تفريغ مخيم الهول: من إدارة الفوضى إلى لحظة الانكشاف


ليث الجادر
2026 / 1 / 9 - 19:01     

لا يمكن التعامل مع مسألة نقل آلاف العراقيين من مخيم الهول بوصفها إجراءً إداريًا أو إنسانيًا معزولًا. فالمخيم، منذ هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية عسكريًا، لم يكن مجرد فضاء احتجاز، بل تحوّل إلى أداة سياسية كاملة الوظيفة، تُدار من خلالها الفوضى وتُؤجَّل التسويات ويُعاد إنتاج التوازن الهش في شمال-شرق سوريا.
إن نقل ما يقارب ستة آلاف من عوائل التنظيم من العراقيين خلال فترة قصيرة، وبصمت إعلامي ورسمي شبه كامل، يشير إلى قرار يتجاوز البعد الإنساني، ويدخل في نطاق إعادة ترتيب الأوراق قبل انتقال الصراع من مستوى إلى آخر.
المخيم بوصفه ورقة تفاوض
شكّل مخيم الهول أحد أهم أوراق قسد السياسية. لم يكن عبئًا خالصًا، بل مصدر شرعية غير معلنة؛ فمن خلاله قُدِّمت قسد بوصفها الحارس الدولي ضد عودة داعش، والجهة التي تحتجز “الخطر العالمي” نيابة عن الجميع. بهذا المعنى، كان المخيم جزءًا من منظومة الردع الرمزي، لا مجرد مساحة احتجاز.
قبول قسد بتفريغ الكتلة العراقية الثقيلة من المخيم يعني ـ من حيث الجوهر ـ التخلي عن ورقة تفاوض مركزية، وهو أمر لا يمكن فهمه إلا إذا كانت القيادة تعتقد أن هذا التنازل يدخل ضمن تسوية أوسع، أو ضمانات سياسية مؤجلة.
التفريغ بوصفه خطأ تقدير
بعد أربعة أيام فقط من اكتمال آخر دفعة نقل للعوائل العراقية، بادرت القوات التابعة لحكومة الشرع إلى مهاجمة مواقع قسد، لتندلع مواجهات مفتوحة ما زالت مستمرة في محيط حلب. هذا التزامن الزمني لا يمكن اعتباره مصادفة. بل يكشف أن تفريغ مخيم الهول لم يكن خطوة محايدة، بل لحظة كشف استراتيجي.
يبدو أن قسد راهنت على مسار تفاوضي كانت حكومة الشرع تماطل فيه عمدًا، مستخدمة المفاوضات كغطاء لامتصاص أوراق القوة الكردية واحدة تلو الأخرى. تفريغ المخيم، في هذا السياق، لم يكن جزءًا من تسوية، بل خطوة استُدرجت إليها قسد تحت وهم الضمانات السياسية، لتجد نفسها بعد أيام أمام معادلة عسكرية جديدة وقد فقدت إحدى أهم أوراق الردع.
الصمت الذي سبق الانفجار
الصمت الإعلامي والسياسي الذي رافق تفريغ مخيم الهول يكتسب هنا دلالة مضاعفة. لم يكن صمت إدارة انتقال هادئ، بل صمت ما قبل الصدمة. فبغداد أنجزت استعادة عبئها السكاني دون ضجيج، وقسد اعتقدت أنها تُسهِم في تهيئة مناخ تفاوضي، بينما كانت حكومة الشرع تستكمل شروط الهجوم بعد تحييد إحدى أكثر الملفات حساسية.
هكذا تحوّل الصمت من أداة ضبط إلى مقدمة لانكشاف كامل.
من تجفيف الأوراق إلى كسر التوازن
الهجوم اللاحق يؤكد أن تفريغ الهول لم يكن مجرد إجراء إنساني، بل لحظة انتقال من إدارة الفوضى إلى كسر التوازن. قسد لم تُستهدف لأنها ضعيفة عسكريًا، بل لأنها جُرّدت سياسيًا. فقدان المخيم بوصفه ورقة ابتزاز أخلاقي وأمني سهّل الانتقال إلى خيار القوة، وفتح الباب لإعادة تعريف وجود قسد من “شريك اضطراري” إلى “قوة محلية قابلة للاحتواء أو الإقصاء”.
الخلاصة
ما جرى في مخيم الهول، وما تلاه من هجوم عسكري، يكشف نمطًا واضحًا: تجريد الخصم من أوراقه أولًا، ثم الانتقال إلى فرض الوقائع بالقوة. قسد أخطأت التقدير حين تعاملت مع التفريغ بوصفه بادرة حسن نية في مسار تفاوضي، بينما كان يُدار ضدها كجزء من عملية تفكيك تدريجية لوظيفتها السياسية.
السؤال لم يعد: هل ستُصفّى قسد؟
بل: كيف انتقلت من موقع إدارة الخطر إلى موقع الانكشاف، ومن حارس للفوضى إلى طرف بلا أوراق؟