احداث سوريا وصعود المد القومي


طارق فتحي
2026 / 1 / 21 - 20:15     

رأي خاص جدا

(إذا كان تحرير الطبقة العاملة يقتضي تعاونا أخويا بين العمال فكيف يمكنهم تحقيق هذه الرسالة العظمى مع وجود سياسة خارجية تتوخى أهدافا مجرمة وتلعب على وتر الأوهام القومية وتريق دماء الشعب وتبذر ثروته في حروب لصوصية) ماركس.. الحرب الاهلية في فرنسا.

من اعقد القضايا التي من الممكن ان يتحدث بها المرء هي القضية القومية، خصوصا وان النظام الرأسمالي العالمي وبقيادة القوى الكبرى زرعوا ورسخوا النزعات القومية بشكل حاد، فاغلب الاحداث يلبسونها الرداء القومي، ليخفوا فيها الصراع الجوهري والذي هو الصراع الطبقي، وقد تكون المنطقة التي نعيش فيها هي الأكثر وضوحا بالمسألة القومية، بل لا نغالي إذا قلنا ان الحس القومي هو الطابع الغالب عليها، حتى ان الكثير من الافراد والحركات الشيوعية والكثير من اليساريين انزلقوا من حيث لا يشعرون الى هذا المنحدر الخطر.

لم تكن الاحاسيس القومية وليدة الاحداث في سوريا، فالقومية كفكر وأيديولوجيا مترسخان في المنطقة ولهما تاريخ "القضية الفلسطينية، ميشيل عفلق، جمال عبد الناصر، البعث، الامة العربية، صدام حسين"، من جانب آخر هذه القومية مسحت او حجمت او قيدت أو الغت الى حد ما الكثير من القوميات في المنطقة، وهذا التحجيم والالغاء حدى بتلك القوميات ان تترسخ أكثر لدى قادتها ومعتنقيها، أو لنقل ان قادة تلك القوميات لعبوا على الوتر القومي بشكل محترف، لقد الغوا ومحوا كل مفهوم للصراع سوى الصراع القومي.

اليوم تتصاعد الاحداث في سوريا بين قوات سوريا الديموقراطية "قسد" وبين جيش الجولاني المدعوم من تركيا اردوگان الإسلامي، ومن بعض الدول الخليجية؛ كانت قوات قسد تدعمها الولايات المتحدة، لكن يبدو ان المصالح قد تغيرت بعد سقوط بشار الأسد بالنسبة للولايات المتحدة، فقد رفعت الدعم عن قسد، والاتفاق الذي تم عقده في أربيل بين توم باراك المبعوث الأمريكي لسوريا، وبين مظلوم عبدي وبواسطة نيجيرفان بارزاني، يبدو ان هذا الاتفاق هو اتفاق حول استسلام قسد للجولاني، وانسحابه من الكثير من المناطق التي كان يسيطر عليها، وهذا ما نراه واضحا من تسلسل الاحداث.

هذه الاحداث صعدت بشكل كبير من الاحاسيس القومية، فمدن الإقليم خرجت بتظاهرات ليلية عارمة، واغلبها غلب عليها طابع التعبئة والتجييش، ومطالبة الكثيرين من المواطنين بفتح الحدود للقتال الى جانب قسد، وهذا الامر قد افرح سلطة الإقليم، فهي تمر بأزمة عميقة جدا "رواتب متأخرة، حكومة متعثرة، خلافات مستمرة"، لقد كانت ازمة قسد بالنسبة لسلطة الإقليم بمثابة طوق نجاة، ولو بشكل مؤقت، فليس هناك أفضل من القومية كمنجد تجعلها حديث الشارع.

تلقف الكثير من الشيوعيين واليساريين تلك التظاهرات ونشروها على صفحاتهم الشخصية، وبدأت سلسلة تعليقات طفح منها الحس القومي، وصار الحديث عن "الامة المظلومة والأمة الظالمة"، وتحول مظلوم عبدي الى بطل قومي ومنقذ "للأمة الكوردية"، وتحولت "روجافا" الى "الكعبة او القدس". لكن الرفاق والأصدقاء من الناطقين باللغة الكوردية الذين تفاعلوا بشكل كبير مع الاحداث، واتخذوا منهج تفكير غير ماركسي وغير شيوعي، هؤلاء الرفاق والأصدقاء كان عليهم الحذر وعدم الانجرار لمواقع الفكر البورجوازي.

كتب لينين في مقال مقتضب جدا "آخر كلمة.. التعصب القومي البوندي":

"ومن يقل أ يجب ان يقول أيضا ب، ومن يتبن وجهة نظر التعصب القومي، يبلغ بالطبع حد الرغبة في احاطة قوميته وحركته العمالية بسور كسور الصين".

بالمشاركة في الهياج والحماس القومي فانه سيقضى على الحركة الأممية، انه يعني القضاء تماما كما يقول لينين على "تقارب ووحدة البروليتاريا من جميع الأمم وجميع العروق واللغات" انه تاكتيك سيء جدا، رغم كل المبررات والذرائع التي تساق من قبل الرفاق والأصدقاء الشيوعيين.