قيس سعيّد مسؤول عن الكارثة… لماذا؟
سامر بن عبد السلام
2026 / 1 / 25 - 00:14
شاهدنا مؤخرًا فيديو يردد فيه قيس سعيّد عبارة: "أين المسؤولون؟ وإذا قاموا بخدمتهم لماذا حدث هذا الضرر الكبير؟"، في إشارة واضحة إلى تحمّل المسؤولين فقط نتيجة الفيضانات الأخيرة، وكأنّ الرئيس نفسه بعيد عن أي مسؤولية في إدارة الدولة. جاء طرح هذا الموضوع في سياق تلك الفيضانات التي شهدتها عدة مدن تونسية، وما خلّفته من أضرار مادية كبيرة ومعاناة للمواطنين. وقد سارع عدد من أنصار رئيس الجمهورية إلى تفسير ما حدث على أنه نتيجة تقاعس المسؤولين المحليين والجهويين، معتبرين أن الخلل يكمن في الإدارة وفي من هم دون الرئيس، لا في الرئيس نفسه. ومن هنا برز هذا الخطاب الذي يفصل بين رأس السلطة ومن ينفّذون تحتها، ويُحمّل المسؤولية دائمًا للمحيطين به دون مساءلة موقع القرار الأعلى. وهو في الحقيقة خطاب تعوّدنا عليه تاريخيًا؛ فقد قيل سابقًا إن المشكل ليس في بن علي بل في من يحيطون به، وقيل إن المشكل ليس في مبارك بل في المسؤولين من حوله، ويتكرّر اليوم نفس المنطق بصيغة جديدة، وكأنّ رأس السلطة يبقى دائمًا خارج دائرة المحاسبة مهما كانت النتائج.
لكن هذا الطرح يغفل مسألة في غاية الأهمية: فشل المسؤولين ليس معزولًا عن تصوّر السلطة لأجهزة الدولة، وللعلاقات بينها، وللآليات الرقابية التي تنظّم عملها. فعندما تغيب الرقابة الشعبية على العمل الإداري، وتُهمَّش المؤسسات الرقابية الفعلية، تتغوّل البيروقراطية، ويتراجع نسق إنجاز المشاريع، وتصبح الإدارة فضاءً مغلقًا على نفسه بلا مساءلة حقيقية. وهذا يعيدنا إلى السؤال الجوهري: أليس نظام قيس سعيّد وتصوّره للدولة، ولطبيعة السلطة، ولعلاقتها بالمؤسسات، هو ما يوفّر الشروط التي أنتجت هذا الفشل؟
ففي تصوّر قيس سعيّد للدولة، الذي يقترب من النموذج البونابارتي، يجري إضعاف المجتمع المدني والأحزاب وكل الأطر الوسيطة التي تمكّن المجتمع من التأثير في القرار العام، بما يحدّ من الفاعلية الإنسانية ويُفرغ الفضاء العام من ديناميكيته. ويتزامن ذلك مع غياب مشروع ثقافي وتعليمي نقدي يُنمّي الحسّ النقدي لدى المواطن ويؤهّله للمساءلة والمشاركة الواعية. وحتى المجالس المحلية وما يُسمّى بالبناء القاعدي لا تبدو، في الواقع، سوى محاولة لاحتواء الطبقات الشعبية وإدماجها شكليًا في المشهد السياسي، دون منحها أدوات فعلية للاستقلالية أو التأثير الحقيقي. كما أن محاولة القضاء على أي استقلالية للأجهزة الأيديولوجية للدولة تجاه السلطة المركزية، وفرض كلمة واحدة ورأي واحد في الإعلام، يساهمان بدورهما في تقويض الرقابة والمعارضة، ويُضعفان كل إمكانية لقيام فضاء عمومي نقدي قادر على مساءلة القرار ومتابعة الأداء، وهو ما يفاقم أزمة المساءلة ويعمّق الخلل في إدارة الشأن العام.
أما على مستوى رئاسة الحكومة والوزراء والولاة، فتظل كل التعيينات بيد الرئيس نفسه، مع العلم أنّ جميع رؤساء الحكومات السابقين تمّ إنهاء مهامهم تباعًا دون توضيح الأسس أو المعايير التي استند إليها هذا القرار. ومن ثم تم تعيين من حلّ محلّهم، ثم إقالته أيضًا، دون أن يخرج الرئيس ليوم واحد ليفسّر للناس أسباب قراراته. ويمثل هذا الوضع خطورة مضاعفة عندما نعلم أن قيس سعيّد اختار ستة رؤساء حكومات منذ توليه الرئاسة، وهو ضعف عدد رؤساء الحكومات الذين تم تعيينهم في كامل فترة حكم زين العابدين بن علي التي دامت 23 سنة، ما يدلّ على عشوائية كبيرة في التعيينات في المناصب العليا، مع غياب الرقابة الشعبية وتغوّل البيروقراطية، التي كما أكّدنا، مشروع سعيّد يقوّيها بنيويًا على عكس ما يدّعي. ومع تدهور البنية التحتية عبر مراحل مختلفة من تاريخ تونس – من دولة الاستقلال، مرورًا بعهد بورقيبة وبن علي، مرورًا بالعشرية السوداء على رأسها حركة النهضة، وصولًا إلى الخمسية الأخيرة تحت حكم قيس سعيّد و التي لا تقل سوادا – يصبح من الطبيعي أن نشهد المآسي التي ظهرت في الفيضانات الأخيرة، والتي ألحقت أضرارًا جسيمة بالمنازل، إضافة إلى ضحايا في المنستير ونابل والمكنين.