وقف إطلاق نار للإسرائيليين وحرب للفلسطينيين
جدعون ليفي
2026 / 1 / 21 - 04:52
لماذا ينبغي أن تهم غزة أحدا ما دام الإسرائيليون لا يُقتلون؟ عندما يخفت عويل صفارات الإنذار في إسرائيل، يعد ذلك وقفا لإطلاق النار.
عندما لا يُقتل إسرائيليون، يكون هناك وقف لإطلاق النار. وعندما لا يُقتل إسرائيليون، لكن أكثر من 400 شخص في غزة يُقتلون، بينهم 100 طفل، فهذا أيضا يُسمى وقفا لإطلاق النار. وعندما تُدمر إسرائيل 2,500 منزل في غزة في خضم وقف لإطلاق النار، ويشيد وزير الدفاع إسرائيل كاتس بجنود الجيش الإسرائيلي على عملياتهم، فإن ذلك لا يزال يُسمى وقفا لإطلاق النار.
وعندما يتجمد مئات الآلاف من سكان غزة حتى الموت ويغوصون في الوحل، يندرج ذلك ضمن تعريف وقف إطلاق النار.
وعندما يموت آلاف المرضى ذوي الحالات الخطيرة لأن إسرائيل تحرمهم من العلاج المنقذ للحياة أو من إمكانية مغادرة أقفاصهم والتوجه إلى أماكن أخرى للعلاج، فهذا وقف لإطلاق النار. وعندما تسأل امرأة إسرائيلية متعلمة، خلال وجبة يوم السبت، عما إذا كان لا يزال هناك جنود إسرائيليون في غزة، في وقتٍ يحتل فيه الجيش الإسرائيلي أكثر من نصف القطاع، فإن ذلك يُعد مؤشرا نموذجيا على وجود وقف لإطلاق النار، على الأقل كما يعرفه الإسرائيليون.
وعندما تعود الحياة في إسرائيل إلى طبيعتها، مع مسابقات الطهي والغناء على قدم وساق، ومع نقاشات معمقة حول القضية المصيرية لتسريب إلى مجلة «بيلد» الألمانية، فذلك هو جوهر وقف إطلاق النار ولبه. ولا يُعد خرقا جسيما لوقف إطلاق النار إلا عندما تخرج خلية من حماس من جحرها وتحاول زرع عبوة ناسفة بدائية وسط أنقاض غزة.
عندما لا يُقتل إسرائيليون، لا يكون لأي شيء آخر أهمية. لماذا ينبغي أن تهم غزةَ أحدا ما دام الإسرائيليون لا يُقتلون؟ عندما يخفت دوي صفارات الإنذار في إسرائيل، فهذا وقف لإطلاق النار. أما حقيقة أن غزة لا تزال تُقصف، لكنها تفتقر إلى صفارات إنذار، فغير ذات صلة. والعالم بدوره بدأ يُظهر علامات الإرهاق حيال غزة، رغم أخبار هذا الأسبوع عن إنشاء «مجلس للسلام»، لن ينقذ شخصا واحدا مُجردا من ممتلكاته في غزة من مصيره المرير.
عندما لا يُقتل إسرائيليون، يُعلن عن العودة إلى الروتين، أي إن الحرب انتهت، ويمكن العودة إلى موقع الضحية في السابع من أكتوبر، وإلى السرد المتواصل لقصص الرهائن، وإلى الغرق في حزن الأمس، والذهول في كل مرة تحاول فيها غزة، بيأس، تذكير الناس بوجودها. عندما لا يُقتل إسرائيليون، لا وجود لغزة، ولا وجود للقضية الفلسطينية برمتها.
عندما لا يُقتل إسرائيليون، يكون كل شيء على ما يرام. وعندما لا يُقتلون، يمكن استئناف إنكار غزة ونسيانها. وعندما لا يُقتل إسرائيليون في الضفة الغربية، تصبح الحياة أروع. أما حقيقة أن عشرات الفلسطينيين قُتلوا في الضفة الغربية منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، فهي أقل إثارة للاهتمام حتى من مئات الغزيين الذين قُتلوا في الفترة نفسها.
أخبار وجود وقف لإطلاق النار في غزة لم تصل إلى الضفة الغربية ولا إلى قيادة المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي. فجميع القيود القمعية التي فُرضت في الضفة الغربية مع بداية الحرب على غزة ما تزال قائمة، ولم يُلغ أي منها أو يُخفف.
وإذا كانت تلك القيود قد فُرضت بسبب الحرب، فلماذا لم تُرفع عندما انتهت الحرب؟ تسعمائة حاجز أُقيمت خلال الحرب؟ ما تزال التسعمائة قائمة بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. بوابات حديدية عند مداخل كل تجمع فلسطيني، تُفتح وتُغلق على نحو متقطع منذ بدء الحرب؟ الأمر ذاته مستمر بعد انتهاء الحرب. اعتداءات غوغائية خلال الحرب؟ بل وأكثر بعد انتهائها. عندما لا يُقتل إسرائيليون، فلا مشكلة.
لقد تبين أن فرض توقيع اتفاق وقف إطلاق النار على إسرائيل كان صفقة العام. فهذا أول وقف أحادي الجانب لإطلاق النار في التاريخ. يُسمح لإسرائيل بكل شيء، بينما لا يُسمح للطرف الآخر حتى بالتنفس. أُعيد جميع الرهائن باستثناء جثة واحدة، وتبخر الوعد بإخلاء غزة فور عودة الرهائن على الفور، وكأنه لم يُقطع أصلا. أتذكرون؟ عاد الرهائن، وإسرائيل في غزة منذ ذلك الحين وإلى الأبد.
كما أسهم وقف إطلاق النار في كبح الغضب العالمي ضد إسرائيل. فقد كان بعض العالم ينتظر فرصة للعودة واحتضان إسرائيل، ووقف إطلاق نار أحادي الجانب هو تلك الفرصة. لقد انتقل العالم إلى فنزويلا وإيران.
يمكن لترامب مواصلة ترويج فكرته عن السلام المُختلق الذي جلبه إلى الشرق الأوسط، ويمكن للإسرائيليين مواصلة إقناع أنفسهم بأن الحرب على غزة كانت مبررة وحققت جميع أهدافها. الآن انتهت. هناك وقف لإطلاق النار. المهم أن الإسرائيليين لا يُقتلون في غزة. أما كل ما عدا ذلك، فلا أهمية له.