تفكيك أسطورة الجوع العالمي!
ادم عربي
2026 / 1 / 1 - 18:24
بقلم : د. ادم عربي
يدقّ البنك الدولي، كعادته، جرس الإنذار محذراً من موجة جديدة من الارتفاع في أسعار الغذاء على المستوى العالمي، موجة يُتوقع أن تُصيب الفئات الأشد فقرا في العالم في صميم معيشتها. وستكون البلدان التي تعتمد اعتماداً كبيراً على استيراد غذائها، كالبلدان العربية والافريقية، ولا سيما الحبوب ، في مقدمة المتضررين من هذا الغلاء . ويُعزى هذا الارتفاع، وفق التفسيرات الشائعة، إلى موجات حر غير مسبوقة ضربت المناطق الرئيسية المنتجة للغذاء عالميا أو حروب ، مع احتمال تفاقم الأزمة في حال أقدمت هذه الدول المنتِجة على فرض قيود أو حظر على تصدير منتجاتها الغذائية لحماية أسواقها الداخلية.
غير أنّ العامل المناخي، بما يشمله من حر شديد وجفاف واضطراب في الأمطار، يُقدم دائما بوصفه السبب الجاهز والمريح لصناع أزمات الغذاء العالمية، إذ يجري تضخيمه وتوسيعه بما يخدم مصالحهم. وعندما تقتضي الحاجة إلى تبرير إضافي، يُستدعى خطاب قديم متجدد، كالنظرية المالتوسية، التي تُحمل الفقراء والجوعى مسؤولية بؤسهم، بحجة أن تكاثرهم السكاني يفوق قدرة العالم على إنتاج الغذاء. وفي هذا السياق، يُعاد ترويج فكرة الدواء المر" ، أي الحروب والأوبئة والأمراض، باعتبارها وسائل طبيعية للتخلّص من ما يُسمّى بالفائض السكاني ، وهو فائض لا يكون كذلك إلا قياساً إلى إلى مستوى متدن من الإنسانية يفرضه النظام الاقتصادي العالمي القائم.
نحن إذن أمام أزمة ارتفاع في أسعار الغذاء، لكن السؤال الجوهري الذي يُتعمد تجاهله هو:
هل تعود هذه الأزمة في أصلها إلى نقص حقيقي في إنتاج الغذاء عالمياً ؟
الجواب الذي يتجاهله صُناع الأزمة، ويتعمدون القفز فوقه، هو أن العالم ينتج سنوياً من الغذاء ما يكفي للقضاء الكامل على الجوع، والمجاعات، وأمراض سوء التغذية في مختلف أنحاء المعمورة. بل إن عدداً من الباحثين الموضوعيين في اقتصاد الغذاء يذهبون إلى أن حجم الإنتاج العالمي يسمح بجعل جزء من الغذاء مجاناً أو شبه مجاني، وإخراجه من منطق السلعة التجارية، مع تخفيض أسعار الجزء الأكبر منه إلى مستويات متدنية جداً. وهذا يعني، في جوهره، أن الجوع العالمي لا ينتج عن الندرة، بل عن الوفرة نفسها، حين تُدار وفق منطق الربح والاحتكار.
ومن زاوية الإمكانات المتاحة، لا من زاوية الواقع القائم، يمكن القول إن تقليص حجم الاستثمارات الموجهة إلى الصناعات العسكرية وغيرها من القطاعات التي لا تلبي حاجات إنسانية فعلية، وتحويل هذا الفائض الرأسمالي إلى الزراعة والصناعات الغذائية، كفيل بإطلاق ثورة حضارية حقيقية. ثورة قد يكون إنجازها الأول فك الارتباط السببي بين العمل والغذاء، بحيث يصبح الحصول على غذاء كاف وصحي حقا إنسانياً غير مشروط بالعمل. ويمكن تخيّل الآثار الاجتماعية والأخلاقية والإنسانية العميقة لمثل هذا التحوّل التاريخي، الذي لا تعيقه سوى المصالح الضيقة لفئات قليلة متحكمة.
كما يتجاهل الخطاب السائد دور المضاربات في أسواق الغذاء العالمية، حيث تقوم قلة من المؤسسات الرأسمالية الكبرى بشراء كميات هائلة من الغذاء في فترات الرخص، وتخزينها، ثم طرحها في الأسواق خلال فترات الغلاء لتحقيق أرباح فاحشة من فروق الأسعار. وهذه الممارسات، التي لا تقل وحشية عن أكل الإنسان لحم أخيه الإنسان، تشارك فيها مؤسسات مالية وبنوك عالمية، على مرأى ومسمع من الحكومات والشعوب. وقد تذهب هذه الجهات، في سبيل حماية أسعارها الاحتكارية، إلى إتلاف كميات ضخمة من الغذاء أو رميها في البحر، بدل إتاحتها للناس.
يبقى السؤال الجوهري هو لماذا يجوع الناس؟ ولماذا يمرضون أو يموتون جوعاً أو بسبب سوء التغذية؟
السبب بسيط في ظاهره، عميق في جوهره ، لأنهم لا يملكون المال اللازم لشراء الغذاء. وهم لا يملكون هذا المال لأنهم بلا عمل، أو لأنهم خارج سوق العمل. ومن لا يعمل لا يملك دخلا، ومن لا يملك دخلا لا يستطيع الحصول على الطعام.
أما من يعمل بأجر متدن، فإن الجزء الأكبر من دخله يُستنزف في تأمين الغذاء، وغالباً ما يكون غذاء قليل الكمية ورديء النوعية. وكلما ارتفعت نسبة ما يُنفق على الطعام من الدخل، تقلّصت قدرة الإنسان على تلبية حاجاته الأخرى، أي حاجات إنسان القرن الحادي والعشرين. ومع ازدياد هذا العجز، يضطر الفرد إلى استنزاف وقت أطول وجهد أكبر لزيادة دخله، فإذا نجح في ذلك لم يتبق لديه من وقت الفراغ ، وهو المصدر الحقيقي للحضارة ، ما يسمح له بتلبية حاجاته الفكرية والروحية والثقافية، وهي الحاجات التي تُعد المقياس الأدق لإنسانية الإنسان.