الإمبريالية تحبّ الشعوب بطريقتها الخاصة!
منذر علي
2026 / 1 / 19 - 22:55
تعلن الولايات المتحدة الأمريكية في خطابها الرسمي أنها تحب جميع شعوب الأرض، ما عدا أولئك الذين يرفضون قيمها أو ينازعونها هيمنتها. ذلك الخطاب المغلف بشعارات “الحرية” و“حقوق الإنسان” و“الديمقراطية” يخفي وجهًا آخر للحقيقة؛ فـالحب الإمبريالي يبدأ بالقصف وينتهي بالنهب. منذ نشأتها على أنقاض الهنود الحمر — أول من ذاق طعم “الحُب الأمريكي” — لم تتوقف واشنطن عن ممارسة هذا النوع من الحنان المسلح تجاه الشعوب الأخرى. فهي تزعم أنها لا تغزو، بل “تحرر”، ولا تنهب، بل “تعيد البناء”، وكل حروبها، كما تقول، إنسانية، حتى وإن خلت من الإنسان.
في العراق تجلت هذه المحبة بوضوح فجّ، حين قررت واشنطن “إنقاذ الشعب العراقي من الديكتاتورية التي لا تروق لها”. فدخلت بجيوشها، وبررت الغزو بخطاب أخلاقي عن الحرية والديمقراطية، ثم دمرت الدولة، وقتلت الملايين، ومزقت النسيج الوطني، وسرقت النفط، وأمّنت ما تسميه “الأمن المطلق للكيان الصهيوني”. وحتى بعد أن سقط العراق في فوضى الاحتلال، استمر الخطاب الأمريكي في ترديد عبارة “نشر الديمقراطية”، وكأن الديمقراطية يمكن أن تزدهر على أرضٍ تُحرَث بالدبابات. وفي ليبيا، تكررت القصة نفسها:
أحبت واشنطن الشعب الليبي فأنقذته من “نظام لا يروق لها”، فغابت الدولة، وانتشرت الميلشييات، وتقاسمت الشركات النفطية ما تبقى من الجغرافيا، في حين تواصلت الحرب بوصفها نظام حياة لا وسيلة صراع. وفي سوريَا، ظهر “الحب الأمريكي” في تمويل الجماعات المتطرفة تحت لافتة الحرية، لتنفذ بوعي أو بدونه أجندة الهيمنة ذاتها. وكما قال نعوم تشومسكي، فإن الحب الأمريكي لا يورث مؤسسات، بل أنقاضًا منظمة تخدم السوق.
الولايات المتحدة أحبت الشعب الفنزويلي أيضًا، ولكن حبها هذه المرة كان ضد الديمقراطية. فقد رفضت انتخاب رئيس لا يخضع لها، فاختطفت الرئيس المنتخب، مادورو، من داخلها، ونهبت الثروات، وفرضت حصارًا باسم “الدفاع عن الحرية”. وهو المشهد ذاته الذي شهدته تشيلي عام 1973، حين أطاحت المخابرات الأمريكية بحكومة سلفادور أليندي المنتخبة لأن ديمقراطيتها لم تتفق مع قواعد السوق المفروضة من واشنطن. قتلٌ فإصلاحٌ فاحتلال اقتصادي، وهذه هي القاعدة الثابتة في قاموس “الإنسانية الأمريكية”.
ثم امتد “الحب” إلى الشرق الأوروبي والسوفييتي السابق. فقد أحبت أمريكا الروس وأنقذتهم عام 1991 من “الديكتاتورية المعادية للاستغلال الرأسمالي”، واستبدلتها باقتصادٍ تابعٍ للمصارف الغربية؛ فظهرت الأوليغاركية وعمّ الخراب الاجتماعي. كما “أحبت” قبل ذلك، شعوب أوروبا الشرقية، فعجّلت بانهيار أنظمتها الاشتراكية تحت شعار “التحول الديمقراطي”، الذي لم يكن سوى دمجٍ قسري في المنظومة النيو ليبرالية التي تحوّل الإنسان إلى سلعة والعالم إلى سوق، وفق وصف المفكر اليساري البريطاني، ديفيد هارفي.
ولم تسلم الصين من هذه العاطفة الكونية، فعقب أحداث تيانانمين عام 1989، قررت واشنطن “تحرير الشعب الصيني من استبداده”، لكن القيادة الصينية أدركت وقتها أن الإنقاذ الأمريكي لا يمنح الحرية، بل يسلب السيادة، فأفشلت مشروع “الدمقرطة المفصّلة على المقاس الأمريكي”.
أما إيران فهي اليوم هدف الحب الجديد. تسعى واشنطن إلى “تحرير الإيرانيين من الديكتاتورية الضارة”، لأن لديها — في قاموسها السياسي — تصنيفًا خاصًا: ديكتاتوريات “نافعة” وأخرى “ضارة”. فالأنظمة الصديقة، كالسعودية والإمارات والبحرين والأردن والمغرب، ديكتاتوريات نافعة، تخدم المال والسلاح والطاقة. أما إيران، فديكتاتورية “ضارة”، لأنها لا تفتح اقتصادها للشركات الأمريكية، ولا تعترف بمنظومة السيطرة الإسرائيلية.
وتبدو هذه مفارقة ساخرة حين نتذكر أن واشنطن نفسها هي من أسقطت التجربة الديمقراطية الإيرانية عام 1953 عندما أطاحت بحكومة محمد مصدق المنتخبة، فقط لأنه تجرأ على تأميم النفط، لتعيد تنصيب الشاه محمد رضا بهلوي، بوصفه “الديكتاتور الصالح”.
لكن “الحب الأمريكي” لا يقتصر على بلدان الجَنُوب الفقير. ففي أقصى الشمال، تتطلع واشنطن إلى جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، لا لأنها تريد تحريرها من نظام سياسي، بل لأنها تطمع في ثرواتها وموقعها الجيوسياسي في القطب الشمالي. وكذلك تفعل بالسويد، الحليف الليبرالي المثالي، إذ تسعى إلى النفاذ إلى أراضيها الغنية بالمعادن النادرة التي تحتاجها الصناعات التكنولوجية والطاقية. وهكذا تغدو الديمقراطية في منطق واشنطن مسألة نفعية بحتة: من يخضع للسوق الأمريكية فهو حر، ومن يرفضها فهو طاغية!
أما في اليمن، فلنا نحن أيضًا نصيب من “الحُبِّ الإمبريالي”. غير أن واشنطن اختارت تنفيذ مهمتها هناك بالوكالة؛ فوكلت الحرب إلى الأنظمة الخليجية الرجعية، وإلى إسرائيل، وإلى شبكة من العملاء المحليين التافهين الذين حوّلوا التبعية إلى سياسة، والحرب إلى استثمار دائم. تتحدث واشنطن عن “السلام في اليمن”، في حين تدير من وراء الستار حربًا طويلة الأمد تُبقي البلاد في فوضى متحكَّم بها، لتؤمّن مصالحها ومصالح إسرائيل في البحر الأحمر وباب المندب، وتمنع قيام دولة يمنية موحدة مستقلة الإرادة. إنه نمط جديد من الاحتلال بلا جنود أمريكيين، لكنه أكثر فتكًا واستدامة.
لقد نجحت الولايات المتحدة، طوال قرن، في تسويق العنف بصفته قيمة أخلاقية. فهي تدمّر لتبني، وتنهب لتمنح، وتقتل لتُحرّر. وتزيّن كل كارثة بعبارات “الحرية” و“الإصلاح” و“حقوق الإنسان”. هذه هي الإمبريالية في طورها المتأخر: لا تحتاج إلى غزو مباشر، بل إلى خطاب أخلاقي صُمم ليبرر الاستغلال ويخفي البربرية تحت أقنعة التحضّر. وهكذا غدا القصف ممارسة ديمقراطية، وغدت الشركات العابرة للقوميات أدوات خلاصٍ إنساني.
وفي النهاية، كما قال الأصمعي ساخرًا: ومن الحُبِّ ما قتل. لكن المسألة هنا ليست حبًا، بل كراهيَة متقنة الصياغة، وعنصرية مقنعة بلغةٍ إنسانية، وتوسعٌ إمبريالي يمارس البربرية بوجهٍ مدني. إنه، ببساطة، حبّ على الطريقة الأمريكية — حبٌّ يقتل من يدّعي إنقاذهم، حبٌ يغتال الإنسانية.