اليسار واليسار المزيف


محمد علي الماوي
2026 / 1 / 24 - 20:12     

إن اليسار العربي بصفة عامة لا يمثل كتلة واحدة متجانسة بل هو منقسم الى كتلتين أو أكثر حسب الأقطار بحيث نجد التيار الإصلاحي الذي ينادي بإصلاح النظام الفاسد من الداخل تدريجيا ويدعو بالتالي الى النشاط في مؤسساته والمشاركة في انتخاباته وهو تيار "اشتراكي ديمقراطي" في بلد زراعي متخلف يختلف طبعا عن تيار اليسار الديمقراطي في شرق أوروبا والتيار الليبرالي الاجتماعي في الولايات المتحدة الامريكية أو في أمريكا الجنوبية.
ويعرف هذا التيار حق المعرفة انه لا يمكن تغيير مثل هذه الأنظمة الفاسدة من الداخل أو عبر انتخاباتها التي تكتفي بإعادة إنتاج نفس النظام بوجوه مختلفة. انه لا يمكن لهذه الأنظمة ان تتغير من الداخل لأنها مبنية على أساس استغلال الانسان ونهب ثروات البلاد فهل يعقل ان تتخلى عن السلطة بمحض إرادتها وتحكم على نفسها بالإعدام لذلك نقول ان هذا اليسار يسار انتهازي يناور وينافق ولا يخدم مصالح الشعب الكادح.
أما التيار الآخر المتمسك بالبديل الثوري أي بالثورة الوطنية الديمقراطية فهو يدعو الى مقاطعة مؤسسات النظام الفاسد ويعلن ان الانتخابات التي تشرف عليها الرجعية المحلية في العراق أو في السودان مثلا هدفها ترميم النظام وتجديد أنفاسه ولن يحدث أي تغيير يذكر لذلك نقول ان هذين التيارين متناقضين ولا بد من تبيان التمايز بينهما أمام الشعب الكادح حتى تفرق الجماهير بين الصديق والعدو المتستر علما وأنه في بعض الأقطار وفي مناسبات عدة سبق أن حصل التنسيق مع بعض القوى من التيارين في إطار مهمات مرحلية ورغم بعض التقاطعات المرحلية فانه من الضروري التأكيد على التمايز بين من اختار النهج البرلماني أي التحول السلمي ومن تمسك بالصراع الطبقي وناضل ضد الوفاق الطبقي وأعلن المقاومة ضد الامبريالية وعملائها.
ان اليسار العربي لا يزال في كل الاقطار يشكو من ضعف فادح وعاجزا عن التحول الى بديل شعبي نظرا لطبيعة السلطة القمعية التي تمارس كل أنواع المحاصرة وتنظم المحاكمات الكيدية ضد عناصر اليسار كما يرجع ذلك أيضا الى طبيعة هذا اليسار المتكون أساسا من عناصر برجوازية صغيرة متذبذبة لم ترتق الى مستوى فكر الطبقة العاملة ولم تنجح في توحيد كل أطراف اليسار الثوري.
لذلك لا يمكن للوحدة ان تتحقق بمجرد القيام بنقاش نخبوي داخل غرف مغلقة لان الوحدة هي ضرورة ونتاج لتطور الحركة الشعبية وانخراط المعنيين بالثورة (العمال والفلاحين أساسا) في النضال اليومي. وفي غياب الضغط الاجتماعي وبلوغ النضال أرقى مستويات الصراع الطبقي تبقى الوحدة مؤجلة وليست ضرورة تاريخية عاجلة فتظل الوحدة ترفا فكريا في قطيعة مع واقع الصراع الطبقي.
لقد حاولت العديد من أطراف اليسار توحيد بعض المجموعات بصفة فوقية تنحصر في نقاشات "زعماء" الحلقات لكن فشل مثل هذه التجارب المتكررة اثبت انه لا يمكن الحديث عن وحدة اليسار دون الانصهار الفعلي في العمال والفلاحين والانخراط في نضالهم من أجل التحرر كما لا يمكن الحديث عن توحيد اليسار الثوري دون الخوض في البرنامج السياسي لمرحلة التحرر وطبيعة الحزب المراد تأسيسه.
تكمن معضلة اليسار العربي في انه ينشط وفق برامج لا علاقة لها بالطبقة العاملة التي يتكلم بلسانها. فبدلاً من أن يكون اليسار نقيضاً طبقياً لقيادات البرجوازية الكمبرادورية والإسلام السياسي وحتى البرجوازية الوطنية الضعيفة جدا في ظل نظام الاستعمار الجديد، فقد تماهى اليسار الليبرالي مع الدول التي جاءت مع الاستعمار الجديد، فصار جزءاً من البنية التي كان من المفروض أن يعارضها.
ولذلك أصبح يلعب دور المعارضة صلب نظام الاستعمار الجديد لا نقيضاً طبقياً له، فاعترف بمؤسساته، وفقد استقلاليته وتحوّل الى ضحية مسار تاريخي من صنع الامبريالية والأنظمة العميلة وشارك فيه اليسار الانتهازي الذي تحوّلت مهمته الى مجرد وظيفة داخل النظام السائد في قطيعة مع علاقات الإنتاج فتخلى عن الصراع الطبقي وتبنى سياسة الوفاق الطبقي والتحول السلمي وقبل بجل الشروط الرجعية فلم يعد يهدد أحدا.
بل أصبح هذا اليسار البرجوازي الصغير يظهر في كل وسائل الاعلام الرسمية بما أنه قبل بلعبة الاستعمار الجديد وتماهى مع لغة حقوق الانسان المجردة والمفصولة عن بعدها الاجتماعي والمتناقضة في غالب الأحيان مع ما يفرزه الصراع الطبقي والنضال الوطني من مهام كفاحية (صراع مادي حول الشغل والسكن والاجر والتعليم والصحة...) فتكيّف هذا اليسار المنهار مع الهزائم المتكررة باسم الواقعية وتخلى نهائيا عن مهام الثورة التي استبدلها بالمعارضة الطيعة-الوديعة.
وسقط اليسار المسلح في فلسطين في نفس الفخ فتتالت الهزائم دون طرح تقييم جدي للأسباب فقد أصبحت المقاومة المسلحة كوظيفة عسكرية لا علاقة لها بمشروع التحرر الوطني الديمقراطي ولا ببناء مجتمع جديد لان البندقية وحدها لا تصنع التحرر الوطني فالتحرر الوطني يصنع عندما يتحول الوعي الى قوة ويبلغ مستوى مهام الثورة الوطنية الديمقراطية ذات الأفق الاشتراكي.
وهكذا يواجه اليسار العربي الليبرالي والثوري أيضا الازمة تلو الأخرى لأنه تهادن مع دول الاستعمار الجديد وتورط معها في العديد من المناسبات فتكلم بلغتها وخاض معها معارك انتخاباتها فتناسى مصالح الطبقة العاملة وفقدت الجماهير حزبها التاريخي، لأن الحزب الشيوعي الحقيقي لم يفرزه الصراع الطبقي بعد وان الأحزاب الموجودة والتي تزايد لفظيا بالشيوعية تتحدث دائما بلسان غير لسان الطبقة العاملة.
ان التحرر الوطني الديمقراطي ليس من مهام العملاء أو اليسار الانتهازي أو الإسلام السياسي بل من مهام حزب الطبقة العاملة الذي يجسد القطيعة التامة مع منظومة الفساد التي تحاول الانتهازية عبثا تغييرها من الداخل بهدف تغطية استسلامها لواقع الاستعمار الجديد المفروض إمبرياليا.
إن اليسار الثوري يولد صلب الصراع الطبقي والنضال الوطني في صفوف العمال والفلاحين وفي الحركات النقابية والشبابية والنسوية وفي الاحياء الشعبية والارياف المنسية وليس في مكاتب الجبهات "الوطنية" أو في النزل الفاخرة أو في الإذاعات الرسمية.
فالوطن ملك الشعب الكادح حين ينتفض ضد سلطة الاستعمار الجديد رافعا عاليا برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية.