ديناميكية المجتمع الديني والعلماني في العراق
جعفر حيدر
2026 / 1 / 1 - 21:48
(ديناميكية المجتمع الديني والعلماني في العراق)
إن ديناميكية المجتمع الديني والعلماني في العراق تمثل واحدة من أكثر الظواهر تعقيداً في بنية الدولة الحديثة، لأنها ليست مجرد مواجهة فكرية بين تيارين، بل هي حالة اجتماعية–تاريخية تراكمت عبر عقود من التحولات السياسية، والصراعات الطبقية، والتبدلات الثقافية التي مرّ بها العراق منذ تأسيس الدولة وحتى يومنا هذا، فالمجتمع العراقي بطبيعته يحمل طبقتين من الوعي؛ الأولى تقليدية دينية متوارثة تشكل نسيج الحياة اليومية وتتحكم في العلاقات الاجتماعية والأسرية، والثانية مدنية–عقلانية تشكلت بفعل التعليم الحديث، والنشاط الثقافي، واحتكاك النخب العراقية بالحداثة العالمية، وتداخل هاتين الطبقتين خلق تفاعلاً دائمًا يتأرجح بين التعايش والصراع، فالمجتمع الديني العراقي يستمد قوته من مؤسسة دينية لها شريحة واسعة من الأتباع وترتكز على المرجعية والطقوس والعادات، بينما المجتمع العلماني رغم أن حجمه الشعبي أقل لكنه يتغلغل في المدن الكبرى والجامعات والنقابات ووسائل الإعلام، ويقوم على فكرة فصل الدين عن الدولة، وتعزيز الهوية الوطنية المدنية، وتقديم العقل والقانون على المقدس، ومع ذلك فإن التوتر بينهما لم يكن يوماً صراعاً مباشراً بقدر ما كان صراعاً على تعريف طبيعة الدولة العراقية: هل هي دولة دينية المرجعية، أم دولة مدنية قانونية؟ وقد تبلور هذا السؤال بشكل واضح بعد 2003 حين دخل العراق مرحلة سياسية جديدة سمحت للطوائف والأحزاب الدينية بالسيطرة على الدولة، الأمر الذي أعاد تشكيل المجتمع في اتجاه ديني–سياسي، بينما بدأ التيار العلماني بالاتساع كحركة احتجاجية أو ثقافية تتحدى هذا النموذج وتراه مسؤولاً عن الفساد والطائفية وتراجع الحريات، ومن الناحية الاجتماعية فإن العراقي يعيش يومياً بين هذين العالمين؛ فهو يمارس طقوسه الدينية بعمق، لكنه يريد خدمات وتعليماً وعملاً خارج منطق المحاصصة الدينية، ما يجعل العراق مجتمعاً مزدوجاً يحاول أن يوازن بين الهوية الروحية والمطالب المدنية الواقعية، أما من الناحية الثقافية، فقد أنتج هذا التفاعل جدلاً واسعاً بين المثقفين حول معنى الحرية والحداثة والهوية، حيث يرى المفكرون الدينيون أن العلمانية خطر يذيب الهوية ويفكك القيم، بينما يرى المثقفون العلمانيون أن الدين – حين يصبح أداة سياسية – يتحول إلى عامل تعطيل للتنمية وتقييد للحريات، وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في زيادة حدة هذا الجدل، إذ أصبح كل تيار يمتلك فضاءً مستقلاً يعبر فيه عن رؤيته دون رقابة، فتضاعفت الاستقطابات وتراكمت الاتهامات المتبادلة، أما في الساحات المدنية مثل الجامعات فقد ظهرت ملامح واضحة لهذا التوتر من خلال صراع حول حرية اللباس، حرية التعبير، النشاط الطلابي، ودور المؤسسة الدينية داخل البيئة التعليمية، وفي المقابل فإن مناطق أخرى من العراق بقيت ذات طبيعة دينية محافظة جعلت حضور العلمانية فيها ضعيفاً، ومع مرور الزمن بدأت تظهر طبقة جديدة من الشباب العراقي الذين لا يرغبون في صراع ديني–علماني بل يبحثون عن دولة خدماتية محايدة لا تتدخل في حياتهم الخاصة ولا تفرض عليهم رؤية دينية أو علمانية، ما خلق مساراً ثالثاً داخل المجتمع، مساراً يميل للمدنية دون صدام مع الدين، ويرى أن الحل يكمن في إقامة دولة تبقي الدين في المجتمع والثقافة دون أن تسمح له بالتحكم بالسلطة والقرار، وقد كان هذا الاتجاه حاضراً بقوة في احتجاجات تشرين التي رُفع فيها شعار “نريد وطن” كإشارة إلى رفض اختزال الدولة بالدين أو الأحزاب، وبذلك يتضح أن الديناميكية الحالية ليست مجرد تنافر بين مجموعتين، بل هي حركة مستمرة لإعادة تعريف العراق كدولة حديثة تعيش بين إرث ديني ثقيل وتطلعات مدنية عميقة، وهي ديناميكية ستبقى قائمة ما دامت الدولة لم تحسم شكلها النهائي، وما دام المجتمع العراقي يحمل في داخله هذا الخليط الفريد من الإيمان الروحي والبحث العقلاني عن العدالة والحرية والتنمية.