الانتقال إلى عصر شريعة الغاب
نهاد ابو غوش
2026 / 1 / 9 - 08:06
نهاد أبو غوش
سياسات ترمب ليست نزوات شخصية وتعكس خيارات الطغمة المالية الأمريكية الحاكمة بدليل ما تحظا به من دعم..
يرى الكاتب والمحلل السياسي نهاد أبو غوش أن عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض دشّنت مرحلة غير مسبوقة في العلاقات الدولية، تقوم على الانتقال من نظام دولي تحكمه قواعد القانون الدولي والمواثيق والمعاهدات وتوازن المصالح، إلى نظام جديد يرتكز على "قانون القوة" وهيمنة الأقوى، بما يحمله ذلك من تفكك للقواعد وتراجع للمنطق والعقلانية السياسية.
ويوضح أبو غوش أن هذا التحول يعكس منطق "شريعة الغاب"، حيث يفرض القوي إرادته على الضعيف، والغني على الفقير، والغرب الاستعماري الأبيض على بقية العالم، مشيراً إلى أن أولى ملامح هذا النهج تجلت في الدعم الصريح الذي قدمه ترمب لحرب الإبادة التي تشنها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، وصولاً إلى دعوته العلنية لتهجير الفلسطينيين من وطنهم، والتعامل مع غزة باعتبارها عقاراً قابلاً للاستيلاء والاستثمار.
ويوضح أبو غوش أن سياسات ترمب شملت فرض عقوبات على قضاة المحكمة الجنائية الدولية ومدعيها العام، وتهديد قضاة محكمة العدل الدولية، إلى جانب استهداف مسؤولين أمميين، من بينهم المقررة الخاصة فرانشيسكا ألبانيزي، بسبب مواقفهم الرافضة لجرائم الحرب ودفاعهم عن حق الشعب الفلسطيني في الحياة والكرامة والحرية.
ويعتبر أبو غوش أن هذه الإجراءات تمثل اعتداءً مباشراً على منظومة العدالة الدولية ومحاولة لترهيب المؤسسات الأممية.
ويشير أبو غوش إلى أن إدارة ترمب أطلقت كذلك حرباً اقتصادية عالمية عبر فرض رسوم جمركية واسعة، في خرق واضح لاتفاقيات التجارة الدولية التي كانت واشنطن لاعباً رئيسياً في صياغتها، إلى جانب إعلان نيات عدوانية تجاه دول عدة مثل بنما وكندا والمكسيك وفنزويلا وجنوب أفريقيا والدنمارك ونيجيريا وأفغانستان.
ويلفت أبو غوش إلى أن أخطر هذه الخطوات تمثل في "القرصنة السياسية" المتمثلة بالهجوم على فنزويلا واختطاف رئيسها، في سابقة تنسف القواعد القانونية والدبلوماسية، وترافقها تهديدات لدول أخرى ككولومبيا وكوبا.
ويؤكد أبو غوش أن سياسات ترمب لا يمكن اختزالها في نزوات شخصية، بل تعكس خيارات الطغمة المالية الحاكمة في الولايات المتحدة، وفي مقدمتها شركات النفط والسلاح والتكنولوجيا، بدليل الدعم الذي تحظى به هذه السياسات من الكونغرس ووسائل الإعلام المهيمنة وأوساط نافذة في الحزب الجمهوري وحركة "ماغا".
ويرى أبو غوش أن هذه النزعة العدوانية هي تعبير عن أزمة بنيوية يعيشها النظام الدولي، مع تراجع النظام الأحادي القطبية وصعود الصين، وبروز تكتلات كبرى مثل "بريكس"، وصعود الهند كقوة آسيوية وازنة، ما جعل قواعد ما بعد الحرب العالمية الثانية غير كافية لاستمرار الهيمنة الأميركية.
ويحذّر أبو غوش من جدية تهديدات ترمب بالسيطرة على غرينلاند، سواء عبر الشراء أو الاتفاق أو الخيار العسكري، معتبراً أن الدنمارك، كدولة صغيرة ومسالمة، قد لا تكون قادرة على مواجهة هذا الخطر، في ظل ميول يمينية داخل بعض دول "الناتو" تؤيد سياسات ترامب.
ويرجّح أبو غوش أن تنتهي الأزمة بتسوية تُبقي غرينلاند تحت الوصاية الدنماركية شكلياً، مقابل سيطرة أميركية عسكرية واستراتيجية تمهّد للهيمنة على الموارد.
ويؤكد أبو غوش أن استراتيجية ترامب تقوم على استفراد الخصوم واحداً تلو الآخر، مستفيداً من ضعف الردود الدولية وتناقض المصالح بين القوى الكبرى، إلا أن اتساع دائرة المتضررين، وتراجع شعبية هذه السياسات داخل الولايات المتحدة، قد يفتح الباب أمام أشكال مقاومة دولية وشعبية لهذا "العهد الجديد" من الهيمنة والاستعمار.
*مقابلة مع جريدة القدس المقدسية