عفوية بلا أفق: قراءة نقدية في مشروع حركة جيل زد بتونس
سامر بن عبد السلام
2026 / 1 / 17 - 09:04
دفعني الخروج الأخير لمجموعة «جيل زد» في تونس يوم 14 جانفي، إضافة إلى بودكاست لإحدى المنتميات إلى هذه الحركة، إلى محاولة فهم هذا التيار من داخله لا من خلال الانطباعات السطحية أو الأحكام الجاهزة. ومن هذا المنطلق، قرّرت الالتحاق بسيرفر الديسكورد الخاص بالحركة، حيث أُنجز لقاء مباشر مع عدد من أعضائها. هذا اللقاء أتاح لي التعرّف عن قرب على تصوّراتهم، وخطابهم، وخلفياتهم الفكرية والسياسية، وطرح أسئلتي دون وسائط أو تشويه. وما أقدّمه هنا ليس ردًّا انفعاليًا، بل قراءة نقدية تستند إلى هذا الاحتكاك المباشر.
بدأ الحوار في أجواء طغت عليها العفوية من جانب الأعضاء الذين ناقشوني، وهي مسألة تعكس، في حدّها الأدنى، قدرًا من الصدق لدى المشاركين في هذه الحركة، وعفوية في التعبير عن مواقفهم دون أقنعة تنظيمية أو خطاب مُعلّب. لم يكن النقاش محكومًا بمنطق الدفاع الأيديولوجي الصلب، بل كان تعبيرًا مباشرًا عن تصوّرات شبابية ما تزال في طور التشكل. غير أنّ هذا الصدق والعفوية، رغم أهميتهما، لا يعفيان من ضرورة النقد، بل يفرضان قراءة أكثر صرامة للأسس التي تقوم عليها الحركة.
فما إن انطلق النقاش حول أهمّ الأفكار التي تدعو إليها «جيل زد»، حتى برزت ملامح طوباوية واضحة خلف مفهوم «الحركة الاجتماعية» كما تطرحه. فأوّل ما يُلاحظ هو أنّ الحركة تجمع الشيء ونقيضه: من تيارات ليبرالية إلى أخرى شيوعية، وهو ما يعتبره المنتمون إليها نقطة قوّة وتميّز. غير أنّ هذا «التميّز» المزعوم يكشف في العمق خللًا بنيويًا، إذ إنّ جمع المتناقضات لا يؤسّس حدًّا أدنى من توحيد الرؤى، بل يُفرغ المشروع من أي مضمون سياسي محدّد خاصة و ان جزء من مطالب الحركة مطالب سياسية تستلتزم حد ادنى من التناسق في التصورات لتكوين برنامج سياسي واضح المعالم
ويجيب القائمون على الحركة بأنّ توحيد المفاهيم يتمّ عبر ما هو «متعارف عليه» بين أبناء جيل زد، وبالخصوص في ما يتعلّق بمفاهيم كبرى مثل الديمقراطية. لكن هذا التعويل على توافق جيلي عفوي، بدل الوضوح النظري والبرنامج السياسي، لا يحلّ الإشكال، بل يؤجّله ويعمّقه، لأنّه يحوّل المفاهيم من أدوات تحليل وصراع اجتماعي إلى شعارات فضفاضة قابلة لكل التأويلات.
وهنا نصل إلى نقطة أكثر عمقًا: فالحركة لا تدرك أنّ «جيل زد» ليس فئة متجانسة، لا طبقيًا، ولا جهويًا، ولا أيديولوجيًا. إنّ التعامل مع الجيل باعتباره حاملًا تلقائيًا لقيم موحّدة هو اختزال خطير، سرعان ما يتحوّل إلى عامل تفكيك لا إلى عنصر توحيد، خاصّة إذا ما توسّعت الحركة لتشمل جهات وطبقات اجتماعية مختلفة. فذلك «التجانس» الذي يبدو حاضرًا اليوم ليس سوى انعكاس لتركيبة المنتمين الحاليين للحركة: شباب ينتمون في الغالب إلى البرجوازية الصغيرة، يحملون توجهًا تحرريًا عامًا يمتدّ من الليبرالية إلى الشيوعية، إضافة إلى فئة واسعة غير متكوّنة نظريًا، وهي في الواقع الغالبة عددًا.
لكن لنتخيّل أنّ هذه الحركة توسّعت لتشمل جهات يُمثّل فيها التيار المحافظ أو الإسلام السياسي وزنًا شبابيًا مهمًا، كجهة قابس مثلًا. أي تعريف «متعارف عليه» للديمقراطية يمكن أن يرضي في آن واحد شبابًا محافظين أو إسلاميين، وشبابًا ينتمون إلى خلفية برجوازية صغرى ذات أفق تحرري؟ من البديهي أنّ هذه الفئات ستقدّم تعريفات متباينة، بل متعارضة، للمفهوم ذاته و غيره من المفاهيم. وهنا بالضبط سيُطرح الامتحان الحقيقي للحركة.
ويزداد هذا الخلل خطورة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أنّ مثل هذه الحركات، بصيغتها الفضفاضة وغيابها لأي تحصين نظري، تصبح فريسة سهلة للاختراق، خاصّة من قبل الحركات الأكثر تنظيمًا وقدرة على التعبئة، وفي مقدّمتها الحركات الإسلامية. وعندما طرحتُ هذه المسألة، كان الجواب أنّ الحسم داخل الحركة لا يتمّ عبر التصويت أو ميزان القوى، بل عبر «الحُجّة». وهنا نُواجه إشكالًا حاسمًا: كيف يمكن وضع خطاب يستند إلى المقدّس في مواجهة خطاب ماركسي أو عقلاني، داخل فضاء شبابي غير مُسيّس في غالبه وغير حامل لأيديولوجيا واضحة؟ في مثل هذا السياق، لا تكون «الحُجّة» متكافئة أصلًا، لأنّ الخطاب الديني يمتلك سلطة رمزية وأخلاقية جاهزة، تتجاوز منطق الإقناع العقلاني. ومن الطبيعي، في غياب تكوين سياسي صلب، أن يميل الشباب إلى من يقدّم إجابات قطعية ويخاطب الهوية والانتماء و يتوافق مع الثقافة الشعبية و الين الشعبي الذي تلقاه في نشاته.
وتتجلّى القوقعة الطوباوية التي يتحرّك داخلها جزء من هذا الشباب في ردّ أحد المشاركين حين قال إنّه لا يعتقد أنّ الشباب يمكن أن يكونوا «سُذّجًا» إلى درجة اتّباع السلفية. فهذا القول لا يعكس وعيًا نقديًا بقدر ما يكشف آلية سلطوية خفيّة، يتمّ من خلالها الحكم على أبناء الجيل الواحد انطلاقًا من موقع اجتماعي وثقافي بعينه، مع تجاهل الفوارق في البيئة، والطبقة، وشروط التنشئة. وهنا نعود إلى نقطة البداية: فهؤلاء الشباب، وهم يعتقدون أنّهم ينطلقون من موقع «جيل زد» المتعالي على الطبقات، لا يفعلون في الواقع سوى إعادة إنتاج منظور البرجوازية الصغرى، بكل ما يحمله من مثالية وإنكار للتناقضات الاجتماعية.
في ضوء كل ذلك، يصبح من المشروع توقّع فشل هذا النوع من المشاريع، لا بسبب سوء النوايا، بل بسبب الأسس التي تنطلق منها. فالمشاريع التي تُبنى على واقع شبابي غير متكوّن نظريًا في غالبه، وتقدّم تعريفات سطحية لمفاهيم كبرى لم تُخضع لنقد أو إعادة تأسيس، تنتهي حتمًا إلى إعادة إنتاج ما تدّعي تجاوزه. وعندما تُرفع هذه التعريفات إلى مستوى المطالب السياسية، يُطرح السؤال الجوهري: هل الهدف هو بناء مجتمع أفضل فعلًا عن طريق اليات سياسية و هو ما يستلزم الكثير من التفكير و العمل و التدقيق في البرامج و المصطلحات ، أم تحقيق غايات فئة محدّدة من جيل زد، فئة تحتكم إلى تصوّرات تلقّتها عفويًا من الثقافة الشعبية، ومن المتواتر اليومي، دون وعي بمصادره أو بوظيفته؟
من هذا المنظور، ورغم الصدق الفردي لكثير من أبناء حركة «جيل زد»، فإنّ الحركة، في صيغتها الحالية، تميل موضوعيًا إلى أن تكون حركة غير تقدمية، لا تثور على الواقع القائم بل تُهدّئ تناقضاته، ولا تكسر منطق النظام السائد بل تطالب بتعديل بعض مظاهره من داخل الخطاب الرأسمالي العالمي نفسه. فـ«المتعارف عليه» الذي تستند إليه ليس نتاج صراع اجتماعي واعٍ، بل هو في معظمه حصيلة الأجهزة الأيديولوجية للدولة والهيمنة الثقافية العالمية، التي نجحت في تقديم حدودها لهذا الشباب باعتبارها أفقًا طبيعيًا ووحيدًا للتغيير.
إنّ أي مشروع يدّعي التقدّم لا يمكن أن يُبنى على إنكار الصراع الطبقي، ولا على تذويب التناقضات باسم الجيل أو العفوية. فبدون وعي جذري بالواقع وشروط إنتاجه، تتحوّل الحركات الجديدة من أدوات تغيير إلى صمّامات أمان، ومن وعود بالتحرّر إلى أشكال أخرى من التكيّف مع القائم او مجرد مهرب من الواقع المرير.