حصار برياح انقلاب لاتقف قصيدة
أمين أحمد ثابت
2026 / 1 / 6 - 18:54
وينغلق الطريق علي كما لو ان الجهات كلها قررت فجأة ان تكون جدارا واحدا ، جسدك هو الفراغ الاخير يختبر الحجر، فاسير ولا اصل ، اواصل ولا اصل ، كأن الوصول فكرة لا وجود ، وكأن الخطوة شك في المعنى - حصار يطوق الوقت ولا يضيق ، يتسع كلما آن له أن يتسع .
حصار ، يمشي جبرا على دمي، يفتح نافذة على افق تبلد من فرط الانتظار ، غباء يرفع يديه في صلاة لا ترى ، وغمام يهبط واطئا حتى يصير المكان اثقل من ان يحمل نفسه، حتى اليمام يحوم بلا ارض، بلا موطئ يحط ، بلا ذاكرة لقدم سبقت المعنى .
كانت النعوش قد سئمت الكلام ، والاصوات التي كانت تبحث عن نشيد صارت تنعق بالانتصار ، كأن الهزيمة اذا صرخت تصير راية ، تسوق على النائمين .
حصار ، حين يصادر الخبز كل يوم ، فتحتضر النساء ببطء في صلاة ناقصة ، حيث ينطرح جسد ابنها قريبا منها ، يتعلم ثقل الاسماء في قسوة البقاء ، قبل تعلم الحروف .
كن يركضن في زمن لم يكن يعد الرصاص ، حين كانت الاغاني خبز اليوم ، وكانت الحقول والشوارع تحفظ الاسرار دون ان تعرف معنى الخيانة ، وكانت الظلال لا تغادرهن العناق ، ولا تبادلهن بمسبحة افتراء الغياب .
وانكسرت المرايا دفعة واحدة ، تشققت الارض عطشا ، واستقطعت المسافات بخرائط رسمها متخمون اتقنوا الفساد ، والكذب حتى صار لغة رسمية .
اراقوا الدماء ، واستلذوا الرياء حتى النخاع ، غيروا المصاحف وصار العواء لغة الحقيقة ، وان السماء تظلل من يقول نعم ، وترسل نارا على من يقول الهجاء ، وان الانتهاك غير قضاء ، والبخس شريعة عادلة ، وان الضحية قول خطأ لا وجود له في الحساب .
حصار ، يعصر قامتي ولا انكسر ، وترفض يدي شح السؤال ، فابقى معلقا بين الصراخ والصمت ، فاقدا جذوتي، فاقدا طعم الكلام .
عصفت رياح الانقلاب، فلم يبق سوى همس محارب يتيم ، وبقايا ذاكرة لا تصلح للنشيد ولا للمرثية ، ولم يبق سوى امراء نخاسة يرتدون وجوه الابطال، وبطولات لانصاف الرجال .
نحن امة لم تغادر مهدها بعد ، تولول في احزانها كما في افراحها ، وتبكي عند صلاتها . . قابعة في الخوف ، وتصلي وهي خائفة من صلاتها ، حيث الدعاء آخر سور المقاومة .
حصار ، وحرب تدور حول نفسها ، تعيد انتاج موتها ، حتى يصير قدرا ذاتها .
يا ابي، لما عصرت في داخلي وهما البطولة، ورميتني في ارض يباب ، حين لمحت بارق الضوء تركتني للغبار ، اتلطم في مدار لا اعرف قدره ، احاول اعرف نفسي ، فإذا بي اخيط الحقيقة بخيط هش ، واقنع نفسي بزمن سيجيء .
لا شيء يأتي سوى تكرار المنايا يلف المكان ، حتى يصير المكان منيتي ، و اصير انا حدودا للمكان ، فاحاصر نفسي كسرا للحصار ، وتحاصرني ذكرى وطن حلمت به حتى صدقت نفسي ، وتحاصره اوجاع تاريخ لم يغادر جسده -
احاصر صوتي كي لا يخونني ، وبيتي كي لا ينهار في الكلام ، وبكاء صغاري كي لا يصير نشيدا للشفقة .
لن تراني قدري شاكيا ، ولن ابوح اني اجزاء مبعثرة بعدد ايامي العابرة ، والباقية ، بعدد اخيلة العوالم التي نسجتها كل يوم ، على مهل ، حتى توهمت اني اسكن في وطن .
هي الحقيقة لن يفيض جبنكم علي، ولن اصير الحمل المراق دمه اضحية ، سأظل واقفا هنا وهناك بظلي ، اراقب فيكم سقط الكلام مع كل هذا الضجيج ، تظلون عابرين ، كقيظ صيف طويل ، له ان ينقضي.