النجوم التي لم تعرف السماء ( قصة )


احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن - العدد: 8587 - 2026 / 1 / 14 - 10:29
المحور: الادب والفن     

السماء المثقوبة

كانت سماء غزة في تلك الليلة ثقيلةً كرصاصة معلّقة في الهواء. لم تكن النجوم ترى من تحت الغبار، لكن الأطفال كانوا يرسمونها على سقف الغرفة تحت الأرض، بأصابع مرتعشة وبأقلام شمعية تكاد تنكسر من الفاقة.

"متى نرى النجوم الحقيقية يا مريم؟" سأل الصغير وليد، وكان في السابعة من عمره الذي بدا كأنه سبعون.

"عندما تتوقف الطائرات عن الغناء" أجابته مريم ذات الإثني عشر ربيعاً الملتوية كغصن زيتون محطّم. كانت تحمل قلماً شمعياً أزرق، ترسم نجوماً سداسية كتلك التي رأتها في كتاب مدرسي قديم.

كانوا عشرين طفلاً في القبو، مثل حبات عنب في كف مقبوض. بعضهم لم يعرفوا طعم الموز، لكنهم جميعاً عرفوا طعم الخوف. كان الخوف هنا كخبز اليوم، يُقسّم ويُوزّع ويُخبّأ للغد.

رائحة البرتقال والبارود

في الخارج، كان العالم يُعاد تشكيله على مقاس آلة حربية. كان هناك رجل في تل أبيب، يُمسك بملف قضائي في يد وبخريطة عسكرية في الأخرى، كمن يلعب بالنار والقانون معاً. كان يقول لنفسه: "الحرب هي السلام، والدم هو الحبر الذي نكتب به تاريخنا". وكان هناك رجل سابق في واشنطن، يبيع أوهاماً كالسلع، قدّم فلسطين على طبق من تويتر كأنها صفقة عقارية.

لكن هنا في القبو، كان الأطفال يلعقون قطعة سكر واحدة، يتناوبون عليها، كلّ يُمسكها ثوانٍ ثم يمرّرها. السكر هنا كان كنزاً، والنجوم على السقف كانت ثروتهم.

"سأصبح طيّاراً" قال وليد.
"لتحملنا إلى النجوم؟" سألته مريم.
"لا، لأحمل النجوم إلينا".

ساعة الصفر

عند منتصف الليل، بدأ الكون ينهار. لم تكن صافرات الإنذار تصفر، بل كانت تئنّ كحيوان جريح. الأرض نفسها كانت ترتجف كقلب مذعور.

وفي تلك اللحظة، نظر الأطفال إلى النجوم المرسومة فوقهم. بدت لهم حقيقية فجأة، كأن الأقلام الشمعية قد اخترقت الإسمنت ووصلت إلى السماء.

"انظروا! نجمة تتحرك!" صرخ طفل.

كانت فعلاً تتحرك، لكنها لم تكن نجمة. كانت شظية من قذيفة، تأخذ شكل النجمة التي رسمتها مريم، وكأن الحرب تحاكي فن الأطفال بسخرية مريعة.

الرقصة الأخيرة

في الدقائق التالية، حدث ما لا يُحكى. لكن الكلمات يجب أن تحاول، لأن الصمت خيانة.

تساقط السقف المرسوم عليه النجوم كرقائق من ذاكرة ممزقة. كل نجمة زرقاء تحولت إلى غبار، وكل طفل كان يحمل نجمة في عينيه.

مريم أمسكت بيد وليد، وكانت يداه باردة كحجارة الشتاء. "لا تخف" همست، لكن صوتها كان كورقة نخيل تُحكّ على حائط من فولاذ.

"النجوم..." قال وليد.
"نعم، سنذهب إليها" أجابته.

لكنهم لم يذهبوا إلى النجوم. ذهبوا إلى مكان لا توجد فيه نجوم، ولا سكر، ولا أسئلة عن السماء.

الحساب الختامي

في الصباح، جاء رجل من الأمم المتحدة، كان يرتدي بذلة بيضاء كأنه طبيب، لكنه لم يكن يحمل سوى حقيبة وأرقام. عدّ الجثث الصغيرة، وعيناه خاليتان من الدموع لأن الدموع، كما تعلم في الدورات التدريبية، "تعيق العمل المحايد".

كان يكتب في تقريره: "ضحايا: 20. أعمار: بين 3 و14. ملاحظات: بعضهم كان يمسك بأقلام شمعية".

وفي مكان آخر، كان سياسي يتحدث عن "حق الدفاع عن النفس". وكان آخر يتذمّر من أن الصور "تخلّ بالتوازن الإعلامي". وكان ثالث يعدّ الأصوات الانتخابية التي قد يخسرها إذا أظهر "تعاطفاً مفرطاً".

نجمة في جيب المعطف

بين الركام، وجد عامل الإنقاذ قلماً شمعياً أزرق. كان مكسوراً من المنتصف، لكن اللون الأزرق كان ساطعاً كعين طفل. ووجد أيضاً نجمة مرسومة على قطعة إسمنت، كانت قد سقطت من السقف وحافظت على شكلها.

أخذ العامل القطعة ووضعها في جيبه. لم يعرف لماذا فعل ذلك. ربما لأن الجيوب مصممة لحمل الأشياء الصغيرة، والأطفال أشياء صغيرة جداً في هذا العالم الكبير القاسي.

الاجتماع في جنيف

في تلك اللحظة بالضبط، كان دبلوماسيون يجتمعون في جنيف. كانوا يشربون قهوة باهظة الثمن، ويتحدثون عن "التصعيد" و"نزع السلاح" و"الحلول المستدامة".

كان أحدهم يقول: "المشكلة أن كلا الطرفين لا يريدان السلام".
وآخر يجيب: "لكن أطفال غزة يريدون السلام".
ضحك الأول: "الأطفال ليسوا طرفاً في المفاوضات".

على الطاولة، كانت تقارير تتراكم كالطوب. كل تقرير أثقل من الآخر، وكلها أخفّ من طفل ميت.

حلم السكر

قبل ساعات من الموت، كان وليد يحلم. حلم أنه في حقل سكر، ليس قصب سكر بل سكر نقي، أبيض كالثلج، حلو كالضحك. وكان يأكل منه حتى امتلأ، ثم كان يوزّعه على كل أطفال غزة.

في الحلم، كانت مريم تقول له: "لا تأكل كل شيء، اترك للغد".
فأجابها: "لكن الغد قد لا يأتي".
فضحكت وقالت: "الغد يأتي دائماً، هذا مشكلته".

جغرافيا اللامكان

الأطفال العشرون كانوا من أحياء مختلفة. بعضهم من الشجاعية، وبعضهم من التفاح، وبعضهم من حيّ لم يعد له اسم لأنه لم يعد موجوداً.

لكن في القبو، اخترعوا جغرافيا جديدة. جعلوا الزاوية اليمنى "جبل الكرمل"، واليسرى "شاطئ غزة". والباب كان "معبر رفح"، لكنه كان مغلقاً دائماً.

كانوا يلعبون "السفر". يضعون حقيبة وهمية على ظهورهم، ويقولون: "سنذهب إلى مكان لا تسمع فيه دويّ الانفجارات".
"وهل يوجد مكان كهذا؟" يسأل أحدهم.
"يجب أن يكون" تجيب مريم.

الفلسطيني الأخير

بعد أسبوع من الحادث، كتب كاتب في رام الله مقالاً قال فيه: "مات الأطفال العشرون لأنهم كانوا فلسطينيين. ولو كانوا سويديين، لكان العالم قد انتفض".

لكن العالم لم ينتفض. العالم شاهد، وتأثر قليلاً، ثم مضى في شأنه. لأن العالم، كما يبدو، لديه قدرة هائلة على مشاهدة المأساة ثم غسل عينيه كأنها غبار مؤقت.

رسالة لم تكتب

كانت مريم تكتب رسالة في دفترها قبل الموت. لم تكتمل. كانت تقول:

"عزيزتي الأرض،
لا أعرف إذا كنتِ تسمعيننا. نحن هنا تحت الأرض، نرسم النجوم لأننا لا نراها. إذا كنتِ تستطيعين فعل شيء، ارسلي لنا قطعة سماء صغيرة، حتى ولو كانت بحجم بطاقة هوية..."

توقفت هنا. لا نعرف ماذا كانت ستكتب. ربما كانت ستطلب المستحيل، والأطفال فقط يعرفون كيف يطلبون المستحيل بجدية.

الحسابات الباردة

في اليوم التالي، نشرت صحيفة إسرائيلية مقالاً عن "الإنجازات الأمنية". كانت الأرقام باردة ودقيقة: عدد الصواريخ المُعطلة، عدد المقاتلين المُحايدين، نسبة النجاح.

في زاوية صغيرة، كانت جملة واحدة: "وقعت إصابات بين المدنيين".
لم تذكر كم إصابة.
لم تذكر أعمارهم.
لم تذكر أن بعضهم كان يرسم نجوماً قبل أن يموت.

سوق الذاكرة

في شارع في غزة، يبيع رجل بقايا ذاكرة. عثور على دمى محروقة، كتب مدرسية ممزقة، صور عائلية مقطوعة.

يقول للزبائن: "هذه ليست مجرد أشياء، هذه حكايات".
ويقولون له: "نعرف، نحن نعيش الحكاية".
فيشتري أحدهم دمى، ليس لطفل، لأنه لم يعد لديه أطفال، بل ليضعها على شباك البيت، كأنها حراس صغار للغياب.

الريح تحمل أسماء

في الليل، تهبّ ريح قوية على غزة. يقول كبار السن إن الريح تحمل أسماء الموتى. كل نسمة هي اسم، كل هبوب هو قصة.

في تلك الليلة، حملت الريح عشرين اسماً. كانت أسماء بسيطة: مريم، وليد، أحمد، ياسمين، خالد... أسماء كانت ستكبر وتصبح أسماءً لشعراء وأطباء ومعلمين.

لكنها بقيت أسماء أطفال، معلقة في الهواء، تبحث عن فم ينطقها بغير حزن.

النجمة الوحيدة

اليوم، في موقع القبو، نبتت زهرة صغيرة. لا أحد يعرف كيف، في وسط الإسمنت والحديد.

ويقولون إنها تزهر ليلاً فقط، وتتخذ شكل نجمة. ويقولون إن من ينظر إليها يرى عشرين نجمة صغيرة في داخلها.

وقد يكون هذا كله خيالاً. لكن في مكان مثل غزة، حيث الواقع أكثر غرابة من الخيال، من يدري؟

ربما، فقط ربما، الأطفال العشرون لم يذهبوا إلى النجوم. ربما صاروا هم النجوم.

وفي ليلة صافية، إذا نظرت إلى سماء غزة، قد ترى نجوماً جديدة، صغيرة وحزينة، تضيء رغم أنف العالم.

……..
……..
قسم آداب غسان كنفاني في بيت الثقافة البلجيكي العربي - لييج - بلجيكا
يمكن قراءة الترجمة للمقالة باللغات الفرنسية والهولندية والألمانية والإسبانية والإنكليزية على الرابط التالي مجانا :
https://saloum1.substack.com