عن موقع يكتب لأنه لم يتعلم كيف يتوقف


محمد عبد القادر الفار
2026 / 1 / 11 - 23:10     

لم يعد هذا الموقع منصة حوار، أو هكذا أكتشف الآن، وأنا أقرأ وأتوقف أكثر من مرة. صار مكانا يشبه تلك المدن المهجورة في أفلام نهاية العالم، المدن التي تمر بها الكاميرا ببطء زائد عن اللزوم، حيث تتحرك الأجساد أكثر مما تتحرك الأفكار، وحيث الاستمرارية لا تعني الحياة بل تأجيل الموت، تأجيلا طويلا ومحرجا، كما لو أن أحدا نسي أن يطفئ الجهاز.

ما يُنشر هنا لا يُحرر، أو نادرا، وبشكل يكاد يكون عرضيا. وما لا يُحرر لا يعيش، هذه ليست مبالغة. هو فقط يُعاد تحريكه، مرة بعد مرة، كجسد لم يتلق الإشارة بعد، أو تلقاها متأخرا.

الحوار المتمدن اليوم أقرب إلى فيلم زومبي منخفض الميزانية، ليس لأن الفكرة سيئة، بل لأن التنفيذ متروك لمصادفات مرهقة: لا شرير واضح، لا بطل، ولا مونتاج يقرر متى يجب أن تتوقف اللقطة، أو حتى يسأل لماذا ما زالت مستمرة.

في سينما جورج روميرو، كان الزومبي استعارة اجتماعية واعية، مقصودة، ومزعجة بذكاء. هنا، الزومبي مجرد نتيجة تقنية، أو نتيجة غياب قرار لم يُتخذ أبدا. نصوص تمشي لأنها لم تُدفن، لا لأنها تستحق أن تُكمل، وهذا فرق ثقيل حين نفكر به بجدية.

الخريف لا يكون مأساة حين يُعاش بكرامة، وهذه فكرة بسيطة لكنها دقيقة. المأساة أن يصر المكان على لعب دور الربيع وهو يتساقط، وأن يراكم الأوراق الصفراء ويسميها تنوعا، ربما بنية حسنة، أن يفتح الباب لكل شيء، ثم يتساءل، ببراءة مصطنعة، لماذا لم يعد هناك اتجاه.

غياب التحرير ليس حيادا، حتى لو بدا كذلك من الخارج. هو قرار. قرار بترك النصوص تتكدس مثل لقطات غير منتقاة في غرفة مونتاج مهجورة، حيث لا أحد يملك الجرأة ليقول: هذه اللقطة تُرمى، وهذه لا، وهذه كنا نظنها مهمة لكنها لم تعد كذلك.

في أفلام بيلا تار، البطء اختيار فلسفي، واع، ومكلف، ويعرف ثمنه. هنا، البطء عرض جانبي للإهمال، لا أكثر، وربما أقل مما يجب. وفي سينما هانكه، الصمت أداة مساءلة، ضغطا نفسيا مقصودا لا يريح أحدا. هنا، الصمت فراغ إداري، فراغ لا يسأل ولا ينتظر جوابا.

المكان الذي لا يعرف كيف يقول "لا"، لا يستطيع أن يقول أي شيء ذي معنى، حتى لو تكلم كثيرا، وحتى لو ملأ الفراغ بالكلمات.

والأرشيف، حين ينفصل عن الوعي، يتحول إلى مقبرة، ببطء لا يلفت الانتباه. والمقابر لا تحتاج كتّابا جدد، بل شاهدا واحدا يعرف متى يغادر، ومتى يتوقف عن الإضافة، ومتى يصمت.

هذا النص ليس هجوما، ولا يرغب في أن يكون كذلك، بصراحة. هو تشخيص، وربما اعتراف متأخر، أو محاولة أخيرة للفهم.

ولا شيء أكثر قسوة من تشخيص هادئ لمكان ظن طويلا أنه ما زال حيا، أو أقنع نفسه بذلك، وربما أقنعنا معه لفترة.

لهذا، لا أغادر لأنني غاضب، بل لأنني وصلت إلى نهاية الفيلم، وبقيت الكاميرا تدور بلا سبب، لقطة فائضة عن الحاجة، لا تضيف شيئا.

والاستمرار بعد هذه النقطة ليس وفاء للمكان، بل إساءة للزمن، والزمن، كما نعرف جميعا، لا يسامح.