فلسطين وفنزويلا
نهاد ابو غوش
2026 / 1 / 8 - 02:51
نهاد أبو غوش
استقبل الشارع الفلسطيني أخبار العدوان الأميركي على فنزويلا واختطاف الرئيس نيكولاس مادور بخليط من مشاعر الصدمة والغضب والاستغراب، حيث من المعروف أن فنزويلا وقيادتها في عهدي الرئيسين تشافيز ومادورو من أبرز الدول المؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني، والرافضة لسياسات الاحتلال الإسرائيلي. فعلى الرغم من ظروف الحصار والعقوبات المفروضة على فنزويلا منذ أكثر من عقدين ظل موقف فنزويلا ثابتا ومبدئيا من القضية الفلسطينية، وهي من الدول التي تمنح جميع حملة الجواز الفلسطيني حق الدخول دون تأشيرة، مع أن هذا الأمر يبدو مستحيلا مع معظم الدول العربية. كما أن هذا البلد الذي يعتز بتراثه الثوري البوليفاري يقدم للفلسطينيين مئات المنح الجامعية السنوية في مختلف التخصصات وخاصة في الطب. ودائما تؤكد فنزويلا في المناسبات المختلفة، ومن على منبر الأمم المتحدة وقوفها إلى جانب الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية الثابتة، وسبق لها أن قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل ، وبذلك تكون هذه الضربة الأميركية الغادرة موجهة لدولة كانت على الدوام إلى جانب شعبنا وقضيتنا.
أميركا اللاتينية هي حلبة صراع ومواجهة مفتوحة منذ عقود طويلة بين الامبريالية المتوحشة، وبين الشعوب الطامحة للانعتاق من الاستعمار والتبعية والهيمنة الامبريالية التي مهما تعددت أشكالها فإنها تحافظ على جوهرها الاستغلالي، بين الشعوب التي تريد أن تمسك بمصيرها وتشق الطريق نحو مستقبلها بعيدا عن أغلال السيطرة الاستعمارية وبين الولايات المتحدة التي تتعامل مع أميركا اللاتينية كساحة خلفية لبيتها، وهي سبق لها- من خلال المخابرات المركزية سي. آي. إي - أن نظمت انقلابات عسكرية في عديد البلدان مثل تشيلي والارجنتين وبنما والسلفادور وهندوراس ونيكاراغوا، وسبق لها أن اختطفت ثلاثة رؤساء آخرين قبل مادورو، مع أنها تغض الطرف عن أبشع الحكام الفاسدين والمستبدين أمثال بينوشيه في تشيلي وسوموزا في نيكاراغوا وباتيستا في كوبا قبل الثورة، وكما أيدت الرئيس الفاسد بولسونارو في البرازيل. لقد عرفت أميركا اللاتينية عشرات الثورات والحركات التحررية التي كانت تهدف إلى التحرر الفعلي من الاستعمار وكلنا يذكر تجربة الثائر الأممي الأشهر ارنستو تشي جيفارا، ولذلك من الطبيعي أن يهتم الشعب الفلسطيني الذي يناضل من أجل حريته منذ أكثر من قرن بهذه التجارب ويتعاطف معها حيث أن جبهة الأصدقاء واحدة وجبهة الأعداء ايضا واحدة.
لا نعرف اثر هذه البلطجة الأميركية على فنزويلا واستقرارها وسيادتها، لا شك أن ثمة انقسامات داخل المجتمع الفنزويلي وعلى الأرجح أن ثمة اختراقات كبيرة في الجيش والدولة والمجتمع، كما أن جبهة القوى المعادية والمعارضة للعملية الأميركية تبدو عاجزة عن التأثير والوقوف في وجه هذه العربدة والغطرسة الأميركية، وبالتالي من الصعب الحكم على الأحداث والتنبؤ بها في المدى القريب، ولكن ومع انكشاف وافتضاح الأطماع الأميركية في نفط فنزويلا وخيراتها، من المحال تصور أن هذا الشعب سيرضخ ويخضع لعمليات النهب الاستعماري.
بالنسبة لنا فإن أخطر ما في العدوان الأميركي ليس فقط فقدان حليف وصديق داعم للشعب الفلسطيني، بل في دخول عصر جديد وغير مسبوق في التاريخ الحديث للبشرية، عصر لا يمكن وصفه إلا بأنه عصر شريعة الغاب، وحلول "قانون القوة" محل القوانين الدولية والمعاهدات ومبادئ الحريات والديمقراطية وتقرير المصير، وسيادة الدول، والعدالة التي طالما تغنى بها الغرب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن. ما فعلته إدارة ترامب في فنزويلا هو بمثابة ضوء أخضر للفاشية الإسرائيلية بقيادة نتنياهو لكي تطبق قانون القوة بطريقتهم التي خبرناها خلال حرب الإبادة على الأراضي الفلسطيني المحتلة في اتجاه تصفية القضية الفلسطينية وفرض حل لا يلبي الحد الأدنى من حقوق شعبنا من دون استبعاد خيار التهجير، وهو ما يفتح شهية إسرائيل أيضا نحو أطماع توسعية في لبنان وسوريا، صحيح أن ما تريده أميركا وإسرائيل ليس قدرا محتما، لكن مواجهة التوحش الأميركي الإسرائيلي تتطلب إبداع وابتكار أدوات مواجهة ونضال جديدة وعدم الركون أبدا لسياسات المناشدات والشكاوى والاستجداء التي لا يسمعها ولا يلتفت اليها أحد.
فنزويلا دولة مستقلة ذات سيادة ولكنها قررت أن تنتهج مسارات وتعتمد سياسات لا تعجب أباطرة المال والسلاح في الولايات المتحدة التي تخشى كذلك من انتشار عدوى النماذج الفنزويلية- الكوبية- الكولومبية لباقي دول القارة، فلسطين حالة مختلفة لجهة شراسة المشروع الصهيوني الذي يهدف لاقتلاع شعبنا من أرضه وإنكار وجوده، وكذلك طول أمد الصراع في فلسطين والدور الوظيفي الذي تضطلع به دولة إسرائيل في حماية مصالح الغرب الاستعماري في منطقتنا بشكل عام.
تأثير أحداث فنزويلا يمكن أن يكون في اتجاهين: سلبي لجهة خسارة حليف وصديق قوي وبالتالي هذا إنذار دموي لكل من يقف مع فلسطين، ولكن إذا أحسنت القوى الوطنية والتحررية قراءة المشهد والتعامل مع نتائجه يمكن لهذا الحدث أن يؤسس لاتجاه عمل إيجابي عنوانه وحدة قوى التحرر والديمقراطية الحقيقية على مدى العالم، بما يشمل دولا وأحزابا وحركات اجتماعية ومنظمات مجتمع مدني ونقابات وحركات تضامن ومنظمات شباب ومرأة وبيئة، ومثقفين، وأهمية أن تطور هذه القوى أشكال عملها المشترك وان تنسق جهودها ونضالاتها في مواجهة العولمة المتوحشة.