ما ينطبق على إيران ينطبق على غزة
جدعون ليفي
2026 / 1 / 15 - 04:47
ردود الفعل في إسرائيل مؤثرة. فقد مر وقت طويل منذ أن أظهرنا هذا القدر من التضامن مع شعب يئن تحت وطأة الاستبداد. وكالعادة، تولى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بما ينسجم مع دوره كمنارة للعدالة تنير العالم، تحديد النغمة.
قال نتنياهو في الكنيست الأسبوع الماضي، فيما كانت كلماته تتردد إلى أقاصي الأرض: «نحن في إسرائيل نتماهى مع نضال الشعب الإيراني وتطلعه إلى الحرية والعدالة». وأضاف رئيس وزراء إحدى الدول الرائدة في معسكر «الأمم الحرة المستنيرة»: «هناك صراع عالمي هنا بين دول تتبنى قيم الحرية والتقدم، ودول عنيفة».
في الصيف، توجه مباشرة إلى «الشعب الإيراني الفخور». سالت الدموع حينها أيضا. «لا تتوفر مياه للإيرانيين»، واعرب الرجل الذي يزود رعاياه في غزة والضفة الغربية بالمياه بغزارة. وقال: «العيش بهذه الطريقة ليس عادلا لكم. ليس عادلا لأطفالكم. لكن لدي خبرا سارا جدا: إسرائيل هي الدولة الأولى في العالم في إعادة تدوير المياه… نحن نعرف تماما ما يجب فعله».
وتحدث نتنياهو، بصفته وزيرا للمياه، عن افتتاحه قناة على “تلغرام” باللغة الفارسية لتعليم الإيرانيين إدارة المياه. «العطش إلى المياه في إيران لا يضاهيه إلا التعطش إلى الحرية»، هذا ما قاله شاعرنا, نيلسون مانديلا اسرائيل ، على طريقة شمعون بيريس. وأضاف: «وهنا الخبر العظيم: في اللحظة التي تصبح فيها بلادكم حرة، سيتدفق كبار خبراء المياه في إسرائيل إلى كل مدينة إيرانية».
تحدث نتنياهو عن أنهار وبحيرات في إيران تمتلئ من جديد، وعن السير يدا بيد على ضفافها. وأكد أن كل هذا ليس حلما، بل سيحدث غدا أو بعد غد. «يا له من قمع. يا لها من قسوة»، تنفس مارتن لوثر كينغ الابن في شارع بلفور بالقدس بحزن. «أحثكم على أن تكونوا جريئين وشجعانا – أن تجرؤوا على الحلم. خاطروا من أجل الحرية. من أجل مستقبلكم. من أجل عائلاتكم… اخرجوا إلى الشوارع. طالبوا بالعدالة… احتجوا على الطغيان… واعلموا انكم: لستم وحدكم… إسرائيل تقف إلى جانبكم. والعالم الحر بأسره يقف إلى جانبكم»، هكذا طمأن الايرانيين رئيس الوزراء الإسرائيلي.
«إيران للإيرانيين». قال تيودور هرتسل: «إذا شئتم، فليس ذلك حلما»، وأنا أقول لكم: إذا شئتم، فإن إيران حرة ليست حلما.
لنجرب فقط أن نجرؤ على انتقاد نتنياهو بوصفه طاغية، أو ان إسرائيل بوصفها نظاما استبداديا يضطهد شعبا آخر. اليوم يقول نتنياهو «إيران للإيرانيين»، وغدا سيقول «فلسطين للفلسطينيين». ولا تظنوا أن هذا مجرد رؤية تقدمية خاصة بنتنياهو. فمعظم الإسرائيليين مصدومون مما يُرتكب بحق المتظاهرين في إيران: إطلاق نار حي، آلاف القتلى. تخيلوا ذلك. يا لها من قسوة.
صحيفة «يديعوت أحرونوت»، التي تُعد جريدة الثورة، عرضت صفحتها الأولى الكلمات التالية، التي كتبتها المتظاهرة الإيرانية عزييتا قبل أن تُقتل: «نحن نقاتل من أجل الحد الأدنى من الكرامة؛ نقاتل ضد العقاب الجماعي؛ نقاتل من أجل مستقبلنا».
كان يمكن لهذه الكلمات أن تكتبها عزيتا من غزة أيضا. لكن لو كانت عزيتا فعلا من غزة، لما نشرت «يديعوت أحرونوت» كلمة واحدة لها، ولا حتى في الصفحة الأخيرة. «قُتلت في الشارع»، كتبوا، وهم أنفسهم الذين لا يستخدمون كلمة «قُتلت» عندما يُقتل متظاهر فلسطيني بالطريقة نفسها.
ها هم هؤلاء، هكذا يبدو مناضلو الحرية، وهكذا تبدو المعركة ضد الطغيان. هكذا يبدو المتظاهرون الإيرانيون، وهكذا يبدو مناضلو الحرية في غزة. معظم أهدافهم متشابهة.
عندما جرت تظاهرات قرب السياج الحدودي لغزة مع إسرائيل، أطلقت القوات الإسرائيلية النار بلا رحمة، تماما كما يفعل الآن «الحرس الثوري» الإيراني. قُتل أكثر من 200 متظاهر بنيران الجيش الإسرائيلي. وأُصيب نحو 28 ألف غزي، بينهم 7400 بنيران القناصة. هل شعر نتنياهو بالصدمة؟ هل نشرت «يديعوت أحرونوت» الكلمات الأخيرة لمتظاهرة؟
وثمّة إنجاز إسرائيلي آخر: النفاق في ما يتعلق بالنفاق. يحتج الإسرائيليون على أن اليسار العالمي يتظاهر من أجل الفلسطينيين، لا من أجل الشعب الإيراني. وعلى الرغم من أن في هذا الادعاء شيئا من الحقيقة، فإن الإسرائيليين هم آخر من يحق لهم انتقاد الآخرين بتهمة النفاق. في السابق كنا نغني مع أريك آينشتاين أغنية نحلم فيها ببراغ. واليوم لدينا أغنية نحلم فيها بطهران. ويبدو أننا لن نغني أبدا أغنية نحلم فيها بغزة.