صراع العمالقة على أرض المأساة: فنزويلا بين مطرقة التاجر الصيني وسندان المحارب الأمريكي


احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن - العدد: 8586 - 2026 / 1 / 13 - 13:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

أرض تتفجّر ثراءً وتئنّ فقرًا

نحن الآن أمام أحشاء جبال "كورديليرا دي لا كوستا" هناك ليس بعيدا تنام أقاصي القارة اللاتينية، حيث تستقرّ أرضٌ تحمل تناقضاً مأساوياً: تختزن تحت ترابها من الذهب والمعادن النادرة ما يضعها في مصافّ كنوز الأرض، بينما يعاني ظاهرها من جوعٍ اقتصادي وتمزّقٍ سياسي يُذكّر بلعنة الموارد. هنا، حيث تُقدّر ثروات الأرض بمليارات تُحسب كنجوم السماء، تدور رحى صراعٍ خفيّ بين تنين الشرق وديك الغرب، على أرضٍ يملك أهلها المفاتيح ولا يملكون الأقفال.

حلم التنين الذهبي – الاستثمار الصيني بين الطموح والمأزق

لقد حلّق التنين الصيني مبكراً نحو سماء فنزويلا، حاملاً في منقاره وعود التنمية وفي جناحيه ستين ملياراً من الدولارات. كانت الصفقة واضحة في عهد شافيز: قروضٌ ضخمةٌ مقابل نفطٍ يسيل كالنهر، ومواردَ تُستخرج من أحشاء الأرض. لكن هذا الحلم الذهبي واجه قوانين الجغرافيا السياسية التي لا ترحم: لقد تحوّلت فنزويلا إلى "فخّ الديون الذهبية" حيث غرقت الصين في مستنقع من الوعود التي لم تنضج، بينما بقي التنين محافظاً على براغماتيته الحذرة، يلعب على وتر الانتظار في بحرٍ من الاضطراب.

سندان ترامب ومطرقة بايدن – السياسة الأمريكية بين العقاب والفرص

أمّا على الضفة الأخرى من المحيط، فكانت واشنطن تُعيد ترتيب أوراق لعبة القوى في فنزويلا، حاملةً في يدها عصا العقوبات القاسية، وفي الأخرى غصن التهديد والوعيد. هنا يبرز السؤال المحوري: هل كانت السياسة الأمريكية مجرد ردّ فعل على نظامٍ معادٍ، أم أنها مغامرة محسوبة بدفعٍ خفي من عمالقة التكنولوجيا والنفط الذين يتطلّعون إلى ثروات الأرض النادرة؟

الحقيقة تقع في منطقة رمادية بين هذين القطبين. فبينما تُصرّ واشنطن على خطاب "الديمقراطية وحقوق الإنسان"، فإنّ أذناً صاغيةً لنداءات شركات الطاقة والتكنولوجيا التي تعاني من شحّ المعادن الإستراتيجية. إنها لعبةٌ ثلاثية الأبعاد: عقاب نظام، وضرب نفوذ صيني، وفتح أبوابٍ قد تُؤدّي إلى كنوز الأرض.

شعب بين المطرقة والسندان – هل ستتحول فنزويلا إلى فيتنام جديدة؟

وهنا يطفو على السطح ذلك السؤال المصيري: أين يقف الشعب الفنزويلي من هذه المعادلة؟ إن ملايين المؤيدين للثورة البوليفارية ليسوا جيشاً نظامياً، بل هم نسيجٌ معقّد من الولاءات الأيديولوجية والاجتماعية. قد تكون المقاومة المحتملة مختلفة عن فيتنام؛ فلن تكون غاباتٌ وأدغال، بل ستكون شوارعٌ وقلوب، ولن تكون دبّابات وطائرات بقدر ما ستكون إرادة شعبٍ عرف الذلّ الاقتصادي ولا يريد استبدال سيّدٍ بسيّد.

لكنّ فنزويلا ليست فيتنام، والعالم ليس هو العالم ذاته. فالتدخل اليوم يأتي بأقنعة الاقتصاد والضغط الدبلوماسي أكثر منه بالجيوش والغزوات. والمقاومة إن حصلت، ستكون مقاومةً من نوع جديد في عصر العولمة: حرب معلومات وصراع شرعيات وحرب اقتصادية طاحنة.

لعبة الظلال – بين السرقة والمنافسة الشرعية

هناك بعض المعلومات الاستخباراتية المتداولة على نطاق ضيق، أننا أمام "سرقة" أمريكية للاستثمار الصيني، لكن الحقيقة أكثر تعقيداً من هذه الثنائية. فالصين لم تمتلك المعادن بل اشترت وعوداً، والولايات المتحدة لا تسرق ما لا تملكه بل تخلق ظروفاً تجعل امتلاكه ممكناً. إنها "لعبة ظلال" في السوق الدولية حيث تتحول الموارد إلى أوراق ضغط، والمستثمرون إلى رهائن في معركة أكبر.

إنّ الثروة الفنزويلية صارت نقمة على أهلها، وجنة للمتنافسين من حولها. فبينما يتنازع العملاقان على الكنز، يُترك الشعب الفنزويلي في دوامة من التضخم والجوع والهجرة، وكأنه شاهدٌ على مسرحية مصيره الذي يُكتب بعيداً عن إرادته.

أرض الثراء وأهل الفقر – هل من خلاص؟

تبقى فنزويلا لوحةً حيّة لتناقضات القرن الحادي والعشرين: أرض تختزن ثروات تعيد تشكيل خريطة القوى العالمية، وشعبٌ يعاني من ويلات اقتصادية تذكّر بأزمات القرون الماضية. إنّ الصراع عليها ليس مجرد "مغامرة" أمريكية ولا "سرقة" صينية، بل هو فصلٌ من فصول التحول الجيوسيميائي العالمي، حيث تتحول المعادن النادرة إلى ذهبٍ جديد، والأوطان إلى رقاعات في لعبة كبرى.

قد يكون مصير فنزويلا رهناً بقدرة شعبها على تحويل الأرض الملعونة بثرواتها إلى أرضٍ مباركة بإرادتها، وبقدرة العالم على فهم أن ثروات الأرض ليست ملكاً لمن يحفر لها، بل إرثاً إنسانياً يجب أن يُدار بحكمة تتجاوز صراع التنين والديك، لصالح الإنسان الفنزويلي الذي يبقى الحلقة المفقودة في معادلة الصراع هذه.

……

المادة الساخرة :

مبدأ "دونرو" الجديد: عندما يصير الاستعمار تطبيقاً على هاتفك الذكي!

من مونرو إلى "دونرو" - تطور الوحشية بلمسة برتقالية!

بينما كان العالم يظن أن مبدأ مونرو ("أمريكا للأمريكيين") قد عفا عليه الزمن، ها هو يعود من رماده مثل فينكس برتقالي الشعر، محملاً على ظهر تويتر الأزرق ومغلفاً بوعود إيلون ماسك المريخية! نعم أيها السادة، لقد انتقلنا من "أمريكا للأمريكيين" إلى "العالم لأمريكا، وأمريكا لترامب، وترامب لترامب" تحت الشعار الجديد: مبدأ دونرو!

ترامب والخريطة السحرية - "ذهب هنا، نفط هناك، وأنا في المنتصف!"

في ليلة من ليالي 2019، بينما كان دونالد ترامب يتصفح تويتر على هاتفه الذهبي (نعم، ذهبي حرفياً)، ظهرت له خريطة فنزويلا كأنها لعبة "كنز القراصنة" في العاب الموبايل. "لماذا ندفع للنفط عندما يمكننا... أخذه؟" هكذا سأل مستشاريه الذين قدموا له 37 تقريراً معقداً عن السيادة الدولية. مزقهم جميعاً وقال: "سأكتب تغريدة واحدة وسنملك الذهب بحلول الغداء!".

ترامب، الذي يرى العالم كمجموعة عقارات متروكة للإيجار، نظر إلى فنزويلا وقال: "البلد هذا مساحة رائعة للتطوير، يمكنني بناء أطول جدار هنا... ليس ضد المهاجرين، بل لإبقاء الصينيين خارجاً!".

إيلون ماسك - المستعمر الرقمي الذي يريد كل شيء!

أما السيد ماسك، فبينما كان يعد العدة لغزو المريخ، اكتشف فجأة أن فنزويلا أقرب وأرخص وأكثر وفرة بالليثيوم! فصرخ في فريق عمل تسلا: "توقفوا عن البحث عن صخور فضائية، هناك أرض مليئة بالمعادن وبدون سكان مريخيين غاضبين!".

لقد تخيل ماسك فنزويلا كمزرعة خادمات ضخمة لسياسته الكهربائية: "لماذا نشتري المعادن عندما يمكننا... استعمارها؟ سأرسل سيارات تسلا ذاتية القيادة لتجمعها، وسأبني نفقاً تحت المحيط لنقلها مباشرة إلى مصانعي!". وحين ذكّره أحد المستشارين بأن هذه تسمى "جرائم حرب"، أجاب: "هذه ليست حرباً، هذه ابتكار disrupting للجيوسياسة!".

لوبيات التكنولوجيا والنفط - عندما يصير النهب "اجتماع مجلس إدارة"

في أروقة واشنطن، اجتمعت أقوى اللوبيات تحت شعار: "لماذا نستثمر عندما نستحوذ؟ ولماذا نستحوذ عندما نسرق؟ ولماذا نسرق عندما... نجعله يبدو كأنه تحرير؟".

· لوبي النفط: "لدينا مشكلة: فنزويلا لديها أكبر احتياطي نفط في العالم ونحن... نريد أكبر احتياطي نفط في العالم!"
· لوبي التكنولوجيا: "الهواتف الذكية تحتاج معادن نادرة، وفنزويلا تملكها، وهذا يعني... أن فنزويلا ملك لنا!"
· لوبي الأسلحة: "انتظرونا... ستحتاجون إلينا في كل الأحوال!"

لقد حوّلوا العقوبات إلى "عرض ترويجي" للحرب، والتدخل إلى "خدمة ما بعد البيع" للديمقراطية الأمريكية!

"دونرو" في العمل - الكل يغني على ليلاه!

المشهد الأول: ترامب في البيت الأبيض يوقع على عقوبات بينما يهمس: "هذه ليست عقوبات، هذه رسائل حب اقتصادية!".

المشهد الثاني: إيلون ماسك يعلن عن "هايبرلوب" جديد يصل مباشرة من مناجم فنزويلا إلى مصانع كاليفورنيا، ويسميه: "خط الحرية المعدني!".

المشهد الثالث: اللوبيات في كواليس الكونجرس توزع "كوبونات خصم" على النواب لحصة في المعادن النادرة، مكتوب عليها: "اجعل أمريكا عظيمة... وعظيمة الثراء!".

مقاومة شعبية أم "تطبيق مقاومة" على متجر أبل؟

أما عن تهديد تحول فنزويلا إلى فيتنام جديدة، فقد كان ردهما مذهلاً:

· ترامب: "فيتنام؟ تلك الحرب التي خسرناها؟ لا شكراً! هذه المرة سنستخدم تويتر بدلاً من القنابل!"
· ماسك: "يمكننا حل هذه المشكلة بتقنية! سأصنع روبوتات مقاومة وأبيعها لهم كخدمة اشتراك شهرية!"

لقد حوّلا المقاومة إلى "مشكلة تقنية" تحتاج إلى "حل ابتكاري"! ربما سيطلقان تطبيق "Uber-revolution" حيث يمكنك طلب ثورة من سيارتك!

عندما يصير الاستعمار "ستارت أب"!

ها نحن نشهد "أوبرا" جديدة من استعمار القرن الحادي والعشرين: استعمار بخصائص السوشيال ميديا! استعمار يمكنك متابعته على تويتر، وتحفيزه بتغريدات، وتمويله من خلال كروت الائتمان!

مبدأ دونرو يعلمنا أن:

1. الذهب فنزويلي، لكن ملكيته أمريكية
2. المعادن نادرة، لكن الوقاحة متوفرة بكثرة
3. السيادة الوطنية مفهوم قديم كالهواتف ذات الأزرار

وختاماً، يسأل ترامب مستشاريه: "إذا سرقنا معادن فنزويلا ووضعنا عليها شعار صنع في أمريكا ، فهل يزال هذا سرقة؟".

يجيبه الجميع بصوت واحد: "لا سيدي الرئيس، هذا إعادة توجيه للموارد في إطار التحول الديمقراطي !".

وهكذا أيها السادة، يتحول النهب إلى "إبداع"، والغزو إلى "تحديث"، والاستعمار إلى "تطبيق ذكي" يمكنك تحميله من متجر أبل... مع رسوم اشتراك شهرية طبعاً!

فنزويلا: أول بلد يُختطف ليس ببواخر وحروب، بل بتغريدات ووعود سيارات كهربائية!

#دونرو_مبدأ_القرن_الحادي_والعشرين
#عندما_يكون_النهب_إبداعاً
#فنزويلا_تطبيق_قيد_التطوير

…….
قسم دراسات سمير امين في بيت الثقافة البلجيكي العربي - لييج - بلجيكا
يمكن قراءة الترجمة للمقالة باللغات الفرنسية والهولندية والألمانية والإسبانية والإنكليزية على الرابط التالي مجانا :
https://saloum1.substack.com