-التحالفات- في تجربة الحزب الشيوعي العراقي
يونس متي
2026 / 1 / 24 - 19:10
بين الضرورة السياسية وفقدان المرجعية الطبقية
لم تكن سياسة التحالفات في الفكر الماركسي خياراً تكتيكياً عرضياً، بل ارتبطت دائماً بتحليل ملموس لموازين القوى، وطبيعة الصراع الطبقي، ومهام المرحلة التاريخية. والتجربة اللينينية - على سبيل المثال - قد ميزت بوضوح بين التحالفات التي تخدم مشروع التغيير الاجتماعي ، وتلك التي تتحول إلى مجرد غطاء لتقديم تنازلات استراتيجية تُفرغ السياسة الثورية من مضمونها الحقيقي .
غير أن نقل هذا المفهوم إلى السياق العراقي جرى في ظل شروط بالغة التعقيد ، فقراءة الواقع تشير الى دولة متأخرة بنيوياً، وبنية طبقية مشوّهة، وحضور قوي للدين والهويات الفرعية، وتدخلات خارجية مستمرة. كل ذلك جعل مسألة التحالفات أكثر حساسية، وأكثر عرضة للالتباس بين ما هو تكتيكي وما هو استراتيجي.
لقد خاض الحزب الشيوعي العراقي تجارب تحالفية متعددة منذ نشأته، اتخذت أشكالاً مختلفة تبعاً للمرحلة التاريخية ، فقد عُقدت تحالفات وطنية ضد الاستعمار والاستبداد ، كما اقيمت جبهات سياسية لمواجهة أنظمة قمعية ، وتنوعت القوى التي تم التحالف معها ما بين قوى قومية أو ليبرالية ، وأخيراً شهدنا تحالفات ضمن نظام سياسي قائم بعد 2003 .
في المراحل السابقة، كانت هذه التحالفات تُبرَّر غالباً بوجود عدو واضح مثلا (الاستعمار، او الدكتاتورية)، ويُنظم التحالف بمشروع وطني جامع نسبياً لمواجهة ذلك العدو . أما في المرحلة اللاحقة (مرحلة ما بعد 2003)، فقد جرت التحالفات داخل بنية السلطة القائمة، المشكّلة في جوهرها على أساس المحاصصة والهويات الفرعية ، ما ادى الى تغيّر جوهري في طبيعة التحالف ، اذ تحوّل من أداة نضالية إلى جزء من إدارة للواقع السياسي المأزوم .
وكما هو معروف ، فقد شكّل عام 2003 قطيعة حادة في طبيعة الدولة والمجتمع، وأعاد إنتاج السياسة على أسس جديدة ، اصبحت من خلالها الدولة ريعية وتابعة بأمتياز، وذات اقتصاد سوق مشوهة ، في ظل نظام سياسي قائم على المحاصصة و تسييس واسع للدين والهويات .
في هذا السياق، دخل الحزب الشيوعي في تحالفات انتخابية وسياسية مع قوى لم تكن تشترك معه في رؤية طبقية أو حتى ضمن مشروع اجتماعي متكامل ، بل كانت جزءاً من بنية النظام نفسه. وغالباً ما جرى تبرير هكذا تحالفات بـالواقعية السياسية ، وبمراعاة موازين القوى ، او تحت ذريعة تجنب الاسوأ .
غير أن هذه المبررات، رغم وجاهتها ضمن الظروف الموضوعية التي تطرح فيها ، الا انها لم تُرافق بتحليل علني لما يتطلبه أو يفرضه التحالف من تنازلات سياسية واجتماعية ، ولم تسبقها نقاشات مفتوحة حول حدوده الزمنية والسياسية. وهنا بدأت هذه التحالفات تتحول من أدوات تكتيك إلى خيارات شبه دائمة ، دون ان تحظى بمراجعة جذرية وتدقيق جدي .
ان أخطر ما في التجارب التحالفية بعد 2003 لم يكن مجرد الدخول في تحالفات واسعة، بل تركز في غياب المرجعية الطبقية الواضحة التي تُقاس بها هذه التحالفات.
ففي ظل الضعف الكبير في دور و مكانة الطبقة العاملة المنظمة ، و تفكك الوعي الطبقي و هيمنة الريع على الاقتصاد ، و الصعود الكاسح للهويات الدينية والطائفية ، أصبح من الصعب تحديد وجهة هذه التحالفات ، بمعنى لصالح اي الفئات الاجتماعية تدار ؟ وما الذي يميّز دور اليسار داخلها، عدا الخطاب العام؟
ومع غياب هذا التحديد، يكون من المنطقي ان يبدأ التحالف بالضغط بأتجاه عكسي ، على الخطاب اليساري نفسه، ويدفعه نحو التخفيف من حدة نقد الدولة الريعية، أو تجنّب الدعوة الواضحة لتفكيك البنى الدينية - السياسية، من اجل الدفاع عن (وحدة التحالف !!) والمحافظة عليه .
ان أحد الآثار المباشرة لمثل هذه التحالفات ، هو تحوّل خطاب اليسار من خطاب نقدي إلى خطاب توفيقي ، ومن تحليل واقعي ملموس إلى لغة عامة ، ومن دعوات جريئة لمساءلة الحلفاء إلى تجنّب الإحراج السياسي .
وهنا يظهر الخلل ، فالخطاب الذي لا يستطيع تسمية التناقضات داخل التحالف، ولا يقدّم تحليلاً صريحاً ، يتحوّل بالضرورة ، إلى كلام يبحث عن الامان قبل كل شيء ، وحينها ، لا يعود التحالف مجرد خيار سياسي ، بل يصبح عاملاً منتجاً لأزمة الخطاب والهوية معاً.
ومن المؤكد ، لا يمكن إغفال أثر هذه التحالفات على الحياة الداخلية للحزب. فحين تُقدَّم التحالفات بوصفها (ضرورة لا تقبل النقاش)، تتقلص مساحة الحوار الداخلي ، وتُختزل الاعتراضات في خانة (عدم الواقعية) أو (الانغلاق) او (التشدد والتطرف).
هذا المناخ سيؤدي الى مزيد من ضعف النقد الداخلي و يعمّق الفجوة بين القيادة والقواعد ، ويحوّل العمل السياسي بالتالي من فعل جماعي إلى قرار فوقي يجري تبريره لاحقاً ، وهو ما يعيد إنتاج نمط من الاغتراب التنظيمي ، لا يعالجه التوسع بالتحالفات بقدر ما يفاقمه.
إن مراجعة تجربة التحالفات في الحزب الشيوعي العراقي لا تعني رفض التحالف من حيث المبدأ، بل تعني إعادة ربط التحالف بالتحليل الطبقي ، لا باللحظة السياسية فقط ، و تشخيص حدود التحالف بوضوح ، زمنياً وسياسياً وبرنامجياً ، ما سيؤدي الى التمييز المنطقي بين التكتيك والاستراتيجية ، وسيفتح نقاش علني وداخلي حول جدوى التحالف وعدم الاكتفاء بتبريره بالمكاسب المحدودة.
فالتحالف الذي لا يخضع للمراجعة ، يتحول من أداة سياسية إلى قيد فكري، ومن وسيلة للتأثير داخل المجتمع إلى عامل تمييع للدور التاريخي لليسار.