تقلّب موازين القوّة: الحروب الجديدة والأسلحة الكاسرة ومصير النظام العالمي


احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن - العدد: 8574 - 2026 / 1 / 1 - 18:24
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

مقدمة: الشفق الغربي والفجر الشرقي

بينما تُلطِّخ سماء القرن الحادي والعشرين سُحُبٌ من دخان المعارك وشرارات التكنولوجيا القاتلة، يبدو العالم وكأنه على أعتاب نقلة جيوسياسية كبرى، تُعيد رسم خرائط النفوذ والقوة بعيداً عن النماذج التي هيمنت على القرون الماضية. لم تعد الحروب مجرد صدام بين جيوش تقليدية، بل تحولت إلى مختبرات مفتوحة تُختبر فيها نظريات الردع، وتُبتكر أسلحة تُحطم التوازنات، وتُسقط أقنعة القوى العظمى القديمة. في هذا المشهد المُعقّد، تطفو على السطح أسئلة مصيرية: ما الذي تحسمه الحروب الجديدة؟ وما هي الأسلحة التي تُعيد تعريف مكامن القوة والضعف؟ وكيف تُعيد الصراعات الحالية، كتلك التي تستنزف الغرب في سهول أوكرانيا، تشكيل الخريطة الاستراتيجية العالمية لصالح قوى صاعدة، تهندس بصبر وصمت تفوّقها التكنولوجي والعسكري؟

أوكرانيا.. مستنقع الأسلحة الآلية ومقبرة الأحلام الغربية

لقد تحوّلت السهول الأوكرانية إلى أكثر من ساحة قتال تقليدية؛ فهي المسرح الأكبر لتجربة حيّة على أرض الواقع لنمط القتال المستقبلي. لقد أثبتت الحرب، بما لا يدع مجالاً للشك، أن عصر الهيمنة المطلقة للدبابات والطائرات التقليدية يقترب من أفوله، لتحلّ محلّه أسراب لا تُحصى من الطائرات المسيّرة (الدرونز)، تحوّلت من أداة للمراقبة إلى سلاح قاتل وناقل للذخائر، قادر على إرباك أعقد الدفاعات الجوية وإصابة أهدافٍ حيوية بدقة مذهلة. هذه الأنظمة الآلية، بمختلف أحجامها وقدراتها، أصبحت بؤرة التوتر الجديدة والسلاح الرئيسي الذي يُعيد حساب التكاليف الاستراتيجية لأي مواجهة.

هذا التحول لم يكن مجرد تكتيك ميداني، بل كان رسالة استراتيجية واضحة: من يسيطر على تكنولوجيا هذه الأنظمة الآلية ويتمتع بالقدرة الصناعية على إنتاجها بأعداد هائلة وبكفاءة عالية، يملك مفتاح التفوق في ساحات القتال المقبلة. وهنا، تكمن واحدة من أكبر المفارقات التي كشفتها الحرب: لقد أُغرِق الغرب، بقيادة الولايات المتحدة وأوروبا، في وحول هذه المعركة، مستنزفاً مخزونه العسكري التقليدي، ومحشوراً في حرب استنزاف طويلة ضد قوة تملك، مع حليفيها، مقدرة صناعية وتكنولوجية هائلة. لقد تحولت أوكرانيا من أداة غربية لـ "إضعاف" الخصم، إلى مصفاة تستنزف القوة الغربية نفسها، مما يفتح نافذة زمنية ثمينة لقوى أخرى لتعزيز موقعها العالمي.

الصين وتكنولوجيا الكلاب الآلية.. هندسة التفوق الاستراتيجي

في هذا السياق، يأتي العرض الدعائي الصيني الأخير، ليس كفيديو عابر، بل كبيان استراتيجي مُصوَّر. إن مشاهد الأسراب المسيّرة، والكلاب الآلية، والجنود الآليين وهم يتقدمون في مناورات "مهمة العدالة 2025" المحيطة بتايوان، هي أكثر من تمرين عسكري. إنها إعلانٌ عن وصول نمط الحرب الجديد إلى مستوى متقدم من النضج، وتصويرٌ مُتعمَّد لسيناريو الاجتياح السريع والحاسم الذي قد لا يترك مجالاً للتدخل الخارجي.

تُجسّد الصين النموذج الأمثل للقوة التي تتعلم بسرعة من دروس ساحات القتال البعيدة، وتعمل على استباق المستقبل. فهي، كما تشير التحليلات، لا تتفوق على الغرب في هذا المجال تكنولوجياً فحسب، بل تملك الميزة الحاسمة: القدرة الصناعية غير المحدودة تقريباً. إن فجوة القدرة على الإنتاج بين الصين والغرب تُقاس بعشرات المرات، مما يعني أن أي سباق تسلح في عصر الأسلحة الآلية "القابلة للاستهلاك" نسبياً، سيكون لصالح بكين بشكل ساحق. إنها تبني جيشاً من الحديد والسيليكون، يمكن تعويض خسائره بسرعة مذهلة، بينما ستجد الدول الغربية صعوبة بالغة في مجاراة هذا المعدل الإنتاجي.

ما تحتاجه الصين، لترجمة هذا التفوق التكنولوجي والصناعي إلى هيمنة استراتيجية كاملة، هو أمران: أولاً، زيادة مخزونها الهائل بالفعل من هذه الأسلحة لتصل إلى حدّ الوفرة الساحقة. ثانياً، تعزيز ترسانتها النووية لضمان ردع كامل يمنع أي خصم منهزم في حرب تقليدية من اللجوء إلى السلاح النووي كخيار أخير. وهنا، تدخل في حساباتها الانقسامات الداخلية العميقة في الغرب، والتقلبات السياسية التي تُضعف إرادته وتشتت تركيزه، مما يجعل فرصته في الفوز في أي مواجهة مستقبلية ضئيلة.

زمن التقهقر العربي ومحكّ الاستسلام الاختياري

وفي ظل هذا الانزياح الكبير لمراكز الثقل العالمي، والصراع الصاعد بين القوى الكبرى، يبرز سؤال مصيري حول موقع العالم العربي في هذه المعادلة الجديدة. يبدو المشهد العربي مأزوماً، يعاني من انقسامات داخلية عميقة، وتباين في الأولويات، واعتماد كبير على أنظمة أسلحة تقليدية مستوردة، قد تجد نفسها عاجزة أمام أسراب الأسلحة الآلية المتطورة.

السيناريو الذي ترسمه بعض الرؤى التحليلية ينذر بخطر حقيقي: أن تستغل القوة الصاعدة، بعد ترسيخ تفوقها التكنولوجي والعسكري والصناعي خلال نافذة زمنية تقدر بخمس إلى عشر سنوات، هذا التفوق الساحق لفرض إرادتها الجيوسياسية. الخطر لا يكمن بالضرورة في غزو عسكري تقليدي، بل في أشكال أكثر تعقيداً من الهيمنة: فرض شروط اقتصادية وسياسية، وإملاء أولويات أمنية، والسيطرة على البنى التحتية الحيوية، في ظل عجز المجتمعات العربية عن بناء قوتها الذاتية المتكاملة في مجالات العلم والصناعة والتكنولوجيا.

الاستسلام هنا قد لا يكون استسلاماً عسكرياً في ساحة معركة، بل استسلاماً استراتيجياً وحضارياً، حيث تُصبح الإرادة والسيادة خاضعتين لتفوق الآخر التكنولوجي الساحق، في وقت تفتقر فيه الأمة إلى المناعة الداخلية والرؤية الموحدة لمواجهة هذا التحدي الوجودي.

في مواجهة عصر السيليكون والحديد

إن العالم يقف على حافة حقبة جديدة، حيث تُحسم النزاعات ليس فقط بإرادة المقاتل، بل بقدرة المصانع وعبقرية المختبرات. لقد حوّلت أوكرانيا النظريات إلى وقائع، وأصبحت الصين تُترجم هذه الدروس إلى قوة مادية ملموسة. الأسلحة الكاسرة للتوازن اليوم هي تلك التي تجمع بين الذكاء الاصطناعي، والوفرة الصناعية، والاستقلال الاستراتيجي.

الغرب، المنهمك في مستنقعه الأوكراني، يخسر الوقت لصالح منافسه الشرقي. أما العالم العربي، فما يزال غارقاً في سجالات الماضي، غير مدرك أن معركة مصيره تُحَضَّر الآن في مصانع الطائرات المسيّرة ومعامل الروبوتات القاتلة على بعد آلاف الأميال. السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل ستستيقظ الأمم على حقيقة أن الأمن في القرن الحادي والعشرين لم يعد يُشترى بالسلاح المستورد، بل يُبنى بالعقل المُنتج والإرادة الموحّدة؟ أم أن شمس التبعية ستشرق من جديد، وهذه المرة، ليس تحت حوافر الخيل، بل تحت أجنحة السيليكون وأقدام الحديد الآلية؟ الجواب لا يزال بين أيدي الحكمة، والإرادة، وقدرة الشعوب على قراءة علامات الزمن.


......

المادة الساخرة
"لعبة العروش في القرن الحادي والعشرين: عندما قررت الدرونز والكلاب الآلية أنها أحق بالعرش من البشر!"

شفق الغرب... وفجر ينبعث من مصنع "علي بابا"!

بينما كان العالم منهمكاً في نشر صورة طعامه على "إنستغرام"، فوجئ بأن سماء القرن الحادي والعشرين قد امتلأت فجأة بسحب دخان المعارك وشرارات من تكنولوجيا قاتلة... تبين لاحقاً أنها مجرد "تحديثات نظام" لطائرات مسيرة خرجت عن السيطرة! يبدو أن العالم على أعتاب "نقلة جيوسياسية كبرى"، أو لنقل، "نقلة في لعبة الفيديو العالمية" حيث تُعاد رسم خرائط النفوذ والقوة، لكن هذه المرة ليس بالدبابات والجنود، بل بلعب الأطفال المُحسنة... التي تطلق صواريخ حقيقية!

لم تعد الحروب مجرد صدام بين جيوش، بل تحولت إلى "مختبرات مفتوحة" تُختبر فيها نظريات الردع، وأصبح الجنرالات يتسابقون على شراء أحدث "إكس بوكس" عسكري. الأسئلة المصيرية تطفو على السطح: ما الذي تحسمه الحروب الجديدة؟ هل سيفوز من لديه أفضل "درونز"؟ وكيف تُعيد الصراعات، مثل تلك التي في أوكرانيا، تشكيل الخريطة لصالح قوى صاعدة... تُفضل الصمت لأن فمها مملوء بقطع غيار روبوتات؟


أوكرانيا: عندما تحولت السهول إلى "ساحة اختبار" وخسرت الدبابات سمعتها!

لقد تحولت السهول الأوكرانية من أرض خصبة للقمح إلى أرض خصبة... لاختبار كل لعبة مسيرة يمكن للبشر تخيلها! لقد أثبتت الحرب، بما لا يدع مجالاً للشك، أن عصر الدبابات الثقيلة قد ولى، وحل محله أسراب من "الدرونز" التي تشبه حشرات معدنية غاضبة. تحولت هذه الألعاب المسيرة من أداة لتصوير حفلات الزفاف إلى سلاح قاتل ينقل الذخيرة... وكأنها "طلبات طعام" سريعة، لكنها للجبهة الأمامية!

الرسالة الاستراتيجية أصبحت واضحة: من يسيطر على تكنولوجيا "الدرونز" ويستطيع إنتاجها بالملايين... فاز باللعبة! والمفارقة الكبرى؟ لقد أُغرق الغرب في وحول هذه المعركة، مستنزفاً مخزونه من الأسلحة التقليدية كما لو أنه يلعب "مونوبولي" وخسر كل أمواله! بينما الخصم يملك مصانع لا تتوقف، وكأنه يلعب في "وضعية المصنع الآلي" في سيم سيتي! أوكرانيا تحولت من أداة لإضعاف الخصم إلى "مصفاة" تستنزف الغرب نفسه... والأكثر طرافة؟ أن النافذة الزمنية الثمينة التي فُتحت لقوى أخرى، استغلها البعض لتعزيز موقعه العالمي... بينما استغلها آخرون لرفع أسعار النفط!


الصين والكلاب الآلية: عندما تصبح لعبة "الكلب الآلي" تهديداً استراتيجياً!

في هذا المشهد، قدمت الصين عرضها الدعائي الأخير... الذي يشبه إلى حد كبير "مشاهد من فيلم خيال علمي منخفض التكلفة"! مشاهد الأسراب المسيرة والكلاب الآلية والجنود الآليين يتقدمون... جعلت المراقبين يتساءلون: هل هذه مناورات عسكرية أم "عرض أزياء للروبوتات"؟

الصين تتعلم بسرعة وتستبق المستقبل، فهي لا تتفوق على الغرب تكنولوجياً فحسب، بل تملك الميزة الحاسمة: القدرة على إنتاج أي شيء بكميات مهولة... من هواتف ذكية إلى كلاب آلية! الفجوة الإنتاجية بين الصين والغرب تُقاس بعشرات المرات، مما يعني أن أي سباق تسلح في عصر "الأسلحة القابلة للاستهلاك" سيكون لصالح بكين... وكأنهم يلعبون "تيتانك" ضد "سفينة نوح"!

ما تحتاجه الصين لترجمة هذا التفوق إلى هيمنة؟ أولاً: زيادة مخزونها من الأسلحة ليصل إلى "حد الوفرة الساحقة"... أو بمعنى آخر، أن تمتلك من "الدرونز" ما يكفي لتغطية سماء الأرض! ثانياً: تعزيز ترسانتها النووية... فقط لكي يقولوا: "لا تحاولوا اللجوء للخيار النووي، فنحن نملك ما يكفي لنحوّلكم إلى غبار!" والأهم، أن الغرب منشغل بمشاكله الداخلية وانقساماته... وكأنه عائلة كبيرة تتشاجر على من سيرث منزل الجد بينما الجيران يبنون قصراً بجوارهم!


العالم العربي: بين سجالات الماضي... وصناعة المستقبل في مصانع الغير!

وفي وسط هذا الانزياح الكبير لمراكز القوى، يبرز سؤال مصيري: أين العالم العربي من هذه المعركة التكنولوجية؟ للأسف، المشهد العربي يبدو وكأنه لا يزال يعيش في "عصر ما قبل السيليكون"! يعاني من انقسامات داخلية عميقة، وتباين في الأولويات... واعتماد كبير على أنظمة أسلحة تقليدية مستوردة، قد تجد نفسها عاجزة أمام أسراب "الدرونز" المتطورة... وكأنها تحارب سرباً من النحل بمكنسة قديمة!

السيناريو المخيف الذي ترسمه بعض التحليلات هو أن القوة الصاعدة قد تستغل تفوقها خلال خمس إلى عشر سنوات لفرض إرادتها... والخطر الحقيقي ليس الغزو العسكري، بل الهيمنة الاقتصادية والسياسية، وكأنها "صفقة شاملة" لا يمكن رفضها! العالم العربي ما يزال غارقاً في سجالات الماضي... غير مدرك أن معركة المصير تُحضر الآن في مصانع الطائرات المسيرة على بعد آلاف الأميال! السؤال المطروح: هل سنستيقظ لندرك أن الأمن لم يعد يُشترى بالسلاح المستورد، بل يُبنى بالعقل المنتج؟ أم أن شمس التبعية ستشرق من جديد... وهذه المرة، ليس تحت حوافر الخيل، بل تحت أقدام "الكلاب الآلية"؟


معركة السيليكون... والحديد الذي يصدأ!

العالم يقف على حافة "عصر الروبوتات القاتلة"، حيث تُحسم النزاعات ليس بإرادة المقاتل، بل "ببطارية الروبوت"! أوكرانيا حولت النظريات إلى وقائع، والصين تحول الدروس إلى قوة مادية... والغرب منشغل في مستنقع أوكرانيا، بينما العالم العربي منشغل في سجالات قديمة! السؤال الأخير: هل سنستيقظ لنجد الحل؟ أم أننا سنستمر في النوم... حتى توقظنا "الكلاب الآلية" بنباحها المعدني؟ الجواب... ربما يكون في التحديث القادم للتطبيقات!