن أطلق الجنود النار في الهواء وهددوا بلال وشقيقيه بإطلاق النار عليهما إن لم يتراجعا، عاد الثلاثة باتجاه المنزل. غادر الجنود، لكن وحدة أخرى حلت مكانهم بعد وقت قصير. “من هو الشخص الذي صرخ في وجه الجنود؟” سأل أحدهم. ثم أطلقوا الغاز المسيل للدموع داخل الساحة وعلى المنزل. يتمتم بلال الآن: “الله وحده سيساعدنا”.
غير بعيد عن هناك، يقع منزل الأرملة كوثر دار خليل، إحدى قريبات بلال. يتصاعد الدخان من موقد الحطب في غرفة الجلوس. المنزل، الذي يدخل إليه عبر بوابة كهربائية تفتح بالتحكم عن بعد، يوحي باليسر. وكأنه غرفة عمليات، حيث تبث شاشة تلفاز كبيرة صورا حية من أربع كاميرات مراقبة تحيط بالمنزل. جميع النوافذ محصنة بالقضبان، كالسجن.
يُظهر مقطع فيديو ما حدث هنا يوم الخميس الماضي: يقترب مستوطن مع أغنامه من سياج المنزل، يقف أمام كاميرات المراقبة، ويبدأ برشقها بالحجارة. تتحطم إحدى الكاميرات وتتوقف عن العمل. وبحسب رفّاري، كانت كوثر وحدها في المنزل حين رأت المستوطن يقترب. اتصلت به وكان في رام الله، فطلب منها الدخول إلى غرفة داخلية وألا تخاف حتى يصل.
منذ اندلاع الحرب، تعيش كوثر وحدها بعد أن غادر بقية أفراد عائلتها الذين كانوا يقيمون معها بسبب تهديدات عنف المستوطنين. تبقى وحدها في المنزل نهارا لمراقبته، ثم تنتقل ليلا إلى منزل أحد أبنائها في سنجل. تعيش في هذا البيت منذ أكثر من 50 عاما. في غرفة الجلوس صورة لزوجها، عبد المنعم، الذي عمل طاهيا في مطاعم بتل أبيب وفي عدد من فنادق القدس، وتوفي قبل بضع سنوات. تقول إنه لو كان حيا، لأراهم المستوطنين “من هو صاحب البيت”.
في مقطع فيديو آخر صوره رفّاري يوم السبت الماضي، يظهر فتى مستوطن ذو خصلات جانبية طويلة ينظر من خلال البوابة بابتسامة استفزازية. يطالبه رفّاري بالمغادرة قائلا: “هذه ملكية خاصة”، ويهدده بالاتصال بالشرطة. فيرد الفتى: “يلا، روح جيبهم يا شرموطات”.